عاصي الرحباني بعد 40 عاماً... الغائب الحاضر بعبقريّته وبصوت فيروز
يكفي أن ينساب صوت السيّدة فيروز من مذياعٍ أو تطبيقٍ موسيقيٍّ حتى يعود عاصي الرحباني إلى ذاكرة المُستمع، كحضور يومي وجزء من الإيقاع النفسي للبنانيين. كأنّ الرجل العظيم الذي غاب قبل أربعين عاماً، في 21 حزيران/يونيو 1986، لم يغادر فعلاً، وتحوّل عالمه إلى طبقة عميقة من الوعي الجماعي اللبناني.
لا يمكن فهم عاصي خارج اللحظة التاريخية التي وُلد فيها المشروع الرحباني. فقد جاء في زمن كان لبنان الحديث لا يزال يبحث عن صورته وعن لغته الرمزية. في النصف الأول من القرن العشرين، كانت الدولة اللبنانية الناشئة بحاجة إلى سردية ثقافية توحّد الجغرافيا المتنوعة والطوائف المتعددة والتجارب الاجتماعية المختلفة. هنا، شارك عاصي ومنصور الرحباني في صياغة قصة متخيّلة عن لبنان نفسه.
كانت العلاقة بين الأخوين رحباني من أكثر الشراكات الإبداعية استثنائيةً في الثقافة العربية الحديثة. يصعب أحياناً الفصل بين مساهمتيهما، لأنّ المشروع الرحباني قام أساساً على ذوبان الفردي في الجماعي. غير أنّ كثيرين ممن عايشوا التجربة أشاروا إلى الدور المحوري الذي اضطلع به عاصي في صياغة الرؤية الموسيقية والدرامية، وفي تحويل الأفكار إلى بنية فنية متكاملة. وكان التعاون بينهما أشبه بعقلين يشتغلان داخل مشروع واحد هدفه إعادة تخيّل العالم اللبناني.
من الفولكلور إلى الحداثة
قوة المشروع الرحباني لا تكمن في قدرته على إنتاج الأسطورة فحسب، وإنما أيضاً في نجاحه بتحويل الفولكلور المحلي إلى لغة فنية حديثة. فالأغنية الشعبية اللبنانية كانت موجودة قبلهما، وكذلك الدبكة والمواويل والأهازيج الريفية. الجديد أن عاصي أعاد تركيبها داخل بنية موسيقية معاصرة، مستعيراً من الفولكلور إيقاعه وروحه وصوره، ثم مزجها بعناصر من الموسيقى الكلاسيكية الغربية والموسيقى الكنسية وأشكال متعدّدة من الكتابة الأوركسترالية.

بهذا المعنى، لم يكن عاصي محافظاً على التراث بقدر ما كان مجدداً له. لقد حرّر الفولكلور من محليته الضيّقة ومنحه قدرة على السفر. ولهذا استطاعت الأغنية الرحبانية أن تصل إلى دمشق والقاهرة وبغداد والرباط كما لو أنها تنتمي إلى فضاءٍ عربي أوسع من حدود لبنان.
أما على المستوى الموسيقي، فقد شكّل عاصي أحد أبرز المجددين في الأغنية العربية خلال القرن العشرين. ففي وقت كانت فيه الأغنية الطويلة المهيمنة تعتمد على التطريب والارتجال والامتداد الزمني، اتّجه نحو التكثيف الدرامي والبناء المسرحي. أصبحت الأغنية عنده مشهداً لا مجرّد لحن، وصار النص والموسيقى والشخصية والحركة عناصر مترابطة داخل رؤية واحدة. حتى الأغنيات القصيرة التي أدّتها فيروز كانت أحياناً قصصاً مصغّرة ومكتملة.
فيروز... صوت حمل الحلم
من الصعب الحديث عن عاصي من دون التوقف عند فيروز، الوسيط الأساسي الذي حمل رؤيته الفنية إلى العالم العربي، والمرأة التي أحبّها. وجد عاصي في صوتها مادةً استثنائية قادرة على تجسيد عالمه كلّه. ذلك الصوت الذي يجمع بين الصفاء والقوة، وبين البساطة والرهبة، منح المخيّلة الرحبانية جسداً سمعياً.
في حديث الى مجلّة "الوسط" عام 1992، قالت فيروز: "قد أكون أنا وعاصي على خلافٍ قويّ في الكواليس... إلّا أنّه عندما أخرج إلى المسرح وأبدأ بالغناء، يتحوّل عاصي إلى عاشق". وفي وثائقي مصوّر من إخراج ريما الرحباني وإنتاجها عام 2009، قالت فيروز عن شريك فنّها وحياتها: "كانت حياة عاصي قصيرة، لكنها كانت حافلة بالعمل والتعب والسهر. بين التسجيلات، والمهرجانات، والاستوديوات، والإذاعة، لم يعرف الراحة ليلاً أو نهاراً. كان يعمل بشكل متواصل... زيارته إلى هذه الدنيا كانت رحلة من العمل والتعب. وزرع هالجمال... تركلنا جمال كتير وفلّ بكّير".
