منافسة رياضية تحاكيها ريشة متقنة... فرنسيٌّ يرسم ذاكرة التنس في رولان غاروس

ثقافة 16-06-2026 | 10:56

منافسة رياضية تحاكيها ريشة متقنة... فرنسيٌّ يرسم ذاكرة التنس في رولان غاروس

منذ أكثر من 20 عاماً، يرسم لاعبي رولان غاروس مباشرة من الملعب، باحثاً عمّا تعجز الصورة عن التقاطه.
منافسة رياضية تحاكيها ريشة متقنة... فرنسيٌّ يرسم ذاكرة التنس في رولان غاروس
جويل بلان يرسم في مباراة رولان غاروس.
Smaller Bigger

في بطولة رولان غاروس لكرة المضرب (التنس)، يرسم الوقع الجاف للكرة على التراب الأحمر موسيقى خفية تُنظّم إيقاع اللعبة. تتعقّب أعين المتفرجين مسار الكرة في الهواء، وتلاحق الكاميرات أدقّ الحركات، فيما تُعِدّ الإعادات البطيئة نفسها سلفاً لتفكيك اللحظة وتحليلها. غير أنّ رجلاً يقف على مقربة من الملعب، وينظر إلى المشهد بعين أخرى. فرشاة في يده ودفتره مفتوح أمامه، يسعى جويل بلان إلى الإمساك بما تعجز العدسات عن احتوائه.

منذ أكثر من عقدين، يعود الفنان الفرنسي كلّ ربيع إلى البطولة الباريسية ليرسم اللاعبين في قلب الحدث. خطوته ضرورة في زمننا، ومقاومة هادئة بينما تُوثَّق الرياضة من كلّ زاوية، وتُبثّ لحظة بلحظة، وتُحفَظ صورها إلى ما لا نهاية. غير أنّ هذا "الفيضان البصري" نفسه، إذا جاز التعبير، هو ما يمنح تجربته معناها وضرورتها.

"ليست صورتي لقطة فوتوغرافية استعدتها من ذاكرتي ثم أعدت نسخها"، يقول بلان لـ"النهار". الألوان المائية عنده تولد من تراكم الزمن نفسه، لا من لحظة منفردة؛ من طبقات متعاقبة من المراقبة والتأمل والرسم. أثناء المباراة، يراقب الفنان ويخطّ المسودات ثم يمحو ويعيد المحاولة. وقد يرسم اللاعب الواحد خمس مرات أو ستاً فوق الورقة نفسها، باحثاً عن إيقاعه الخاص، وعن هندسة جسده في الحركة، وعن الإيماءات التي تميّزه عن سواه. ومع مرور الوقت، تتكوّن ما يسمّيه "مفردات شخصية" لكلّ رياضي.

 

“آخر مباراة لديوكوفيتش“ بريشة جويل بلان.
“آخر مباراة لديوكوفيتش“ بريشة جويل بلان.

 

لهذا السبب لا تشبه النتيجة أبداً صورةً خاطفة مجمّدة في جزء من الثانية. فاللاعبان المصوَّران متقابلين في الصورة نفسها قد لا يكونان شغلا هذا الموضع الدقيق في الواقع مطلقاً. هنا، يبني الفنان حقيقة مختلفة عن حقيقة التصوير الفوتوغرافي، غير ساعٍ إلى إعادة إنتاج الواقع كما التقطته العدسة، وإنّما إلى بناء حقيقة أخرى، وهي حقيقة التجربة المعاشة، لا حقيقة الكسر الزمني العابر.

يندرج هذا المسعى ضمن تقليد فني طويل شغل الفنانين منذ القرن التاسع عشر. فمن المستقبليين الإيطاليين الذين افتتنوا بالسرعة والحركة، إلى تجارب إتيان-جول ماري في التصوير الكرونوفوتوغرافي، وصولاً إلى خيول إدغار ديغا وأجساد الرياضيين في فن القرن العشرين، ظلّ السؤال واحداً: كيف يمكن للفن أن يترجم ما تراه العين ولا تستطيع الصورة الثابتة أن تستعيده كاملاً؟ وتبدو الرياضة، بما تختزنه من طاقة كامنة وعنف منضبط وجمال حركي يلامس الرقص، حقلاً مثالياً لهذه المغامرة البصرية.

