التفاؤل والعمارة... رحلة في كتاب جائزة الأغا خان للعمارة (5)

ثقافة 25-06-2026 | 12:54

التفاؤل والعمارة... رحلة في كتاب جائزة الأغا خان للعمارة (5)

الجزء الخامس- من المحلي إلى العالمي: مقاومة الهيمنة الشكلية

التفاؤل والعمارة... رحلة في كتاب جائزة الأغا خان للعمارة (5)
مبنى “ذا آرك“ في مدرسة “غرين سكول“، بالي.
Smaller Bigger

محمد أدهم السيد

يشكّل كتاب "التفاؤل والعمارة" الصادر عن جائزة الآغا خان للعمارة محاولة لإعادة التفكير في دور العمارة في عالم تتزايد فيه التشابهات البصرية وتتراجع فيه خصوصية المكان. وفي هذا الجزء من رحلة الحديث عن الكتاب، ينتقل النقاش من سؤال التراث بوصفه موردًا للمستقبل إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف يمكن للعمارة أن تكون محلية وعالمية في آنٍ واحد، من دون أن تقع في فخ الاستنساخ أو الانغلاق؟

لم تعد العولمة اليوم تعني فقط انتقال الأفكار أو التقنيات بين البلدان، بل باتت في كثير من الأحيان تنتج نوعًا من التوحيد البصري. فمن الخليج إلى شرق آسيا، ومن أفريقيا إلى أوروبا، تتكرر المشاهد العمرانية ذاتها: أبراج زجاجية متشابهة، واجهات لامعة، مساحات عامة مصممة وفق قوالب جاهزة، ومبانٍ يمكن نقلها من مدينة إلى أخرى من دون أن يتغيّر معناها كثيرًا. في هذا المناخ، أصبح "العالمي" مرادفًا للمُوحّد والمعياري، بينما جرى اختزال "المحلي" إلى مجرد زخارف فولكلورية أو إشارات تراثية سطحية تُضاف إلى مشروع لا علاقة حقيقية له بالمكان.

 

مبنى “ذا آرك“ في مدرسة “غرين سكول“، بالي.
مبنى “ذا آرك“ في مدرسة “غرين سكول“، بالي.

 

لكن الكتاب يقترح قلب هذه المعادلة. فالعالمية، بحسب الرؤية التي يطرحها، لا تتحقق عبر التشابه الشكلي، بل عبر قدرة المشروع على معالجة قضايا إنسانية مشتركة انطلاقًا من شروطه الخاصة. المشروع يصبح عالميًا عندما يقدّم معرفة قابلة للتعلّم، لا عندما يكرّر لغة بصرية دولية. وهنا يظهر التفاؤل بوصفه إيمانًا بأن العمارة المتجذرة بعمق في سياقها المحلي قادرة على أن تُنتج أثرًا يتجاوز حدودها الجغرافية.

جناح المغرب في إكسبو دبي 2020
هذه الفكرة تتجلّى بوضوح في جناح المغرب في إكسبو دبي 2020 الذي صممه مكتب والالّو + تشوي، باريس، فرنسا.  فعوضًا عن اللجوء إلى الصورة النمطية للأجنحة العالمية القائمة على الإبهار التقني والشاشات العملاقة، اختار المشروع أن يعود إلى مادة تقليدية متجذرة في البيئة المغربية: الطين المدكوك.

 

جناح المغرب في إكسبو دبي 2020.
جناح المغرب في إكسبو دبي 2020.

 

غير أن العودة هنا لم تكن حنينًا رومانسيًا إلى الماضي، بل محاولة لتطوير هذه التقنية وإعادة إدخالها في العمارة المعاصرة من خلال ألواح مسبقة الصنع ونظام إنشائي متطور. وقد تميز الجناح" بتقديم تجربة استثنائية تحت شعار "نداء المستقبل: من أصول ملهمة إلى تقدم مستدام"، حيث سلط الضوء على التراث الغني للمملكة ورؤيتها للابتكار والاستدامة، وجذب أكثر من 800 ألف زائر.

