إدغار موران: من البسيط إلى المُركّب؛ من الواحد إلى المتعدِّد
يستهلّ إدغار موران كتابه قبل الأخير "دروس قرن من العيش" (Leçons d’un siècle de vie)، الصادر عام 2021 عن "منشورات دونويل"، بتساؤلات تلخّص سيرته الذاتية ومساره الفكري وقاعدته النظرية وتجلياتها كما حدّدها وعبّر عنها على امتداد قرن في عشرات كتبه ومواقفه: "من أنا؟ أجيب: أنا إنسان، إنه نوعي. لكن عندي عديد صفات، تختلف في الأهمية حسب الظروف: فأنا فرنسي من أصل يهودي سفاراد، وجزئيًا إيطالي وإسباني، ومتوسطي برحابة، وأوروبي ثقافيًّا، ومواطن من العالم، وابن الوطن الأم. ترى، هل نستطيع أن نكون هؤلاء جميعًا في وقت واحد؟ لا، يتوقف هذا على الظروف وأوقات تتغلب فيها هوية على أخرى (...) كيف يمكننا حيازة هويات عدّة؟ إنها الحالة المشتركة بين الناس (...) إذ لكلّ منا هوية مركّبة، واحدة ومتعددة".
من هنا المنطلق الأصوب للتعرّف إلى شخصية المفكر الفرنسي، عالم الاجتماع والباحث في الإنسانيات إدغار موران، الذي ودّعته الأوساط الأكاديمية والفلسفية والرسمية الكبرى أيضًا (1921 - 29/05/2026)، وشيّعت جثمانه بطقوس مهيبة تخصَّص للشخصيات الوطنية الكبرى، بحضور كبار الدولة يتقدمهم رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون، الذي ألقى خطابًا بليغًا وصف فيه الراحل بـ"جندي النهضة، المناضل والكاتب ومفكر القرن المدافع عن الأمّة"، يوجز خصاله ومحطّ إجماع رفاق دربه من مفكرين وأكاديميين وسياسيين، وكذلك من خصومه كثيرون.

طويلة، متعرّجة ومتشابكة هي سيرة موران ومتحولة، بدءًا من الاسم العائلي ناحوم، الذي هاجرت عائلته من سالونيك في اليونان لتستقر في فرنسا، ويأخذ هو اللقب الذي فرضته عليه فترة الاحتلال النازي وانخراطه في المقاومة، وبه وقّع أهم كتاب أصدره في البدايات "نقد ذاتي" (Autocritique) عام 1959، يعرض تجربته في العمل السياسي ضمن الحزب الشيوعي الفرنسي ويصفّي معه الحساب، الذي سيحرره، بالرغم من رفاقية المقاومة (متيران، مرغريت دوراس، ماسكولو)، في المستقبل من الاصطفاف اللامشروط مع الصف اليساري وفضّه للدوغما والفكر الأحادي. هذه هي العلامة المائزة الأولى التي طبعت تفكير الباحث السوسيولوجي ومساره، الذي سيحرمه خناق المطاردة النازية لليهود من تحصيل جامعي منتظم، فضمن لنفسه تكوينًا عصاميًا سيجعله مدى الحياة يغرّد خارج السرب بين الأوساط الأكاديمية والسوسيولوجية المحترفة، ويشقّ له طريقًا ملكًا له، وسيُعرف به، وتتأسس به مدرسة مستقلة في المقاربة والتحليل للمجتمع وأزماته.
عمّر الرجل حتى ظُنّ خالدًا، لكن بعطاء غزير ناهز 130 مؤلفًا، شملت حقولًا معرفية متعددة ومتنوعة في اختصاصات الفلسفة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والتاريخ السياسي، ما جعل منه مثقفًا إنسانيًّا عالميًّا موسوعيًّا، استمدّ معرفته وأغناها بالتنقل بين فرنسا وأميركا، بين كاليفورنيا والبرازيل، وفي الداخل الفرنسي، بعكوف تام شُبّه بالرهبنة الثقافية وضعت لها شرائعها الخاصة: أولها أنه لا يوجد فرق امتيازي بين الثقافة العالمة والثقافة الجماهيرية، وليس بينهما تراتبية، فالثانية أقدر على كشف مخيال المجتمع. ثانيها أنه، على عكس السوسيولوجيا المتأصلة في الجامعة والأبحاث المعتمدة، المعنية بالظواهر الشمولية، عُني موران بفحص ودراسة الظواهر الجزئية (épiphénomènes)، مثل حركة الـYéyé الشبابية في الستينات، وبدراسة قضايا في بيئة محلية ميدانيًا بالاحتكاك المباشر مع الجمهور والعيش مع الناس في بيوتهم، كما هي ثمرة البحث في بلدة بلوزيفيه وصدور كتابه عنها "تحوّل بلوزيفيه" (La métamorphose de Plozévet) عام 1967. يبتعد في المعالجة عن المناهج الرصينة المكرسة، ما جرّ عليه سخط الوسط الجامعي الذي رأى أبحاثه دخيلة على حقله؛ وهو بالفعل كان يعمل على النقيض من السوسيولوجيا السائدة في الستينات وبعيدها، في نهوضها أساسًا على التحقيقات الكمّية والإحصائية.

