فيلم Toy Story 5... هل الشاشة عدوّة الطفل فعلاً؟

ثقافة 28-06-2026 | 11:16

فيلم Toy Story 5... هل الشاشة عدوّة الطفل فعلاً؟

يطرح Toy Story 5 سؤال من يملك انتباه الأطفال في عصر الشاشات والخوارزميات.
فيلم Toy Story 5... هل الشاشة عدوّة الطفل فعلاً؟
جيسي وشخصية "الآيباد" الجديدة. (بيكسار)
Smaller Bigger

لا يظهر في "حكاية لعبة 5" (Toy Story 5) أيّ سياسيين. لا انتخابات، لا خطابات أيديولوجية، ولا حروب؛ ومع ذلك، قد يكون هذا الفيلم أكثر أفلام "بيكسار" طابعاً سياسياً، ذلك ينشغل بالسؤال الأكثر إلحاحاً في الطفولة المعاصرة: من يملك انتباه الأطفال؟

عندما صدر الجزء الأول من Toy Story عام 1995، طرح سؤالاً بسيطاً في ظاهره: ماذا يحدث عندما يكبر الطفل ويترك ألعابه خلفه؟ بعد ثلاثة عقود، يبدو هذا السؤال بسيطاً فعلاً، إذ إنّ الطفولة ذاتها تغيّرت، ولم يعد للعبة تأثيرها المعهود، بل ذلك الجهاز المستطيل المضيء الذي يرافق الأطفال أينما كانوا، مقدّماً لهم الألعاب والفيديوهات والتوصيات وسلسلة لا تنتهي من المستجدات.

 

عودة مغامرات الصديقين وودي وباز. (بيكسار)
عودة مغامرات الصديقين وودي وباز. (بيكسار)

 

لهذا السبب، يعبّر Toy Story 5 عن قلق ثقافي عميق، ويسأل: من يمتلك انتباه الأطفال اليوم؟ فإن كانت نقاشات القرن العشرين حول الطفولة دارت حول التعليم أو الانضباط أو التلفزيون، فإنّ القرن الحادي والعشرين يدور بصورة متزايدة حول المنصات والخوارزميات وتعظيم التفاعل. ويحوّل أحدث أفلام "بيكسار" هذا التحوّل التاريخي الهائل إلى قصة عائلية حميمة.

وهذا ما يعطي الفيلم أهمّيته، إذ يلتقط لحظة تاريخية تتبدل فيها تجربة الطفولة تحت تأثير تقنيات رقمية لا تسعى فقط إلى الإخبار أو الترفيه، بل إلى كسب انتباه الأطفال وإبقائه مشدوداً لأطول وقت ممكن.

من الألعاب إلى الشاشات

عندما عُرض أول جزء من Toy Story عام 1995، لم تكن الهواتف الذكيّة موجودة بعد، ولم تكن وسائل التواصل الاجتماعي قد وُلدت. كان الإنترنت يشقّ طريقاً صعباً نحو المنازل. آنذاك، كانت الطفولة لا تزال تتمحور إلى حدّ كبير حول أشياء مادية، من دمىً، ومكعّبات "ليغو"، ودرّاجات، ودفاتر تلوين، ودببة محشوّة...

 

شخصية جيسي في فيلم Toy Story 5. (بيكسار)
شخصية جيسي في فيلم Toy Story 5. (بيكسار)

 

تلك العناصر المادية التي رافقت طفولة جيل كامل، لم تكن تقتصر على الترفيه، إذ كانت تتطلّب الخيال لتتحوّل وتكتسب صفات الأحياء، وفقاً للحكاية التي يبتكرها الطفل، يوم كانت بساطة اللعبة تفتح أمامه أوسع مساحة للابتكار.

يؤكّد علماء نفس النموّ دور هذا النوع من اللعب المفتوح في التطور المعرفي، وقد وصف جان بياجيه اللعب بأنه الوسيلة التي يبني الأطفال من خلالها المعرفة بصورة نشطة، بدلاً من استيعاب المعلومات فحسب. أما دونالد وينيكوت، فذهب أبعد من ذلك، معتبراً أنّ اللعب يحتل "حيّزاً انتقالياً" فريداً بين الخيال الداخلي والواقع الخارجي، وهو الحيّز الذي تتكوّن فيه الهوية والإبداع والمرونة النفسية تدريجاً.