في أعمال بلان، تتحول كرة المضرب من منافسة رياضية إلى رقصة متقنة؛ إذ يرى أنّ نقل سرعة التبادل وقوته يتطلب لاعباً "قوياً ومشدوداً وأنيقاً كراقص". ثم يصف تلك العلاقة الغامضة التي تنشأ بينه وبين اللاعب قائلاً: "تصبح فرشاتي مضربه". عندها تتجاوز العلاقة حدود المشاهدة، لتغدو نوعاً من المشاركة الحسّية التي تنتقل عبرها الطاقة من الرياضي إلى الرسام.

الألوان المائية تسعى إلى الإقامة داخل الحدث، غير مكتفية بتوثيقه. يقول لنا، "إذا أراد الناس معرفة كيف جرت المباراة، فالإعادات متاحة للجميع". أما لوحاته فتنشد شيئاً آخر: أن تشهد على فعل الحضور نفسه. "كنت هنا، ومثلكم عشت هذه اللحظة والتقطت أثرها".

 

جويل بلان يرسم مباشرة في الملعب.
جويل بلان يرسم مباشرة في الملعب.

 

تكتسب هذه الدعوة إلى استعادة النظرة الإنسانية أهمية خاصة في عصر تغمره الصور الرقمية. فشبكات التواصل الاجتماعي تنتج سيلاً متواصلاً من الصور التي تمرّ أمام أعيننا قبل أن يتاح لنا تأملها حقاً. وفي مواجهة هذا التسارع المحموم، يفرض الرسم الحي زمناً مغايراً؛ زمن الإصغاء والتأمل والانتظار والتفسير.

في هذه الرؤية، تؤدي المادة دوراً محورياً؛ فبلان يتمسّك بالماء والأصباغ وبالعلاقة المادية المباشرة مع العمل الفني. وهو أستاذ مجاز في الفنون التشكيلية، تلقّى تكويناً في الرسم والنحت وتقنيات التعبير المختلفة، ويقدّم نفسه اليوم بوصفه "مناضلاً" في سبيل الرسم من الطبيعة. وليس ذلك بدافع الحنين إلى الماضي، بل انطلاقاً من إيمانه بأنّ اليد تنتج معرفة بالعالم لا تستطيع أيّ تقنية رقمية أن تعوّضها بالكامل.

تحتفظ لوحاته بالأثر المرئي لهذا الحوار المستمر مع الحركة. فبعد تثبيت مواقع اللاعبين، يعود إلى اللون البرتقالي المميّز لتراب رولان غاروس، فيبسطه بضربات فرشاة واسعة وحرّة. وتبدو هذه الآثار اللونية امتداداً لحركة الأجساد نفسها، إذ تضاعف حيويّتها وتمنح الصورة توتراً داخلياً نابضاً.

وبينما تتحوّل الرياضة أكثر فأكثر إلى عرض عالمي يُستهلك عبر الشاشات، يذكّرنا جويل بلان بأنّ الرؤية ليست فعلاً آلياً من أفعال التسجيل. فأن ترى يعني أن تختار وتفسّر وتُعيد بناء العالم. وبين سرعة اللعب وبطء الفرشاة، تفتح ألوانه المائية مساحة نادرة يتوقّف فيها الحدث عن أن يكون تدفّقاً عابراً للصور، ليغدو تجربة إنسانية كاملة، تستقرّ في الذاكرة وتُبعث من جديد بقوة النظرة البشرية.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 6/15/2026 7:58:00 AM
إعلام عبري: نتنياهو لن يلتزم بالاتفاق الأميركي - الإيراني في لبنان
رياضة 6/4/2026 1:31:00 AM
فازت إيطاليا على لوكسمبورغ 1-0 في مباراة ودية، حيث سجل إسبوزيتو الهدف الوحيد في أول ظهور للمنتخب بعد الإخفاق في التأهل لمونديال 2026
رياضة 6/9/2026 10:20:00 PM
لم يشهد تاريخ كأس العالم سوى حالة واحدة فقط واجه فيها شقيقان بعضهما البعض
رياضة 6/15/2026 1:29:00 AM
حقق منتخب كوت ديفوار فوزاً قاتلاً على الإكوادور 1-0 في كأس العالم 2026، بهدف أماد ديالو في الدقيقة الأخيرة.... وتعد هذه النتيجة بداية جيدة للمنتخب الأفريقي