أسئلة الوطن والسلطة
تكشف العودة إلى مسرح الأخوين رحباني وفيروز طبقات أكثر تعقيداً من كونها محطات فنّية مُسلّية. في "جسر القمر" و"جبال الصوان" و"بترا" وغيرها، تظهر أسئلة السلطة والعدالة والحرية والهوية بصورة متكررة. ثمة دائماً حاكم أو سلطة أو نظام اجتماعي قائم، وثمة أفراد يحاولون مقاومة الظلم أو البحث عن معنى مختلف للوجود.

في "المحطة"، مثلاً، تتحول فكرة القطار الذي لا يأتي إلى استعارة عن الانتظار الجماعي والأحلام المؤجلة. وفي "جبال الصوان" يظهر موضوع الاحتلال والمقاومة والانتماء. أما "بترا" فتطرح أسئلة أكثر تعقيداً حول الوطن والخيانة والبطولة والذاكرة. هذه الأعمال لا تقدم خطاباً سياسياً مباشراً، لكنها تنطوي على تأملات عميقة في طبيعة السلطة والعلاقة بين الفرد والجماعة.
بين الواقعي والمتخيّل
في الوقت نفسه، يكشف المسرح الرحباني توتراً دائماً بين لبنان الواقعي ولبنان المتخيّل. فالبلد الذي يظهر على الخشبة يبدو أكثر انسجاماً وعدالة وشاعرية من لبنان الحقيقي. وربما هنا تكمن إحدى الإشكاليات الأساسية في المشروع الرحباني. فقد رأى البعض أن هذا العالم المثالي ساهم أحياناً في حجب التناقضات الاجتماعية والسياسية العميقة التي كانت تتراكم تحت السطح اللبناني.
ثمة شيء من الصحة في هذا النقد. فالقرية الرحبانية غالباً ما بدت خالية من الانقسامات الطبقية والطائفية الحادة. والحنين الذي يملأ كثيراً من الأعمال قد يتحول أحياناً إلى نوع من التبسيط الرومانسي للواقع. لكن هذا لا يلغي حقيقة أن المشروع الرحباني كان أيضاً محاولة لمقاومة التشظي عبر إنتاج صورة جامعة، حتى لو كانت متخيلة جزئياً.
حين اصطدم الحلم بواقع الحرب
ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، بدأت الفجوة بين الحلم والواقع تتسع بصورة مؤلمة. لم يعد بالإمكان التعامل مع لبنان بوصفه مجرد فضاء شعري. صار العنف جزءاً من الحياة اليومية. ويمكن ملاحظة انعكاس هذا التحول في الأعمال المتأخرة التي أصبحت أكثر قتامة وأقرب إلى التأمل في المصير الجماعي.
ثم جاءت المحنة الشخصية. المرض الذي أصابه في سنواته الأخيرة كان لحظةً مفصلية في التاريخ الثقافي اللبناني. الرجل الذي ملأ المسارح بالأصوات والحركة وجد نفسه تدريجاً أمام الصمت. في هذه المفارقة شيء مؤثر وعميق: فحتى أكثر صناع الأحلام قدرة على خلق العوالم لا يستطيعون الإفلات من حدود الجسد.
إرث يتجاوز الزمن
استمرّت رؤية عاصي وأعماله في التأثير على أجيال متعاقبة من الموسيقيين والمسرحيين اللبنانيين والعرب. يمكن رؤية أثره في محاولات تحديث الأغنية اللبنانية، وفي تجارب المسرح الغنائي، وفي العلاقة الخاصة التي نسجتها أجيال كاملة مع فكرة التراث بوصفه مادة قابلة للتجديد لا مجرد محفوظات من الماضي.
بعد أربعين عاماً على رحيله، لا تزال أغنياته تُبث يومياً، وتُعاد مسرحياته باستمرار، وتبقى شخصياته حاضرة في الذاكرة الثقافية. ليس لأن ألحانه جميلة أو لأن صوت فيروز لا يشيخ فحسب، بل لأن أعماله نجحت في ملامسة أسئلةٍ إنسانية تتجاوز زمنها المباشر: معنى الوطن، والعدالة، والحب، والانتظار، والحرية، والحنين.
بعد أربعة عقود، نستعيد عاصي الرحباني كواحد من البنّائين الكبار للخيال اللبناني الحديث. والخيال، في النهاية، ليس أقلّ أهمية من الواقع. فالأوطان لا تُبنى فقط بالمؤسسات والحدود والخرائط، بل أيضاً بالأغنيات والحكايات والصور التي تمنح الناس شعوراً بأنّهم ينتمون إلى قصة مشتركة. وفي هذا المجال تحديداً، قلّة من الفنانين تركوا أثراً يوازي الأثر الذي تركه عاصي الرحباني.
نبض