هل نكتب اليوم لندافع عن قضية أم لنُرى؟ كتّاب عرب يجيبون "النهار"
سألني أحدهم مرّة: لماذا تكتبين؟ بدا السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه أربكني أكثر مما توقّعت. لم أكن قد واجهت الكتابة من هذه الزاوية المباشرة: أهي رغبة في الفهم؟ حاجة إلى التعبير؟ دفاع عن فكرة؟ أم مجرّد حضور في فضاء يطلب من الجميع أن يكونوا مرئيين طوال الوقت؟
استعاد السؤال، في داخلي، صوراً كثيرة من المشهد الثقافي الراهن: كتّاب قليلون في الإنتاج كثيرو الظهور والكلام عن أنفسهم، وآخرون يكتبون بصمت، ينتجون بغزارة، ويختارون العزلة كأنّ الكتابة عندهم فعل داخلي لا يحتاج إلى ضوء خارجي. بين هذين النموذجين، وجدتني أتساءل: في هذه البيئة الرقمية المتحوّلة، هل نكتب لنُرى فقط؟ أم لا يزال هناك من يكتب دفاعاً عن قضية، أو انحيازاً لفكرة، أو رغبة في فهم العالم؟
فرض عليّ السؤال أن أخرج من حدود التجربة الشخصية، وأن أناقشه مع كتّاب وكاتبات من المغرب العربي والمشرق، لفهم دوافع الكتابة اليوم وعلاقتها بالبيئة الرقمية.
لماذا نكتب اليوم؟
فرض عليّ السؤال أن أخرج من حدود التجربة الشخصية، وأن أناقشه مع مجموعة من الكتّاب والكاتبات من المغرب العربي والمشرق، في محاولة لفهم دوافع الكتابة اليوم وعلاقتها بالبيئة الرقمية. فما الذي تغيّر في معنى الكتابة؟ وما الذي بقي ثابتاً فيها؟
من الفعل التأملي إلى النشاط التفاعلي
ترى الكاتبة التونسية خيرة الساكت أنّ البيئة الرقمية أعادت تشكيل الدوافع النفسية والاجتماعية للكتابة. ففي الماضي، كما تقول، كانت الكتابة تنطلق من رغبة في الخلود الأدبي، ومن تأمّل طويل في الذات والقضايا الكبرى، داخل عزلة اختيارية تنتظر حكم الزمن. أمّا اليوم، فقد انتقلت الدوافع نحو الآنية والتشبيك، وصار الكاتب الرقمي مدفوعاً برغبة في التموقع داخل النقاشات الجارية، والحصول على تحقق فوري عبر الإعجابات والمشاركات والتعليقات.
وتعتبر الساكت أنّ الكتابة تحوّلت، في جزء كبير منها، من طقس تأملي إلى نشاط اتصالي مستمر مع بيئة لا تنام. كما دخلت، في حالات كثيرة، في منطق بناء “العلامة الشخصية”، واستثمار الحضور الرقمي بوصفه أداة للوجاهة أو العائد الاقتصادي. لكنها تؤكد، في المقابل، أنّ الانتشار الرقمي بات شرطاً لوجود النص في الفضاء العام، لا شرطاً لإنتاجه.
وترى أنّ التحدي الأكبر هو الحفاظ على الالتزام بعيداً من إملاءات الترند، عبر ما تسميه “التطويع الذكي”: أي استخدام أدوات العصر من دون التفريط في جوهر الفكرة. وتختصر موقفها بالقول: “أكتب للمساهمة في بناء وعي الإنسان ومواجهة سطحية العصر”.
"يكذب من ينكر فرحه بالإعجابات"
يذهب الكاتب والأكاديمي العراقي حمزة عليوي إلى التمييز بين ما قبل الإنترنت وما بعده، معتبراً أنّ الرقمنة أحدثت انقلاباً جذرياً في معنى الكتابة ودوافعها. يستعيد زمن الرقابة، حين كان التعبير حلماً يستحق المغامرة، قبل أن تغيّر وسائل التواصل قواعد اللعبة، ويصبح “الترند” عنصراً حاسماً في حضور النص والكاتب.
يقول عليوي بصراحة: “يكذب من ينكر فرحه بكثرة التعليقات والإعجابات”. فالرغبة في الانتشار، في رأيه، باتت حاضرة حتى في الكتابة الصحافية. لكنه لا يرى في ذلك نهاية المعنى، إذ يؤكد أنّ القضايا الكبرى لا تزال أساس الكتابة الجادة. بل يذهب إلى اعتبار التعبير عن القضايا المصيرية “نوعاً خاصاً من الترند”، نجهل قيمته أحياناً فنقلّل من شأن قضايانا.