 

اقرأ أيضاً: التفاؤل والعمارة: رحلة في كتاب جائزة الآغا خان للعمارة (4)

 

ترتفع واجهة الجناح إلى أكثر من ثلاثين مترًا، وتتوزع داخله فراغات العرض والمطاعم والمكاتب حول فناء مركزي يتخلله "شارع" داخلي مائل يستعيد روح المدينة المغربية التقليدية، لا عبر النقل الحرفي، بل عبر ترجمة علاقتها بالحركة والظل والتدرج المكاني.

 

جناح المغرب في إكسبو دبي 2020.
جناح المغرب في إكسبو دبي 2020.

 

هذا التكوين لم يكن قرارًا جماليًا فقط، بل استجابة مناخية أيضًا. ففي بيئة صحراوية قاسية تتجاوز فيها الحرارة 45 درجة مئوية، اعتمد المبنى على الجدران السميكة والتهوية الطبيعية والفناءات لتقليل الحاجة إلى التكييف الميكانيكي إلى الحد الأدنى. ونتيجة لذلك حصل البناء على شهادة الريادة في الطاقة والتصميم البيئي (LEED) الذهبية بفضل اعتماده استراتيجيات التبريد السلبي.

وهنا تحديدًا تتضح مقاومة الهيمنة الشكلية التي يتحدث عنها الكتاب. فالجناح لا يسعى إلى إنتاج شكل "غريب" أو "أيقوني" لجذب الانتباه وسط أجنحة المعرض، بل يراهن على تجربة مكانية نابعة من المناخ والثقافة. حتى الحلول البيئية - مثل الجدران السميكة، والتهوية الطبيعية، وتقليل الاعتماد على التكييف - ليست إضافات تقنية منفصلة عن التصميم، بل جزء من منطق العمارة نفسها.

 

جناح المغرب في إكسبو دبي 2020.
جناح المغرب في إكسبو دبي 2020.

 

الأهم أن المشروع يطرح فهمًا مختلفًا لفكرة العالمية. فبدل أن يقدّم نموذجًا يمكن نسخه شكليًا في أي مكان، يقدّم طريقة تفكير يمكن أن تُلهم مشاريع أخرى حول العالم: كيف يمكن للعمارة أن تستخدم مواردها المحلية بذكاء؟ وكيف يمكن أن تتحول المعرفة التقليدية إلى أداة معاصرة للمستقبل؟ بهذا المعنى، تصبح المحلية مصدرًا لإنتاج معرفة عالمية، لا عائقًا أمامها.

الدوحة: الاستمرارية بدل القطيعة
في سياق سياسي واقتصادي مختلف تماماً، يستعرض الكتاب مشروع فندق "ذا نيد الدوحة" الذي صممته شركة "ديفيد تشيبرفيلد للعمارة". لا يقتصر الطرح هنا على مواد البناء أو المناخ، بل يتعداهما إلى كيفية التعامل مع الإرث العمراني الحديث بحد ذاته.

 

مشروع فندق “ذا نيد الدوحة“.
مشروع فندق “ذا نيد الدوحة“.

 

يمثل المبنى، الذي كان في الأصل مقراً لوزارة الداخلية القطرية، نموذجاً فريداً لهذا التوجه؛ إذ صممه المهندس اللبناني ويليام صيدناوي في سبعينيات القرن الماضي، ويُعد من المعالم النادرة لمرحلة التطور الحديث المبكر في الدوحة، فضلاً عن كونه مثالاً بارزاً على العمارة الوحشية (البروتالية) في الشرق الأوسط. وقد جرى تحويل هذا المبنى إلى فندق يضم 90 غرفة وسبعة مطاعم، مما يعكس التزاماً واضحاً بتقليل البصمة الكربونية من خلال إعادة تكييف الهيكل القائم، ودعم الهوية الثقافية الإقليمية والمحلية.

عند النظر مبدئياً إلى المشروع، تتبادر إلى الذهن فكرة مفادها أن قرار الحفاظ على المبنى وإعادة استخدامه في مدينة تتسارع فيها عمليات الهدم والاستبدال لصالح الأبراج الجديدة، يُعدّ موقفاً ثقافياً بحد ذاته. لم يحاول المشروع محو ملامح المبنى الأصلية أو تغليفه بقشرة فاخرة تخفي تاريخه، بل عمل على تطويره بهدوء واحترام، حيث جُدّد بعناية وكُيّف ليصبح فندقاً فخماً مع توسعته بطابق علوي. يتميز مستوى المنصة الجديد، المظلّل بـ "بريز سولي" (حاجب شمس) من أضلاع خرسانية رفيعة، باحتوائه على مساحات عامة، ومنشآت فنية، وحدائق، وأحواض مائية تسهم في التبريد السلبي، بالإضافة إلى جناح واسع للفعاليات.

