كأس العالم في "مجتمع الفرجة"

ثقافة 29-06-2026 | 09:00

كأس العالم في "مجتمع الفرجة"

لماذا أصبح كأس العالم أحد أعظم العروض الثقافية في عصرنا؟

كأس العالم في "مجتمع الفرجة"
مشجع برازيلي يحضر مباراة البرازيل واسكتلندا في كأس العالم 2026 (أ ف ب)
Smaller Bigger

قبل انطلاق أول مباراة، يكون كأس العالم قد حقّق إنجازاً ثقافياً استثنائياً، إذ يجمع مليارات البشر حول حدث واحد في وقت واحد، وهو ما لا يحققه سوى عدد قليل جداً من الظواهر الثقافية المعاصرة.

يعود ذلك إلى أنّ كأس العالم هو أحد أبرز العروض الثقافية الأدائية في القرن الحادي والعشرين، يحتل مساحة تلتقي فيها المسرح والطقوس وصناعة الأسطورة، وتكمن أهمّيته في تحويل لعبة إلى فعل عالمي لإنتاج المعنى الجماعي.

يرى منظّر دراسات الأداء ريتشارد شخنر أن الأداء يمتد إلى ما هو أبعد كثيراً من خشبة المسرح، ليشمل الاحتفالات والتجمعات العامة والطقوس الاجتماعية. وبالمثل، وصف عالم الأنثروبولوجيا فيكتور تيرنر الطقس بوصفه فضاءً انتقالياً تُعلَّق فيه الحياة اليومية، وتُعاد خلاله المجتمعات تنظيم نفسها موقتاً حول رموز وتجارب مشتركة.

و"المونديال" هو التجسيد الأوضح لهذه الحالة، إذ تتشابه المباراة والعرض المسرحي: لاعبون في ساحة صُمّمت بعناية، تؤدي قمصانهم وظيفة الأزياء المسرحية، بينما تصنع الأناشيد والعروض الجماهيرية مشهداً احتفالياً متكاملاً، تُحييه أسماءٌ لامعة مثل شاكيرا، والجمهور عنصر لا غنى عنه.

مع ذلك، تختلف كرة القدم عن المسرح في أنّه يعرف نهايته مسبقاً، على عكس المباراة التي يُكتب نصّها لحظة بلحظة، ولا يمتلك اللاعبون ولا المتفرجون امتيازاً يحسم خاتمتها. وهذه اللايقينية هي التي تمنح اللعبة توتراً درامياً خاصاً.

 

تجربة ثقافية مشتركة

 

والبطولة تُجسّد واحدةً من أقدم أفكار علم الاجتماع. وإميل دوركايم تحدّث عن لحظات "الفوران الجمعي" التي يشعر فيها الأفراد بأنهم جزء من جماعة أكبر من ذواتهم الفردية. وفي المجتمعات الحديثة، الآخذة بالتفكّك بفعل الاستهلاك الخاضع للخوارزميات، نادراً ما تختبر المجتمعات مثل هذا الشعور الجماعي الذي يُحقّقه كأس العالم.

تتجلى الهوية الوطنية في الأعلام والأغاني والألوان التي يلتف حولها المشجعون، فيما تنشأ هوية عالمية من المشاركة المتزامنة في حدث يتابعه الناس عبر القارات. وهكذا تخلق البطولة مفارقة ثقافية نادرة؛ فهي تحتفي بالاختلاف، وفي الوقت نفسه تجمع العالم داخل سردية واحدة.

لهذا، لا ينبغي النظر إلى كرة القدم بوصفها نقيضاً للفن؛ وبالنظر إلى كتاب "الإنسان اللاعب" (Homo Ludens)، نرى أنّ المؤرخ الهولندي يوهان هويزينغا حاجج بأنّ اللعب أحد الأسس التي قامت عليها الحضارة الإنسانية. فالقانون، والشعر، والمسرح، والطقوس، جميعها تنبثق، بطرائق مختلفة، من نزعة الإنسان إلى ابتكار عوالم تحكمها قواعد ورموز مشتركة. وتنتمي كرة القدم إلى هذا الإرث؛ فهي ليست نقيضاً للثقافة، بل أحد تعبيراتها الحية، وتذكير حيّ بأنّ المجتمعات استخدمت الألعاب، منذ أقدم العصور، لاستكشاف الهوية، والصراع، والتعاون، والخيال.

ويعقّد كأس العالم أيضاً النقد الشهير الذي قدّمه غي ديبور لـ"مجتمع الفرجة"، يوم حذّر من أنّ الحياة الحديثة تستبدل الخبرة المعيشة بالصور الوسيطة، بما يشجع على التلقي السلبي. ولا شك في أنّ كأس العالم يُعد من أكثر الأحداث خضوعاً للوساطة الإعلامية على وجه الأرض، إذ يُستهلك عبر عدد لا يُحصى من الشاشات والمنصات الرقمية. لكنه، في الوقت نفسه، يقاوم التحول الكامل إلى سلعة، لأنّ دراماه الأساسية تظلّ مفتوحة على بما لا يمكن اختزاله أو التحكّم فيه. الفرجة موجودة، لكنها متجذرة في حالة عدم اليقين.

ولعلّ هذه اللايقينية تفسّر لماذا تولّد كرة القدم مشاعر تضاهي - وربّما تتجاوز - تلك التي تنتجها الأعمال الروائية. فقد رأى رولان بارت أنّ الثقافة الحديثة تصنع أساطير تمنح الأحداث اليومية قوة رمزية. ويواصل كأس العالم إنتاج مثل هذه الأساطير.

ومن هذا المنظور، فإن الأهمية الثقافية لكأس العالم لا علاقة لها كثيراً بما إذا كان أكثر شعبية من السينما أو التلفزيون. فالمقارنة في حد ذاتها تُخطئ جوهر المسألة. فالأفلام تدعو الجمهور إلى دخول عوالم صيغت بعناية، أما كأس العالم فيدعو العالم إلى تشييد عالم واحد معاً. وقد يكون "المونديال" أكثر أشكال الفرجة إقناعاً عبر قصة لم يكتبها أحد، ويُسهم الجميع في روايتها.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 6/26/2026 8:57:00 AM
بحسب مصدر مقرب من العائلة، فإن جورج "كان يرغب دائماً في السير على خطى والده".
فن ومشاهير 6/27/2026 9:21:00 AM
محطات من حياتها الشخصية السابقة، وعلى رأسها خطبتها الشهيرة من المطرب محمد عطية عام 2020.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
رياضة 6/27/2026 8:05:00 AM
منتخب الرأس الأخضر يصنع المفاجأة في كأس العالم 2026 ويتأهل إلى دور الـ32 بعد إنهائه الدور الأول بثلاثة تعادلات مع إسبانيا وأوروغواي والسعودية... من هو هذا المنتخب؟