رحيل ديفيد هوكني... اسمٌ أعاد تعريف الرؤية في الفن المعاصر

ثقافة 12-06-2026 | 13:48

رحيل ديفيد هوكني... اسمٌ أعاد تعريف الرؤية في الفن المعاصر

كان ديفيد هوكني رساماً استثنائياً ومفكراً كرّس حياته لاستكشاف معنى الرؤية والإدراك.

رحيل ديفيد هوكني... اسمٌ أعاد تعريف الرؤية في الفن المعاصر
ديفيد هوكني عام 2021 أمام لوحته "عام في نورماندي". (أ ف ب)
Smaller Bigger

أُسدل الستار على مسيرة الفنان البريطاني ديفيد هوكني، أحد أبرز وجوه الفن المعاصر وأكثرها تأثيراً، بعدما توفي عن 88 عاماً، الخميس. وقد عُرف هوكني بلوحاته التي التقطت العالم بألوانٍ متوهجة ورؤية بصرية فريدة جعلته من أكثر الفنانين حضوراً في المشهد الفني العالمي على مدى عقود.

 

ديفيد هوكني: ماذا يعني أن ننظر؟

كان هوكني يُوصَف غالباً بأنه أعظم فنّان بريطاني على قيد الحياة. وكان هذا الوصف صحيحاً، لكنه غير مكتمل. فهوكني كان أحد أهم المفكرين في مسألة الرؤية في الثقافة الحديثة، باحثاً مدى الحياة في الكيفية التي يدرك بها البشر العالم، ويتذكرونه، ويمثلونه، ويحوّلونه إلى صور.

برحيله تُطوى صفحة مسيرة فنية استثنائية امتدت لأكثر من ستة عقود، منذ بروز فن البوب البريطاني في أوائل ستينيات القرن العشرين وصولاً إلى عصر الآيباد والرسم الرقمي. غير أن التسلسل الزمني لا يخبرنا بالكثير عن سبب أهمية هوكني. فموضوعه الحقيقي لم يكن يوماً مسابح كاليفورنيا، أو مناظر يوركشاير الطبيعية، أو صور الأصدقاء، أو البساتين المزهرة. كان موضوعه الرؤية نفسها.

وقليلون هم الفنانون الذين أمضوا هذا القدر من الوقت في طرح سؤال يبدو بسيطاً على نحو خادع: ماذا يعني أن ننظر؟

 

ديفيد هوكني في معرضه “الرسم والتصوير الفوتوغرافي“ عام 2015، وسط لندن. (أ ف ب)
ديفيد هوكني في معرضه “الرسم والتصوير الفوتوغرافي“ عام 2015، وسط لندن. (أ ف ب)

 

وُلد هوكني في برادفورد عام 1937، وبلغ مرحلة النضج في قرن هيمنت عليه بصورة متزايدة الفوتوغرافيا والتلفزيون والسينما والشاشات. وبدلاً من مقاومة هذه التقنيات، احتضنها. لكنه كان يؤمن أيضاً بأنها ضيّقت فهمنا للرؤية.

بالنسبة إليه، لم تكن الفوتوغرافيا التقليدية تلتقط سوى جزء من التجربة. فالكاميرا تجمّد لحظة واحدة من موقع واحد، أما الإدراك البشري فيعمل بطريقة مختلفة. نحن نتحرك. نتذكر. نلقي نظرة ثم نعود إليها، ونقارن، ونعيد البناء. نحن نختبر الزمن كما نختبر المكان.

شكّل هذا الاقتناع الأساس لبعض أكثر أعماله ابتكاراً. ففي أعماله الفوتوغرافية المركّبة المعروفة باسم "الجامعون" (Joiners) خلال ثمانينيات القرن العشرين، وهي كولاجات جُمعت من عشرات صور البولارويد والصور الفوتوغرافية، قام بتفكيك المنظور إلى وجهات نظر متعددة. فالغرفة أو الوجه أو الشارع باتت أقرب إلى التجربة المعيشة مما يمكن لصورة واحدة أن تقدمه. وفي هذه الأعمال بدا هوكني وكأنه يصل إلى استنتاجات لا تختلف كثيراً عن أفكار الفيلسوف موريس ميرلو-بونتي، الذي رأى أنّ الإدراك متجسّد في الجسد، ومتحرك، ولا ينفصل عن حركتنا عبر العالم.

 

ديفيد هوكني عام 2017 أمام “فريد ومارشا وايزمان“ في مركز بومبيدو، باريس. (أ ف ب)
ديفيد هوكني عام 2017 أمام “فريد ومارشا وايزمان“ في مركز بومبيدو، باريس. (أ ف ب)

 

كان عدم رضاه عن المنظور الذي كرّسه عصر النهضة عميقاً بالقدر نفسه. فقد أعجب بأساتذة الفن القدامى، لكنه شكك في هيمنة نقطة النظر الثابتة التي شكّلت الفن الغربي منذ القرن الخامس عشر. وقدمت له اللوحات الصينية الملفوفة، والتكعيبية، والفوتوغرافيا، والتصوير الرقمي، والمسرح، طرائق بديلة لتنظيم الرؤية. وكان يعتقد أن الفن لا ينبغي أن يقلّد الكاميرا، بل الوعي الإنساني. لهذا السبب، لا تكتفي لوحاته بتصوير الواقع، وإنما تعيد بناء فعل اختباره ومعايشته.