 

جناح المغرب في إكسبو دبي 2020.
جناح المغرب في إكسبو دبي 2020.

 

وتتّسم الإضافات المدمجة بعناية باستخدام مواد عالية الجودة، منها رخام كالاكاتا الأبيض، وتينوس الأخضر، إلى جانب الترافرتين وخشب الإيروكو. كما يشكّل الفناء الداخلي قلب المجمع، ويضمّ بارات ومطاعم، بينما يحتوي الطابق العلوي الجديد على منتجع صحي، ومركز للياقة البدنية، وصالة نادي، ويوفّر إطلالات على الخليج العربي وأفق المدينة.

هنا أيضًا تظهر فكرة مقاومة الهيمنة الشكلية. ففي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الفنادق الفاخرة حول العالم إلى إنتاج صورة متشابهة من الفخامة المعولمة، يعتمد المشروع على خصوصية المبنى ذاته وعلى ذاكرته المرتبطة بمدينة الدوحة. القيمة لا تأتي من "شكل جديد" بقدر ما تأتي من إعادة قراءة الموجود ومنح المبنى حياة جديدة داخل المدينة.

 

مبنى “ذا آرك“ في مدرسة “غرين سكول“، بالي.
مبنى “ذا آرك“ في مدرسة “غرين سكول“، بالي.

 

هذا النوع من المشاريع يطرح تصورًا مختلفًا للتطور العمراني؛ تطور لا يقوم على القطيعة المستمرة مع الماضي، بل على التراكم والاستمرارية. وهنا يصبح التفاؤل المعماري مرتبطًا بالثقة بأن المدينة تستطيع أن تتجدد دون أن تمحو ذاكرتها في كل مرة.

المحلية كأفق عالمي... قوس في المدرسة الخضراء
يُعد مبنى "ذا آرك" (القوس) في مدرسة "غرين سكول" ببالي، الذي صممته شركة "إيبوكو" بقيادة إلورا هاردي، مركزاً جديداً للعافية المجتمعية، شُيّد في موقع صالة رياضية مؤقتة سابقة. وخلافاً للمباني الأخرى في الحرم التي تعتمد على تقنية الأعمدة والعوارض التقليدية من الخيزران، يتميز "ذا آرك" بنظام إنشائي مبتكر يعتمد على أقواس من الخيزران تربط بينها شبكات ذات انحناء متعاكس؛ فهي محدبة على المحور الطولي ومقعرة على المقطع العرضي.

 

مشروع فندق “ذا نيد الدوحة“.
مشروع فندق “ذا نيد الدوحة“.

 

تصل هذه الأقواس إلى ارتفاع 14 متراً، مع مساحة داخلية مفتوحة تمتد لـ 19 متراً، مما يتيح استغلال المبنى كصالة رياضية ومركز مجتمعي لطلاب المدرسة ومعلميها. وقد أثمر استخدام الخيزران بالكامل في تشييد هذا الهيكل المفتوح عن توفير بيئة ملائمة للمناخ الاستوائي، تضمن تهوية طبيعية وراحة مستمرة بفضل التصميم السلبي الذي يتميز بأسقف عالية ونهايات مفتوحة وبروزات عميقة. ويُمثّل هذا المشروع ثمرة أكثر من عشر سنوات من الأبحاث حول توظيف الخيزران مادةً إنشائية مستدامة ومتعددة الاستخدامات.

في كثير من الخطابات المعمارية السائدة، يُنظر إلى المواد المحلية باعتبارها أقل "تقدمًا" من الخرسانة والفولاذ والزجاج. لكن المشروع يقلب هذه الفكرة رأسًا على عقب. فالخيزران هنا لا يُستخدم بوصفه عنصرًا حرفيًا أو ريفيًا، بل كمادة قادرة على إنتاج فضاءات واسعة ومعقدة إنشائيًا، من خلال نظام الأقواس الشبكية المنحنية الذي يمنح المبنى امتدادات كبيرة ومرونة عالية.