عزّزت عقود من الأبحاث في علم نفس النموّ أهمية اللعب التخيّلي. وترى أليسون غوبنيك، التي تركز أبحاثها على كيفية تعلّم الأطفال، أنّ عقول الصغار تشبه العلماء الذين يطوّرون باستمرار فرضيات عن العالم أكثر مما تشبه الحواسيب التي تنفّذ التعليمات. ويُعدّ اللعب أحد المختبرات التي تُختبر فيها تلك الفرضيات.

 

وودي وباز في فيلم Toy Story 5. (بيكسار)
وودي وباز في فيلم Toy Story 5. (بيكسار)

 

ولهذا كانت الألعاب المادية تشجّع الطفل على التجريب، لأنها لم تكن ترسم له مساراً محدداً، بل تترك له حرية اكتشاف الاحتمالات بنفسه. أما المنصات الرقمية، فغالباً ما تسلك اتجاهاً معاكساً؛ إذ تقترح المحتوى، وتوجّه الاختيارات، وتكافئ أنماطاً معيّنة من التفاعل، فتجعل التجربة أكثر توجيهاً منذ البداية.

اقتصاد الانتباه يدخل غرفة الأطفال

خلال العقدين الماضيين، بات الاقتصاديون وعلماء النفس وباحثو الإعلام يصفون الانتباه بأنه أحد أثمن الموارد في العالم. فوفرة المعلومات جعلت الانتباه البشري مورداً نادراً، وأصبحت المنصات الرقمية تتنافس بلا هوادة للاستحواذ عليه.

في كتابه "24/7"، رأى جوناثان كراري أنّ الرأسمالية المعاصرة تسعى بتزايد إلى تقليص لحظات الفراغ والخمول والراحة، بحيث تتحول كلّ دقيقة فارغة إلى فرصة تجارية. والأطفال ليسوا بمنأى عن ذلك، وباتوا يدخلون هذه المنظومة الاقتصادية في سنّ أبكر من أيّ جيل سبقهم.

فعلى عكس التلفزيون، الذي كان يبثّ البرامج نفسها للجميع، تقوم البيئات الرقمية اليوم بتخصيص التجربة لكلّ مستخدم؛ إذ تتعلم أنظمة التوصية تفضيلات الأطفال، وتتنبأ بسلوكهم، وتواصل تحسين وسائل جذبهم للتفاعل.

 

شخصية جيسي في فيلم Toy Story 5. (بيكسار)
شخصية جيسي في فيلم Toy Story 5. (بيكسار)

 

وتصف شوشانا زوبوف هذا النموذج الاقتصادي الأشمل بمصطلح "رأسمالية المراقبة"؛ أي الأنظمة التي تجمع البيانات السلوكية لا لفهم المستخدمين فقط، بل لتشكيل سلوكهم المستقبلي.

بالنسبة إلى البالغين، يثير ذلك أسئلة واضحة حول الخصوصية والاستقلالية؛ أما بالنسبة إلى الأطفال، فهو يطرح أسئلة أعمق بكثير حول النموّ ذاته: ماذا يحدث عندما تتشكل عادات الانتباه الأولى لدى الطفل باستمرار تحت تأثير أنظمة صُمّمت لتعظيم التفاعل؟

يلتقط Toy Story 5 هاجساً يرافق كثيراً من الآباء والأمهات، وهو احتمال أن تكون الألعاب فقدت دورها المركزي في حياة الأطفال؛ فكيف يعيش بها الطفل طفولته اليوم وقد "اختفى" الملل؟

رأى المؤرّخ الهولندي يوهان هويزينغا، في أطروحته الشهيرة، أنّ الثقافة نفسها تنبع من اللعب. فقبل ظهور القوانين والمؤسسات والأدب، كان البشر يخلقون المعنى عبر النشاط اللعبي. وإذا تغيّر اللعب، فإنّ الثقافة نفسها ستتغيّر معه في نهاية المطاف.

كذلك لاحظ علماء الأعصاب أن فترات التفكير الموجّه من الداخل، أي اللحظات التي يسرح فيها الذهن بدلاً من الاستجابة لمحفزات خارجية متواصلة، ضرورية للإبداع، وترسيخ الذاكرة، وحلّ المشكلات.

