"هوس" يصنع معجزة في شبّاك التذاكر: رعب ساخر ومربك والمخرج يقول "أنا هنا"
هل تتبدّل علاقتنا بالأمنية في اللحظة التي تتحقّق فيها؟ وماذا لو انطلقت الأمنية، بعد تحقّقها، إلى أقصى حدود مخيلتها، فمنحتنا أكثر ممّا حلمنا به؟ أسئلة يمكن التوسّع فيها، لكنها تشكّل المدخل الأمثل إلى "هوس" لكاري باركر، حيث يجد موظّف عشريني (مايكل جونستون) نفسه، بمحض المصادفة، أمام لعبة معروضة في متجر تمتلك قدرة خارقة على تحقيق الأمنيات. في البداية، لا يأخذ الأمر على محمل الجد، فيتمنّى فقط لو تقع زميلته (اندي نافاريت)، التي طالما أُعجِب بها، في حبّه… حتى هذه اللحظة، كلّ شيء يبدو منطقياً، غير أن الأمنية تتحقّق على نحو يفوق التوقّعات: لا تكتفي الفتاة بمبادلته المشاعر، وإنما تنزلق إلى عشق مرضي يتضخّم تدريجاً، قبل أن يتحوّل إلى هوس قاتل.
يقدّم الفيلم هذه الفكرة ضمن مناخات خانقة، تحافظ على تماسكها طوال قرابة ساعتين، فنشعر وكأننا عالقون داخل كابوس طويل لا بد أن نستفيق منه في أي لحظة. وما يبدأ كقصة رومنطيقية، ينقلب إلى رعب نفسي، بعدما تغدو البطلة أقرب إلى الفتاة الممسوسة في "ذا اكزورسيست". والمفارقة أن المخرج، كلما بالغ في تغليظ ملامح الحكاية ودفعها نحو أقصى حدودها، ازدادت قابليتنا لتصديقها. وهنا تكمن براعته الحقيقية.
مهما تخيّلتم مسار الأحداث في أذهانكم وأنتم تقرأون هذه السطور، فلن تتمكّنوا من "رؤية" الفانتازيا التي يضعكم حيالها المخرج كاري باركر، البالغ من العمر ستةً وعشرين عاماً، والذي يأتي بفيلم مغاير منذ تجربته الأولى في إنجاز فيلم طويل، وهو عملٌ لعِبٌ يعيد النظر في أساليب سينما الرعب، مستحضراً في خلفيته البدايات المتمردة لفنّانين كبار مثل ديفيد لينتش وبول توماس أندرسون ودارن أرونوفسكي وأليخاندرو أمينابار، وغيرهم. مع ضرورة التنبيه إلى أن تجاوز أول نصف ساعة يحتاج إلى بعض الصبر، إذ إنه ليس أفضل ما فيه، وإن كان يمهّد لعالمه.

أميركا ليست مجرد عاصمة للسينما المنتشرة بوفرة، أميركا هي أيضاً وخصوصاً، أرض الممكن سينمائياً، حلبة صراع بين داود وجالوت. ففي الوقت الذي قد تتعرض فيه أفلام الاستوديوات الضخمة، رغم تخطيطها الدقيق وإشراف نخبة من المتخصّصين، لانتكاسات غير متوقّعة، تستطيع أفلام أولى لمخرجين مجهولين أن تقتحم السوق وتحقّق اختراقاً واسعاً. إنها سيادة الفكرة اللمّاعة، والولايات المتّحدة في هذا المجال أشبه بمختبر للأفكار الطليعية التي تصبح ذهباً خالصاً متى وجدت طريقها إلى الجمهور، ومتى أحسن صاحبها اقتناص اللحظة.
هذا ما حدث مع جورج روميرو في أواخر الستينات، يوم أنجز "ليلة الأحياء الأموات"، بموازنة لم تتجاوز مئة ألف دولار، ليحقّق لاحقاً أرباحاً تزيد على 250 ضعف هذا الرقم في شبّاك التذاكر الأميركي. وتكرر المشهد أكثر من مرة، إلى أن جاء "نشاط خارق"، الذي حصد نحو مئتي مليون دولار مقابل موازنة لم تتجاوز 15 ألف دولار، في حين بلغ إجمالي إيرادات "هوس" نحو أربعمئة مليون دولار، رغم أن تحقيقه كلّف أقل من مليون.
صحيح أن الأرقام في السينما ليست معياراً للجودة ولا للرداءة، لكنها تظل قادرة على الإشارة إلى قوة الفكرة حين تتحوّل إلى ظاهرة، وإلى الدور الذي تضطلع به في تشكيل مسار الذائقة العامة وصناعة الظواهر الثقافية.