 

مشروع فندق “ذا نيد الدوحة“.
مشروع فندق “ذا نيد الدوحة“.

 

كما أن التصميم المفتوح، والأسقف المرتفعة، والبروزات العميقة، ليست قرارات شكلية بحتة، بل استجابة مباشرة للمناخ الاستوائي في بالي. المبنى يعمل مع البيئة بدل أن يحاول عزل نفسه عنها، وهو ما يقدّم بديلًا واضحًا عن النماذج الزجاجية المغلقة التي تُستهلك فيها الطاقة بشكل هائل للحفاظ على ظروف داخلية مصطنعة.

ما يجعل المشروع عالميًا ليس شكله العضوي اللافت فقط، بل الفكرة التي يحملها: إمكانية تطوير تقنيات بناء معاصرة انطلاقًا من موارد محلية متجددة. وهذا تحديدًا ما يقصده الكتاب بمقاومة الهيمنة الشكلية؛ أي الانتقال من تصدير الصور المعمارية إلى تصدير طرق التفكير والمعرفة.

 

مشروع فندق “ذا نيد الدوحة“.
مشروع فندق “ذا نيد الدوحة“.

 

من خلال هذه المشاريع، يسعى الكتاب إلى تفكيك وهم الهيمنة الشكلية الذي هيمن طويلاً على الخطاب المعماري العالمي؛ فالعمارة لا تُقاس بفرادة شكلها، بل بقدرة المشروع على بناء علاقة ذكية مع محيطه ومجتمعه وموارده. ولم تعد العالمية هنا مرتبطة بـ "لغة معمارية دولية" موحدة، بل بقدرة المشروع على تقديم حلول ذات مغزى تُلهم سياقات أخرى.

وهنا يبرز جوهر التفاؤل الذي يتبناه الكتاب؛ فهو ليس تفاؤلاً ساذجاً يتجاهل الأزمات، بل هو ثقةٌ في التنوع؛ إذ يدعو إلى عالم معماري متعدد المسارات، تتجاور فيه التجارب وتتبادل المعرفة دون التفريط في الخصوصية. فالعمارة التي تستند إلى فهم عميق للمناخ والاقتصاد المحلي وطرق العيش، لا تنتج مباني أكثر ملاءمة فحسب، بل تُقدّم معرفة أكثر صدقاً واستدامة. وبهذا، لا يصبح "المحلي" عائقاً أمام العالمية، بل هو بوابتها الحقيقية.

 

مشروع فندق “ذا نيد الدوحة“.
مشروع فندق “ذا نيد الدوحة“.

 

وفي هذا السياق، يأتي الانتقال إلى البعد البيئي مساراً طبيعياً؛ فإذا كانت الخصوصية الثقافية تقتضي تنوع المقاربات، فإن البيئة تفرض حدوداً لا يمكن تجاوزها. وسيتناول الجزء القادم مفهوم "التفاؤل البيئي" كما يطرحه الكتاب؛ وهو تفاؤل لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل على البساطة، والمعرفة المحلية، والعمل بذكاء ضمن حدود البيئة وإمكاناتها.

-يتبع-

 

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 6/23/2026 10:35:00 PM
بعد سنوات من الجدل القضائي... تنفيذ حكم الإعدام بحق "فتاة بورسعيد"
آراء 6/24/2026 2:11:00 PM
عندما يصبح السكن، وهو أبسط حقوق الإنسان، خاضعاً لاختبار الهوية، فإن المشكلة لا تكون في شقة للإيجار، بل في وطن لم ينجح بعد في استئجار مساحة مشتركة لأبنائه جميعاً.
النهار تتحقق 6/23/2026 9:29:00 AM
بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب رافع الرأس بفخر. وكُتب على صورته Thanks USA، اي شكراً الولايات المتحدة الأميركية.
لبنان 6/24/2026 9:11:00 PM
مصدر أمني سوري لـ"النهار" ينفي وجود حشود على الحدود مع لبنان