150 عاماً على ولادته... أمين الريحاني وفكرة المثقف الكوني
في الفريكة الهادئة (محافظة جبل لبنان)، حيث وُلد أمين الريحاني عام 1876، لا يزال البيت قائماً، والأشجار التي عرفها في طفولته تشهد على رحلة استثنائية بدأت في قرية لبنانية صغيرة وانتهت في خرائط فكرية تمتد من نيويورك إلى العالم. وبعد مرور 150 عاماً على ولادته، تبدو فلسفته فكرةً مفتوحة على الحاضر، وسؤالاً لا يزال يطرح نفسه بإلحاح على العالم العربي.
ليس سهلاً تصنيف أمين الريحاني. فهو ليس أديباً مهجرياً فقط، ولا رحالة فحسب، ولا حتى مجرّد مفكر سياسي من زمن النهضة العربية. تكمن فرادته في أنّه ظهر في لحظة تاريخية كان العالم العربي فيها يبحث عن نفسه، بينما كان هو يحاول أن يتخيّل مستقبله.
من جبل لبنان إلى نيويورك
حين وصل الشاب اللبناني إلى نيويورك في أواخر القرن التاسع عشر، تعرّف في المدينة الأميركية الصاعدة إلى الديموقراطية الحديثة، والصحافة الحرة، والفردانية الليبرالية، وإلى التناقضات العميقة التي ترافق الحداثة. هناك قرأ والت ويتمان وإمرسون وتوماس باين، وهناك بدأ يتساءل عن أسباب تعثر المجتمعات العربية.

الملفت للنظر اليوم هو أنّ الريحاني لم يقع في الإعجاب الساذج بالغرب، ولم ينجرّ إلى رفضه باسم الهوية. أدرك مبكراً أنّ العلاقة بين الشرق والغرب أكثر تعقيداً من ثنائية التفوّق والتخلف. وبينما كان الاستشراق يصوغ صورة الشرق في المخيّلة الغربية، حاول هو أن يكتب الشرق بنفسه، وأن يقدّمه فضاءً حيّاً ومتغيّراً، لا متحفاً للحضارات الميتة.
في هذا المعنى، كان الريحاني سابقاً لعصره. قبل عقود طويلة، كان يرفض اختزال الشرق في الصور النمطية. وقبل ظهور أدبيات العولمة والهوية العابرة للحدود، كان يعيش بالفعل تجربة المثقّف الذي يتحرك بين لغتين وثقافتين وعالمين.
أول مثقف عربي عالمي؟
يصعب العثور على شخصية عربية سبقت الريحاني في هذا المعنى الحديث للكلمة. جبران خليل جبران بلغ العالمية الأدبية والروحية، لكنه بقي في جوهره كاتباً ورائياً وشاعراً. وطه حسين كان مفكّراً تنويرياً كبيراً، لكنّه ظلّ مرتبطاً إلى حدٍّ بعيد بالمجال العربي. أما الريحاني فكان يجمع بين الأدب والسياسة والفلسفة والرحلة والصحافة والديبلوماسية الثقافية. كتب بالعربية والإنكليزية، وخاطب جمهورين مختلفين في آن واحد، وتحرّك في فضاءات لم يكن المثقف العربي قد اعتاد دخولها بعد.

من هنا أيضاً تأتي أهمية رحلاته العربية. فعندما جاب الجزيرة العربية والعراق واليمن ونجد والحجاز في عشرينيات القرن الماضي، لم يقم برحلات استكشافية بالمعنى التقليدي، وإنما حاول فهم العالم العربي وهو يتشكّل من جديد بعد انهيار الدولة العثمانية. وكتابه "ملوك العرب" وثيقة سياسية وثقافية نادرة تسجّل لحظة تأسيسية في تاريخ المنطقة.
اللافت أنّ الريحاني، رغم قربه من "ملوك العرب"، لم يتحول إلى مروّج لهم؛ احتفظ دائماً بمسافة نقدية. كان مفتوناً بمشاريع بناء الدولة، لكنه ظل حذراً من السلطة. وكان يؤمن بالحاجة إلى قيادة قوية، لكنه لم يتخلّ عن الدفاع عن الحرية. والحرية هي المفتاح الأهم لفهم مشروعه كله.
نقد الاستبداد والتعصب والطائفية
في كتاباته السياسية والدينية والفكرية تتكرّر الفكرة ذاتها بأشكال مختلفة: لا نهضة من دون حرّية العقل. انتقد الاستبداد، وهاجم التعصّب الطائفي، ورفض الجمود الديني، ورأى أنّ الأديان الكبرى تتقاطع في قيم إنسانية مشتركة تتجاوز الانقسامات المذهبية. وبينما ازدادت الهويات الطائفية رسوخاً، دعا إلى مواطنة أوسع وإلى انتماء عربي يتجاوز العصبيات المحلية.
آمن الريحاني بإمكانية قيام وحدة عربية ثقافية وسياسية واسعة، ورأى في اللغة والتاريخ والمصالح المشتركة أساساً لهذا المشروع. لكنه قلّل أحياناً من قوة الانقسامات المحلية والطائفية والإقليمية التي ستظهر لاحقاً بوصفها عقبات بنيوية أمام أي مشروع وحدوي. أصاب في تشخيص الحاجة إلى التكامل العربي، لكنه بالغ في تقدير قدرة النخب السياسية على تحقيقه.

ومع ذلك، فإنّ الكثير ممّا كتبه يبدو اليوم معاصراً بصورة مدهشة. حديثه عن أزمة الحكم، وعن العلاقة بين الدين والدولة، وعن خطر التعصب، وعن الحاجة إلى إصلاح التعليم، وعن دور المثقف المستقلّ، يكاد يبدو كأنه كُتب في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين لا في العقود الأولى من القرن العشرين.
الاغتراب عنده كان موقعاً معرفياً مكّنه من النظر إلى العالم العربي من الداخل والخارج في الوقت نفسه. وربما لهذا السبب يبدو أقرب، من بعض الوجوه، إلى شخصيات لاحقة جعلت من العبور بين الثقافات أساساً لمشروعهما الفكري.
بعد مئة وخمسين عاماً على ولادته، تكمن أهمية أمين الريحاني في أنه طرح مبكراً أسئلة ما زلنا نعجز عن الإجابة عنها: كيف نكون حديثين من دون أن نفقد ذاكرتنا؟ كيف ننفتح على العالم من دون أن نغلق أعيننا على عيوبنا؟ وكيف يحافظ المثقف على استقلاله وسط السلطة والأيديولوجيا والانقسام؟
لعلّه لهذا السبب بالذات لا تبدو ذكرى أمين الريحاني مناسبة للاحتفاء بماضٍ منجز، وإنما دعوة إلى حوار لم ينتهِ. فإذا كانت أسئلة الحرية والهوية والدولة والحداثة لا تزال معلقة في العالم العربي حتى اليوم، ألسنا بحاجة إلى قراءة أمين الريحاني أكثر من أيّ وقت مضى؟
نبض