شاكيرا وكأس العالم... صوت ذاكرة المونديال الجماعية
في أمسية صيفية، وفي أماكن متفرّقة من الأرض، تتسمّر الأعين أمام ملايين الشاشات التي تنقل مشهداً واحداً. أعلام ترفرف، وجوه تغنّي وتهتف وتبكي. مباراة كرة قدم على وشك أن تبدأ. ثم، وعلى نحوٍ يكاد يكون حتمياً، يبرز إيقاع مألوف: طبول، وهتافات، وانفجار من نغمات الغيتار، وصوت أصبح، على نحوٍ غريب، غير قابل للفصل عن البطولة نفسها. تدخل شاكيرا بكلّ ما تحمله من رمزية عالمية، لتُؤكّد ارتباطها الحتميّ بالـ"مونديال" وتغنّي "داي داي".
بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على صدورها، لا تزال أغنية شاكيرا "واكا واكا" (هذه المرة من أجل أفريقيا) تتردد في بثّ مباريات كأس العالم، ومقاطع أبرز اللقطات، ومونتاجات وسائل التواصل الاجتماعي، وتجميعات المشجعين، وفي الذاكرة الجماعية. وقد قدّمت "فيفا" أغنيات رسمية جديدة لكلّ بطولة منذ عام 2010. استمتع معظمها بلحظة قصيرة من الحضور قبل أن يتلاشى في ضجيج الثقافة الشعبية. أما نشيد شاكيرا فبقي. يعود إلى الظهور كل أربع سنوات بانتظام يشبه عودة ماريا كاري إلى قوائم الأغنيات مع حلول عيد الميلاد.

قد تبدو المقارنة طريفة، لكنها تشير إلى ما هو أعمق، وهو أنّ بعض أعمال الفنانين مرتبطة بطقوس جماعية. لم تعد ماريا كاري تكتفي بغناء "All I Want for Christmas Is You"، وإنّما أصبحت تفتتح موسم عيد الميلاد نفسه. وبالمثل، لم تعد شاكيرا تؤدي "واكا واكا" فحسب، بل أصبحت جزءاً من البنية العاطفية لكأس العالم.
السؤال ليس لماذا نجحت الأغنية. السؤال هو: لماذا نجت من النسيان؟ تكمن الإجابة في العلاقة الغريبة بين الموسيقى والذاكرة والطقوس والعولمة.
من أغنية مونديالية إلى ذاكرة جماعية عالمية
وصف المؤرخ الفرنسي بيير نورا الذاكرة الجماعية بأنها ترتكز على ما أسماه "أماكن الذاكرة" (lieux de mémoire) التي تخزّن فيها المجتمعات تجاربها المشتركة. هذه الأماكن قد تكون صوراً أو رموزاً أو احتفالات أو أغانٍ، وليست دائماً معالم مادية.
كيف نجحت شاكيرا و"واكا واكا"؟
"واكا واكا" تؤدّي هذا الدور تحديداً. فبالنسبة إلى ملايين الناس، يعيد سماعها تنشيط مشهد عاطفي كامل. تنقل الأغنية المستمعين إلى صيف عام 2010: إلى صوت أبواق الفوفوزيلا في جنوب أفريقيا، وصعود ثقافة كرة القدم على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتصار إسبانيا، وخيبة غانا، وبعد الظهيرات التي قضوها في مشاهدة المباريات مع العائلة، وإلى ذلك الشعور بأن العالم بأسره اجتمع، ولو موقتاً، حول المشهد ذاته.

غالباً ما يصف الباحثون في الموسيقى الأغاني بأنها "كبسولات زمنية". وقد لاحظ علماء الأعصاب مراراً أنّ الموسيقى تمتلك قدرة استثنائية على استحضار الذاكرة الذاتية. فبإمكان أغنية واحدة أن تختصر سنوات من المسافة الزمنية وأن تستعيد حالات عاطفية بكثافة مذهلة.
نجاح كأس العالم المتجدّد
هذا ما يفسّر لماذا تخطّت أغنية شاكيرا سياقها الأصلي؛ إذ ارتبطت بأحد أقوى الطقوس المتكرّرة في حياة البشر. فكأس العالم، من منظور علم الاجتماع، يشبه شيئاً أقرب إلى احتفال عالمي. وقد أطلق إميل دوركايم على مثل هذه اللحظات اسم "النشوة الجمعية" (collective effervescence)، وهي تلك المناسبات النادرة التي تختبر فيها مجموعات كبيرة من الناس كثافة عاطفية مشتركة تتجاوز الهوية الفردية. وتولّد المناسبات الدينية، والحج، والتتويجات الملكية، والاحتفالات الوطنية هذا النوع من الظواهر.