 

اللون بوصفه فلسفة للحياة

لم يفهم أي فنان في العصر الحديث اللون بصورة أكثر فطرية منه. فعندما انتقل هوكني إلى لوس أنجلوس في ستينيات القرن العشرين، وجد نفسه أمام عالم من ضوء الشمس الساطع، والمسابح الفيروزية، والعمارة الوردية، والسماء الخالية من الغيوم. وأصبحت كاليفورنيا بالنسبة إليه مكاناً وفلسفة في آن واحد. وفي أعمال مثل "دفقة أكبر" (A Bigger Splash) و"صورة لفنان (بركة مع شخصين)" (Portrait of an Artist (Pool with Two Figures))، لم يكن اللون عنصراً زخرفياً أبداً، بل وجودياً.

فالدفقة الشهيرة في لوحة "دفقة أكبر" هي العلامة الوحيدة على حضور إنساني داخل العمل. فالسبّاح اختفى، وما تبقّى هو انفجار من الماء معلّق في ضوء الشمس المتألق. واللوحة، في الوقت نفسه، هادئة ومقلقة؛ تأملٌ في الغياب متخفٍّ في هيئة احتفاء بالترف والفراغ.

كانت ألوان هوكني تعبّر عن موقف من الوجود. وكانت توحي بأنّ الانتباه ذاته يمكن أن يكون شكلاً من أشكال الفرح. وقد أصبحت هذه القناعة بالفرح أمراً متزايد الندرة في وقت اتّجه فيه الفن المعاصر غالباً نحو السخرية والنقد والمسافة المفاهيمية. ولم يرفض هوكني الجدية أبداً، لكنه رفض الافتراض القائل إنّ الجدية تتطلب التشاؤم.

 

ديفيد هوكني عام 2017 في مركز بومبيدو، باريس. (أ ف ب)
ديفيد هوكني عام 2017 في مركز بومبيدو، باريس. (أ ف ب)

 

مراراً وتكراراً عاد إلى الزهور والمناظر الطبيعية والأشجار وتعاقب الفصول والوجوه المألوفة. واتّهمه بعض النقاد أحياناً بأنه مفرط في اللطافة والجمال وسهولة التلقي. غير أنّ سهولة التلقي هذه كانت بالضبط إيماءته الراديكالية. فقد أصرّ على أنّ الدهشة لا تزال موضوعاً فنياً مشروعاً.

 

من الفاكس إلى الآيباد

بهذا المعنى، وقف هوكني في مواجهة أحد التيارات المهيمنة في الثقافة المعاصرة. كان يؤمن بأنّ الجمال ليس هروباً من الواقع، بل نمطاً من أنماط الانتباه. وكان احتضانه للتكنولوجيا انعكاساً للفلسفة نفسها. فقبل وقت طويل من شيوع الفن الرقمي، كان يجرّب أجهزة الفاكس، وآلات النسخ، وتركيبات الفيديو، والحواسيب، وهواتف آيفون، وأجهزة آيباد. وبينما نظر كثير من الفنانين إلى التكنولوجيا بعين الريبة، تعامل معها هوكني بوصفها مجموعة جديدة من الفُرَش.

أظهرت رسوماته الشهيرة المنجزة على الآيباد في يوركشاير ونورماندي أنّ الابتكار التكنولوجي لا يحتاج إلى أنّ يفصل الفن عن الطبيعة. بل يمكنه، على العكس، أن يخلق طرائق جديدة لمراقبتها. ومنسجماً مع أفكار مفكرين مثل مارشال ماكلوهان ووالتر بنيامين، أدرك هوكني أنّ كلّ وسيط يعيد تشكيل الإدراك. ولم يكن التحدي، في نظره، مقاومة الأدوات الجديدة، بل فهم الكيفية التي تغيّر بها فعل الرؤية نفسه.

 

"أحبّوا الحياة"

وقد جعل منه هذا الفضول شخصية ثقافية عالمية. فعلى الرغم من جذوره الراسخة في يوركشاير وارتباطه الدائم بكاليفورنيا، تجاوز تأثيره الحدود الجغرافية. واستقطبت معارضه الاستعادية الكبرى في مؤسسات مثل تيت، ومركز بومبيدو، ومتحف المتروبوليتان للفنون جماهير غفيرة. ودخلت أعماله الذاكرة البصرية لملايين الأشخاص الذين نادراً ما كانوا يتابعون الفن المعاصر.

في السنوات الأخيرة من حياته، كان كثيراً ما يعود إلى رسالة بسيطة: "أحبّوا الحياة". وقد ظهرت هذه العبارة في رسوماته ومقابلاته ومعارضه. وقد تبدو للوهلة الأولى عاطفية أكثر مما ينبغي، إلى أن يدرك المرء ما كان يقصده. فبالنسبة إلى هوكني، يبدأ حبّ الحياة من الانتباه إليها؛ إلى الضوء على الجدار، ووجه الصديق، والشجرة المزهرة، وتغيّر لون الطريق بعد المطر.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 6/10/2026 12:05:00 PM
أسقط هواجه الشخصية على حياة السيدة فيروز...
كرة قدم 2/15/2026 5:38:00 PM
الأهلي المصري يحسم صدارة ترتيب المجموعة الثانية في دوري أبطال أفريقيا بعد تعادله مع الجيش الملكي المغربي من دون أهداف
رياضة 6/11/2026 1:37:00 PM
القنوات الناقلة لكأس العالم 2026... هناك قنوات ستبث المباريات مجاناً خلال مونديال الولايات المتحدة وكندا والمكسيك