وترسّخت الطريقة في الكتاب الجماعي عن أحداث 1968 الطلابية في باريس "أيار/مايو 1968: الثغرة" (Mai 68, la brèche)، زادت معها حدة الاعتراض على أعماله تنقيصًا من قيمتها، فاعتُبرت تحقيقات صحفية عابرة، بينما هي مسلحة بتأملات فلسفية وتوثيق تاريخي أبعد من الكتابة الصحفية. لم يدرك، أو لم يرغب، غرماؤه في الجامعة الفرنسية وسدنة البحث السوسيولوجي في فهم وضعٍ يتبلور أمامهم بكيان باحث متعدد الاختصاصات، من جهة، وباختصاص فريد هو سوسيولوجيا الحاضر، من جهة ثانية. كان يطيب لموران أن يقول: "لا أحب السوسيولوجيا [بالإطلال عليها] من الشرفة (le balcon)"، وزكّاها تلامذته في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية، حيث درّس سنوات، بقولهم: "معه تعلّمنا أن نكون في الحدث، أولًا لنعيشه، وخارجه بعد ذلك لنفكر فيه".
"المنهج"... مشروعٌ لفهم تعقيد العالم
إنما يمكن اعتبار هذه الأفكار والاجتهادات المورانية مجملًا مقبلات للوجبة المعرفية الدسمة التي سيعكف على إعدادها وتقديمها على امتداد سنوات لطلابه وميادين أبحاثه (1977 - 2004)، أنجز فيها عمله الرئيس والكبير "المنهج" (La Méthode)، ليس الخطاب الديكارتي وسننه، بل ستة مجلدات نشرها بالتتابع، عالج فيها تعقيد الواقع بفلسفته وإثارة القضايا الكبرى فيه. يلخص فرنسوا ليفوني، في الأسبوعية الفرنسية "Le 1" (3 حزيران/يونيو)، هذه المنهجية في أنّ بغيتها ليست نبذ براديغم التبسيط ولا إقرار النظام بديلًا للفوضى، وإنما الكشف عن أننا نحيا في عالم شديد التعقيد، وأنك فيه إنسان معناه موجود في ثلاثية: الفرد/النوع/المجتمع، وأنّ الفرد هو نتاج ومنتِج في آن؛ وأنّ المجتمع نتيجة تداخلات أفراد تنظمهم وتؤنسنهم بالثقافة واللغة، والنوع البشري ضمن كلّ فرد. وينبغي ربط المتناقضات من قبيل أنّ الإنسان لا يُعرف بالعقل وحده، بل وبالجنون والحلم والخيال.
لفهم أوسع، نضيف أنّ مفهوم المنهج (la méthode) اشتقّه موران من الإغريق (meta-odos)، أي السير في طريق غير مرسوم سلفًا، وطموحه "موسوعي" ينزع، في معنى أول، إلى ربط الآراء المتفرقة للمعرفة في سلك نشط. كلّف موران نفسه مشقة عظمى النظر، بحسبه، إلى "العالم، والإنسان، والمعرفة، والفعل، كنُظم مفتوحة"، برهانٍ خطير هو قياس جميع تأثيرات الثورة الثقافية والأنثروبولوجية المحايثة للعلم الحديث بخلق مصطلح جديد. كلّ هذا يفضي إلى رفض منهجي للتبسيط والبحث ومحاولة فهم الكائن بآليات التعدد لا الواحد. هل نحتاج إلى القول إن فكر إدغار موران ساهم في رقيّ المعرفة الإنسانية، وإن رحيله فَقْدٌ كبير؟
نبض