ولكأس العالم تأثيره الخاص. فكلّ أربع سنوات، يدخل مليارات البشر ما كان عالم الأنثروبولوجيا فيكتور تيرنر سيصفه بأنّه "حيّز انتقالي" (liminal space)، أي تعليق موقّت للحياة اليومية، تتغيّر فيه جداول العمل، تمتلئ الساحات العامة، وتتعاظم الهويات الوطنية.
وكرة القدم تتحول إلى مهرجان عالمي. وإذا وصف بنديكت أندرسون الأمم بأنها "جماعات متخيَّلة"، أي مجموعات اجتماعية لن يلتقي أفرادها أبداً، ومع ذلك يشعرون بالارتباط عبر الرموز والسرديات المشتركة، فإنّ كأس العالم يخلق شيئاً أكبر من ذلك:، وهو جماعة عالمية متخيَّلة تشارك، لبضعة أسابيع، في تجربة واحدة متزامنة.
وكان مارشال ماكلوهان قد تنبأ بمثل هذه الظواهر قبل عقود عندما طرح مفهوم "القرية العالمية". فقد رأى أنّ وسائل الإعلام الإلكترونية ستنتج أشكالاً غير مسبوقة من التزامن على مستوى الكوكب. وربما يكون كأس العالم أقرب تجسيد لتلك الرؤية.
وبما أنّ كلّ طقس يحتاج إلى موسيقى - كما ترافق الترانيم والأناشيد الشعائر الدينية - توفّر أناشيد كأس العالم ما يُشبه "الموسيقى التصويرية" العاطفية للتجمّع الكروي العالمي. لكن "واكا واكا" حقّقت شيئاً أندر من ذلك، إذ اندمجت في الطقس نفسه.
لماذا نجحت شاكيرا؟
هنا يبرز سؤال آخر: لماذا شاكيرا تحديداً؟
يكمن جزء من الإجابة في التوقيت. فقد برزت شاكيرا خلال لحظة مفصلية في تاريخ الثقافة الشعبية. وبحلول أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، كانت الموسيقى تتحول بالفعل إلى ظاهرة عالمية حقيقية. كانت موسيقى البوب اللاتينية تعبر الحدود اللغوية. وكانت القنوات الفضائية ويوتيوب، ثم لاحقاً وسائل التواصل الاجتماعي، تسرّع حركة تداول الثقافة عبر العالم.
شاكيرا كنموذج للهوية العالمية
قليل من الفنانين جسّدوا هذا التحول بفاعلية أكبر من المغنية الكولومبية. فقد كانت قادرة على التنقّل بسهولة بين الإسبانية والإنكليزية، واستفادت عربياً من أصولها اللبنانية. ومزجت موسيقاها بين الإيقاعات اللاتينية الأميركية، والتأثيرات الشرق أوسطية الموروثة من جذورها اللبنانية هذه، والمفردات الأفريقية، والبنى الأوروبية للبوب، والحسّ التجاري الأميركي. كما جمعت عروضها بين مفردات ثقافية متعدّدة من دون أن تبدو محصورة في أيّ منها. والأهم، أنّها كانت من أوائل النجوم العالميين الذين ظهروا قبل عصر الخوارزميات وبعد عصر MTV، أي أنها تنتمي إلى آخر جيل من النجوم الذين استطاعوا أن يصبحوا "عالميين فعلاً".

وبطرق عديدة، أصبحت شاكيرا تجسيداً حياً للعولمة نفسها. وكان لهذا الأمر أهمية كبيرة بالنسبة إلى "فيفا"، المؤسسة التي أدركت منذ زمن طويل أنّ كرة القدم تحتاج إلى سرديات عاطفية. فأغنية كأس العالم شكل من أشكال القوة الناعمة، تساعد على خلق إحساس بالوحدة الرمزية بين مليارات المشاهدين الذين لا يجمع بينهم، في كثير من الأحيان، سوى مشاركتهم في البطولة.
جاءت "واكا واكا" في اللحظة التاريخية المناسبة تماماً؛ فمع استضافة أفريقيا لكأس العالم للمرة الأولى، سعت بطولة 2010 إلى تقديم نفسها بوصفها احتفالاً بالشمول العالمي. وعكست الأغنية، بمزجها بين التقاليد الموسيقية الأفريقية وجماليات البوب العالمية، السردية الأوسع للبطولة. والنتيجة كانت قطعة ثقافية تجسّد الرؤية المثالية لكأس العالم بوصفه مساحة للتآلف العالمي. حتى أنّ قلّة تتذكّر أنّ شاكيرا حضرت في "مونديال 2006" وقدّمت "Hips Don't Lie - Bamboo"، و"La La La (Brazil 2014)" لم تحلّ مكان "واكا واكا"، والأعين اتّجهت هذا العام إلى "Dai Dai".
لماذا فشلت الأغنيات في إزاحة "واكا واكا"؟
المفارقة أنّ "فيفا" أمضت العقد الماضي وهي تحاول تكرار هذا النجاح؛ فمع كلّ بطولة تظهر أغانٍ جديدة، يحقّق بعضها أداءً تجارياً جيداً بينما يثير بعضها الآخر حماساً تأثيره عابر. لكن أياً منها لم يتمكّن من إزاحة "واكا واكا" من الذاكرة العامة. ومن خلال التكرار والنوستالجيا والزخم الإعلامي والارتباط العاطفي، تكتسب هذه الأعمال صفة الديمومة.

في الإطار، توفّر موسيقى عيد الميلاد مثالاً مفيداً للمقارنة. فهناك آلاف الأغاني المرتبطة بالمناسبة، لكنّ عدداً محدوداً منها فقط يعود كلّ عام، إذ بات ضرورة طقسية لا مجرّد ترفيه اختياري.
تختبر ماريا كاري هذا الأمر كلّ شهر كانون الأول/ديسمبر، ويختبره جون ويليامز في كلّ مرة يكتشف فيها جيل جديد فيلم "حرب النجوم". وتحتلّ شاكيرا مكانة مشابهة في المخيلة الثقافية لكرة القدم، إذ توقّفت أغنيتها عن أداء وظيفة التسجيلات الموسيقية وتحوّلت إلى أوعية للذاكرة الجماعية. عند تلك النقطة، لا تعود الأغنية ملكاً للفنانين، بل تصبح ملكاً للزمن نفسه.
نبض