ويشدّد عليوي على أنّ الكاتب يفكر دائماً في جمهور نوعي، لا في جمهور عابر فقط. لذلك يقول إن الصياغة تظلّ همه الأول، وإن النص سيصل في النهاية إلى من يعنيه أمره.
"أكتب كي أغالب النسيان"
يرى الكاتب والمترجم التونسي وليد سليمان أنّ جوهر الكتابة لم يتغيّر، وأن ما تغيّر فعلاً هو طريقة تسويق النصوص وانتشارها. فقد كسرت البيئة الرقمية احتكار الحوامل الورقية، وسهّلت النشر، لكنها في الوقت نفسه أدّت إلى تكاثر النصوص إلى حدّ جعل غربلتها ومتابعتها أمراً شبه مستحيل.
ولا ينفي سليمان أنّ بعض الكتّاب الرقميين يستعجلون الوصول إلى القارئ، وأن دافعهم الأساسي هو رؤية أسمائهم منشورة وتحقيق نوع من الوجاهة الاجتماعية. لكنه يذكّر بأن النشر الرقمي يمكن أن يعاضد النشر الورقي ولا يلغيه.
أما العلاقة بين الانتشار والقيمة، فيراها علاقة ملتبسة. فالانتشار الرقمي لا يعني بالضرورة نجاح الكاتب، لأن الكاتب الحقيقي، في رأيه، سيواصل الكتابة حتى في غياب القراء، مدفوعاً برغبة ملحّة في إيصال فكرة تؤرقه. ويضيف أنّ الفرق شاسع بين من يستجيب لنداء موهبته ومن يكتب سعياً إلى الانتشار. ويختصر تجربته بقوله: “أكتب كي أغالب النسيان وكي يكون لمروري من هذا العالم معنى”.
"أكتب لأوسّع مساحة الحوار"
من موقعها ككاتبة وباحثة وناشرة، ترى ميادة كيالي أنّ البيئة الرقمية لم تغيّر الدافع الأساسي للكتابة. فالكاتب، في جوهر تجربته، لا يزال يبحث عن المعنى أو المعرفة أو التأثير. لكن ما تغيّر هو السياق الذي تُنتج فيه الكتابة وتصل من خلاله إلى الجمهور.
وتشير كيالي إلى أنّ الرقمنة أتاحت دمقرطة المعرفة وظهور أصوات جديدة، لكنها خلقت أيضاً تحدياً يتعلق بوفرة المحتوى وتراجع معايير التمييز. كما ترى أنّ أدوات الذكاء الاصطناعي باتت جزءاً من عملية الكتابة، تساعد في البحث والصياغة، لكنها لا تستطيع أن تعوّض الرؤية النقدية أو التجربة الإنسانية التي تمنح النص قيمته.
وتؤكد أنّ الانتشار صار عنصراً مهماً في وصول الكاتب إلى جمهوره، لكنه ليس معياراً للحكم على قيمة النص. فالتأثير الحقيقي يُقاس، في رأيها، بقدرة النص على البقاء وإنتاج أسئلة جديدة، لا بعدد المشاهدات. وتختصر دوافعها بقولها: “أكتب لأوسّع مساحة المعرفة والحوار، ولأمنح الأفكار الجادة فرصة الوصول إلى الناس”.
الكتابة فعل أناني وحميمي
تشدّد الكاتبة التونسية هند زيادي على أنّ الكتابة فعل مرتبط بالقضية لا بالترند، وتقول إنّ هذا زمن الالتزام لا زمن الانسحاب. لكنها تعترف، في الوقت نفسه، بأن الكتابة في بدايتها فعل أناني وحميمي، يخصّ الكاتب وحده قبل أن يتحول، بعد النشر، إلى عملية تفاعلية يكون القارئ جزءاً منها.
تقول زيادي إنها لا تفكر في القارئ لحظة الكتابة الأولى. فالنص يتشكّل، عندها، في عالم معزول شديد الخصوصية، عماده الوحدة والعزلة. هناك يضع الكاتب تخطيط عمله ويشتغل عليه في مختبره الخاص، ولا يكون جمهور القراء همه الأول. لكن بمجرد خروج النص إلى الناس، تتغيّر العملية، ويصبح فعل القراءة جناحاً ثانياً لفعل الكتابة.