"هوس" من الأفلام التي تدخل إلى معبد السينما من الباب العريض، ويُرجَّح أن يظلّ ماثلاً في الذاكرة بعد عقود طويلة. فمن فكرة بسيطة يمكن احتواؤها في جملة واحدة، يتشكّل نصّ سينمائي يتنفّس من رئتي السينما، ككائن يتحرك على إيقاع أربع وعشرين صورة في الثانية. إنه فيلم منزوع السياق، وخالٍ من المزايدات الإيديولوجية الفارغة، تدور أحداثه في الليل حصراً، ضمن نطاق محدود من الشخصيات، وحيث يسود انطباع بأن العالم كله قد تم اختزاله إلى مساحة صغيرة. وإذا غضضنا الطرف عن بعض السمات الخاصة بالشخصية الأميركية في ردود أفعالها وسلوكها، فإن حكاية كهذه كان يمكن أن تقع في أي مكان آخر: في الصين أو السنغال أو إيطاليا. فالمكان هنا ليس سوى خلفية ذائبة، متروكة في حالة "تلاشٍ" لمصلحة الحبكة، التي تتقدّم كآلة تلتهم شخصياتها واحداً تلو الآخر.

"هوس" فيلم يعيدنا إلى الينبوع الأول للسينما، تلك اللحظة التي كانت فيها الصورة قادرة على إقناعنا بما تعجز الفنون الأخرى عن جعله ممكناً.
بالتأكيد، ليس للقصّة قيمة لولا المعالجة التي يقدّمها مخرج واثق إلى أقصى حدود الثقة؛ ثقة متزايدة تتحوّل، في ذاتها، إلى أحد عناصر الحماية من احتمالات الفشل. هذا عمل فنّان يقول: "أنا هنا"، خلف الكاميرا، داخل الفكرة، على الشاشة، وفي كلّ زاوية تحتاج إلى بصمة إخراجية. ومع ذلك، فهو في الوقت نفسه يتوارى داخل العتمة، متعمّداً التخفّي.
هذا النمط ينعكس على المتفرج، إذ يُترَك من دون أي مرجعية يمكن الاتكاء عليها. تتطوّر الأحداث ضمن جو من الهلع التصاعدي، إلى حد يفقد معه المُشاهد بوصلته: لا يعرف تماماً إلى أين تتّجه الحكاية، ولا على أي أرض يقف. فالفيلم، من حيث الأجواء، ينتمي إلى سينما الرعب، غير أن مساره السردي يخرجه سريعاً من هذا الإطار، ضارباً بالتوقّعات عرض الحائط، ومراهناً على صبر المتلقّي الذي يتحوّل بدوره إلى عنصرٍ خاضع للاختبار والتلاعب المستمر.
نوع التشويق والرعب الذي يشتغل عليه المخرج، يمكن تسميته بـ"الرعب المتردّد“ الذي لم يحسم أمره: إذ يقترب منك بحزم، ثم يتراجع، ثم يعود ليمسك بك من جديد، في حركة ذهاب وإياب لا تستقر على حال. ومع تكرار هذا الإيقاع، تتحوّل اللعبة إلى ما يشبه مفارقة ساخرة، تتأمّل في طبيعة علاقة المُشاهد بالتوقّعات السردية.
يتركنا الفيلم حيال شذرات من الرعب، ذلك انه يعمل وفق منطق المدّ والجزر، مستنداً إلى توظيف شديد التعقيد للشريط الصوتي. كلّ ذلك يرفع بساطة الفيلم الظاهرة إلى مستوى آخر أكثر تركيباً.
لكن الفيلم ما كان ليبلغ هذا الحد من التأثير لولا الحسّ الساخر الذي يشتغل به المخرج، حسّ يذكّرنا به السيناريو بين الحين والآخر، رافضاً أن يُختزَل في مستواه الأول المباشر. وهكذا نبقى في حالة دائمة من الارتباك وعدم الارتياح، مترقّبين ما لن يحدث.
يفتح العمل، تبعاً لذلك، مجالاً واسعاً للتأويلات، تتراوح بين القراءة السطحية وقراءات أخرى أكثر تعقيداً، كلٌّ بحسب حساسيته وقدرته على التقاط الإشارات من زاويته الخاصة. فهناك مَن يرى فيه إعادة تموضع تجاه علاقات القوة بين الجنسين، وكيف أن فرض السيطرة والحبّ بالاكراه، لا يؤدّيان إلا إلى إنتاج شكل من الجحيم المتبادل للطرفين.
لكن لا يمكن اختزال الفيلم في خطوة تصحيحية مفادها أن العلاقات في عام 2026 ينبغي أن تقوم على الاختيار لا الإكراه. فهذه ليست قضية جديدة سينمائياً، وإنما موضوع تناولته الشاشة مراراً، منذ "جامع الفراشات" لوليم وايلر، وصولاً إلى "هوس" براين دبالما.
في فيلم يبدو بسيطاً من الخارج، لكنه شديد التعقيد في بنيته، ثمة "شمّاعة" تُعلَّق عليها أفكار مختلفة، ومع ذلك، يحلو لي الاعتقاد بأنه يذكّرنا بالحقيقة الآتية: لا حبّ من دون قرار حر، والا تحوّل إلى فيلم… رعب!
نبض