 

شخصية وودي في فيلم Toy Story 5. (بيكسار)
شخصية وودي في فيلم Toy Story 5. (بيكسار)

 

لذلك، قد لا يكون اختفاء الملل مجرد تبدّل في أسلوب الحياة، بل تحوّل يمسّ البيئة التي يتشكل فيها الخيال نفسه. ومن هنا يكتسب الصراع في Toy Story 5 بُعده الحقيقي؛ فهو لا يدور بين ألعاب قديمة وتقنيات حديثة، ولا بين طفولة "جيدة" وأخرى "سيئة"، بل بين طريقتين مختلفتين في بناء الانتباه.

وهنا تستعيد مقولة مارشال ماكلوهان الشهيرة، "الوسيلة هي الرسالة"، راهنيتها، إذا ما اعتبرنا أنّ الأهمية الثقافية للأجهزة اللوحية تكمن في طبيعة التجربة التي تشجّع عليها، لا في محتواها وحده: استجابة سريعة، تجدّد، واستهلاك سلس لا يتطلّب مجهوداً.

لكن هذا لا يعني أنّ التقنيات الرقمية تقف على النقيض من الإبداع. فكثير من الأطفال يستخدمونها اليوم للتعلم، وصناعة الأفلام، والرسم، وتأليف الموسيقى، والتعاون مع آخرين في أنحاء العالم بطرق لم يكن من الممكن تصوّرها قبل ثلاثة عقود.

لذلك، لا يتمثّل السؤال في ما إن كانت الشاشات مفيدة أو ضارة بطبيعتها، بل في الدور الذي تؤدّيه داخل تجربة الطفولة: هل أصبحت توسّع مساحة الخيال، أم بدأت تحلّ محلّه؟

وكان نيل بوستمان قد أعرب في ثمانينيات القرن الماضي عن قلقه من أنّ وسائل الإعلام الإلكترونية تذيب الحدود بين الطفولة والرشد، لأنّها تعرّض الأطفال لمعلومات كانت تمرّ سابقاً عبر عملية تنشئة تدريجية.

"بيكسار" مرآة لقلق الآباء

سيكون من السهل التعامل مع Toy Story 5 باعتباره فيلماً مناهضاً للتكنولوجيا، لكن هذه القراءة تختزل ما يحاول الفيلم قوله. "بيكسار" لا تدافع عن الألعاب التقليدية، ولا تدين الشاشات، بقدر ما ترصد الحيرة التي تعيشها كثير من العائلات اليوم.

فالأجهزة الرقمية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياة الأطفال، ووسيلة للتعلم والإبداع والتواصل، لكنها في الوقت نفسه تثير أسئلة متزايدة حول الإدمان، وتشتّت الانتباه، وتراجع المساحات التي كانت تُبنى فيها العلاقات والخيال بعيداً عن الشاشة التي تحضر في Toy Story 5 بشخصية "ليلي باد"، الآيباد التي دخلت عالم "بيكسار" أخيراً. وفي المقابل، لا يقدّم الفيلم الألعاب التقليدية بوصفها حلاً سحرياً أو طريقاً للعودة إلى ماضٍ مثالي.

لهذا، يقف Toy Story 5 كمرآة تعكس واقع التربية المعاصرة، مستعيداً النقاش الذي يتكرر يومياً داخل كثير من البيوت: متى ينبغي أن يدخل الطفل العالم الرقمي؟ وكم من الوقت يمكن أن يقضيه أمام الشاشة؟ وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تصبح امتداداً للخيال، لا بديلاً منه؟ وهذه، في النهاية، أسئلة تمسّ الثقافة التي نبنيها للأجيال المقبلة.

الأكثر قراءة

رياضة 6/24/2026 8:03:00 PM
حلقة تتناول كرة القدم بكل جوانبها، وبشكل خاص خلال نهائيات كأس العالم 2026.
رياضة 6/26/2026 12:22:00 PM
لعن رونالدو وهاري كين وتنبأ ببطل العالم... من هو الساحر الغاني نانا كواكو بونسام؟
رياضة 6/27/2026 2:00:00 AM
ودّعت السعودية مونديال 2026 لكرة القدم على الرغم من تعادلها سلبا مع الرأس الأخضر التي حققت تأهلا تاريخيا في مشاركتها الأولى إلى دور الـ32 من دون أي فوز، ضمن الجولة الثالثة الأخيرة من الدور الأول
رياضة 6/27/2026 5:15:00 AM
حلت مصر وصيفة لمجموعتها بتعادلها مع إيران 1-1، بعد ساعات من ضمانها التأهل رسمياً إلى دور الـ32 من كأس العالم 2026، للمرة الأولى في تاريخ مشاركاتها الأربع