أما دوافعها، فتختصرها في الكتابة لفهم الذات، وتفكيك العالم، والشفاء من أوجاع الحياة، والبقاء في اشتباك دائم مع الإنسان وقضاياه.
الكاتب صاحب قضية
يرى الشاعر العراقي هلال كوتا أنّ الكاتب الحقيقي صاحب قضية، وقد يفني عمره في الدفاع عنها. ويميّز بين الأدب الذي يبحث عن القيمة، والكتابات التي تلاحق الترند. لكنه لا يرفض التفاعل مع الرائج بالمطلق، إذا كان هذا التفاعل يغذي أفكاراً جيدة ويخدم المجتمع.
ويؤكد كوتا أنّ الفكرة هي أساس أي عمل إبداعي، وأن الأفكار الناجحة تجد طريقها إلى الجمهور. لكنه يحذّر من الانتشار السريع حين يتحول إلى محرقة للمبدع، إذا خضع الكاتب كلياً لمزاج الجمهور وخوارزميات المنصات.
"الكتابة إعادة صياغة لثقافتنا"
تعتبر الكاتبة السورية وداد سلوم أنّ البيئة الرقمية أثّرت في أنواع الكتابة وفي علاقتها بالمتلقي، ووضعتها تحت ضغط المنافسة، فغيّرت أدواتها ودفعتها إلى التطور. لكن الدوافع، في رأيها، بقيت مرتبطة بطبيعة الكتابة نفسها. فالكتابة الساعية إلى الترند تحرّكها غالباً الشهرة والربح والانتشار، وربما دوافع أخرى غير معلنة، وخصوصاً على منصات التواصل. أما الكتابة الثقافية، الأوسع من الفقاعة الرقمية، فما زالت محكومة برسالة الكاتب، مع إضافة عامل مادي لا يمكن تجاهله، هو حاجة الكاتب إلى عائد يمكّنه من الاستمرار.
وتؤكد سلوم أنّ الانتشار الرقمي شرط للتسويق لا للاستمرار، وأن الكتابة الجيدة تستطيع أن تنتظر منبرها ووقتها. وتحذّر من الخلط بين الكتابة وصناعة الترند، لأن المنصات قد تُستخدم أحياناً لتحريك الجمهور وخدمة أجندات خارج الثقافة. لكنها ترى أنّ الكاتب يستطيع مواجهة ذلك بالتمسك بقضيته. وتقول: “الكتابة إعادة صياغة لثقافتنا وقيمة مضافة لحياتنا”.
"لا أكتب لجمهور اللحظة الراهنة"
ينطلق الباحث والكاتب المسرحي المغربي د. فهد الكغاط من تصور كوني للكتابة، مرتبط بالأسئلة الكبرى التي تشغل الإنسان، لا بمنطق الانتشار الرقمي الذي يصفه باللحظي والمميت.
يقول الكغاط إنه لا يكتب انطلاقاً مما يشغل المتلقين من محتويات رقمية، ولا استجابة لما تفرضه البيئة الرقمية من شروط قد تكون قاتلة للإبداع. فهو لا يكتب لجمهور اللحظة الراهنة، بل لجمهور ينتمي إلى زمن يتجاوز الآن، وإلى مكان يتجاوز هنا، ويتسع للإنسان حيثما كان.
على تنوّع هذه الإجابات، يظل السؤال مفتوحاً. لعلّ الكتابة لم تفقد جوهرها تماماً، لكنها صارت مطالبة بأن تدافع عن نفسها داخل فضاء سريع، مضطرب، ومفتوح على الإغراءات كلها. لم يعد الكاتب يواجه الرقابة وحدها، بل يواجه أيضاً الخوارزمية، والسرعة، والسطحية، وشهوة الظهور.
ومع ذلك، لا يبدو أنّ القضية انتهت. ما زال هناك من يكتب لأنّ فكرة تؤرقه، أو لأنّ سؤالاً يطارده، أو لأنّ قضيّة لا تسمح له بالصمت. وما زال هناك من يرى في الكتابة طريقة لمقاومة النسيان، أو توسيع المعرفة، أو إعادة صياغة ثقافتنا. وبين من يكتب ليُرى، ومن يكتب كي يرى العالم بوضوح أكبر، تبقى الكتابة امتحاناً للصدق قبل أن تكون تمريناً في الحضور.
نبض