المتاحف السعودية والعربية: بين إنقاذ التراث وصناعة المستقبل
بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف، خصصت "مجلة متاحف" عددها الثالث لاستكشاف دور المتاحف في صون الذاكرة وبناء المستقبل، في لحظة عربية تتقاطع فيها تحديات الحفاظ على التراث مع طموحات التطوير الثقافي. ويقدم العدد باقة من الملفات والدراسات والحوارات التي تتناول تجارب متحفية عربية بارزة، مع إضاءة خاصة على التحولات التي يشهدها المشهد المتحفي في المملكة العربية السعودية.
"إحفظ- اكتشف- إستلهم- إبتكر: من تراثنا وهويتنا ينبع الامل- المتاحف العربية نوافذ على تراثنا ورؤى لمستقبلنا- المتاحف السعودية هنا يصنع الانتماء"، هذه العناوين تصدرت أغلفة العدد الثالث (نيسان/أبريل 2026) من مجلة "متاحف" التي صدرت (باللغتين العربية والإنكليزية) لمناسبة اليوم العالمي للمتاحف (18 أيار/مايو 2026)، الذي اعتمد من قبل المجلس الدولي للمتاحف (ICOM) للتركيز على الدور المحوري الذي تقوم به المتاحف كجسور للتبادل الثقافي والسلام. وتمثل الباحثة منى خزندار، المديرة السابقة لمعهد العالم العربي - باريس، صفة المستشارة العلمية للمجلة.

وتشير رئيسة تحرير المجلة ميشيل عنبر إلى أنّ: "الإعداد لهذا العدد لم يكن سهلاً، ليس بسبب التحديات التحريرية وحسب، بل أيضاً بسبب ما كان يبدو عليه العالم ونحن نصوغه". وقد تضمّن العدد غلافين تُفترض قراءتهما معاً؛ فالأول يتحدث عن الأمل، وعن تراث يظل يجمعنا حتى في أحلك اللحظات، ويتجلى في لوحة للفنان الفلسطيني سليمان منصور أنجزها عام 1985، تجسد حمامة بيضاء تحلق فوق قرية فلسطينية، ولم تكن يوماً أكثر راهنية مما هي عليه اليوم. أما الغلاف الثاني فيتجه نحو المستقبل، حيث لا يعود التراث والهوية مجرد تعبيرات فنية، بل يتحولان إلى أصول استراتيجية تتجلى اليوم بأوضح صورها، وعلى مستوى العالم العربي، في المنظومة المتحفية بالسعودية.
وتتحدث عنبر عن الواقع المأزوم للإرث الحضاري في غزة فتقول: "كنا نحرر مقالات عن الانتماء، فيما كانت مجتمعات هذه المنطقة تواجه تهديداً لأمنها، ويهجر كثيرون من الأماكن التي شكلتهم. وكنا نُعد ملفاً عن نهضة المتاحف في السعودية، بينما كانت حنين العمصي، على بعد مئات الكيلومترات، تلتقط بيديها المجردتين بقايا مخطوطات من تحت ركام غزة. والإنقاذ وجهان لرفض واحد: اختفاء التراث".
هذا هو العالم العربي اليوم: يبني ويرثي، ويبدع ويفقد في آن واحد، وهذا هو تحديدا سبب وجود المتاحف، فهي تحتضن الصورة كاملة، من دون تبسيط ما هو معقد او إطفاء ما هو مشرق. فالثقافة لا تنتظر السلام كي تكتسب معناها، بل تكتسب أهميتها القصوى عندما يصبح كل شيء آخر مهدداً. ومخطوطة تُنتشل من الركام، أو لوحة تُرسم تحت الاحتلال، أو صورة لقرية مدمّرة، لا تمحو المعاناة، لكنها تساعد المجتمعات على فهمها، عبر تحويل الصدمة الى ذاكرة، والذاكرة الى تأمل نور ثابت في وجه الريح.
المشهد المتحول للمتاحف في السعودية
تتناول مجلة "متاحف" في عددها الثالث حلقات مضيئة مما سمّته "بناء الزمن الطويل للمشهد المتحول للمتاحف في المملكة العربية السعودية"، من خلال مراجعة توثيقية شاملة أعدّها الكاتب إبراهيم النهدي، كشف فيها عن الدور الكبير الذي لعبته هيئة المتاحف، التي تأسست تحت مظلة وزارة الثقافة العام 2020، وشكّلت منعطفاً مهماً في تطوير المتاحف بوصفها منصّات للمعرفة وفضاءات للتفاعل بين المحلي والعالمي.

ويشير النهدي إلى أن الهيئة أشرفت خلال أعوام قليلة، على افتتاح عدد من المؤسسات البارزة، من بينها: مركز الدرعية لفنون المستقبل في الرياض، والمتحف السعودي للفن المعاصر (SAMoCA) في الرياض، ومتحف طارق عبد الحكيم في جدة، لإحياء إرث الملحن الذي أسهم في تشكيل التراث الموسيقي السعودي، إضافة إلى متحف البحر الأحمر في جدة. ويتناول أيضاً الدور الذي أدّاه مشروع "متاحف الإرث: ركائز الذاكرة" في إضفاء آفاق جديدة على عددٍ من المؤسسات المتحفية القائمة، وفي مقدمتها قصر المصمك في حيّ الديرة التاريخي بالرياض، والمتحف الوطني السعودي، ومتحف الذهب الأسود في الرياض.
وإضافة إلى استعراض المنصات المتحفية التي أُنجزت، تناول إبراهيم النهدي مجموعة من المشاريع التي لا تزال قيد التنفيذ ضمن الخطط المستقبلية لهيئة المتاحف. ومن أبرزها مشروع "متحف ثقافات العالم"، الذي يهدف إلى إنشاء أحد عشر متحفاً إقليمياً يقوم كل منها على مبدأ الخصوصية بدلاً من التكرار، بحيث يُخصَّص لكل منطقة موضوع تراثي فريد يعكس هويتها المحلية.
ومن بين هذه المشاريع متحف في منطقة حائل يُعنى بفنون النقوش الصخرية والكتابات القديمة، ومتحف في منطقة عسير يستلهم ثقافتها البصرية الزاهية، مستنداً إلى التشكيلات الهندسية التقليدية التي أبدعتها النساء، ضمن قراءة أوسع للإنتاج الجمالي في ماضيه وحاضره. كما سيُخصَّص متحف نجران لاستكشاف جماليات العمارة المحلية، من الواحات وبيوت الحجر في الجبال إلى أكواخ السهول وخيام البدو في الصحراء.
ويبرز أيضاً مشروع متحف "قصر الزاهر" في مكة المكرمة، الذي سيتناول طرائق التعليم في الحضارة الإسلامية، مستكشفاً مسارات انتقال المعرفة عبر الخط والمخطوطات وعمارة التعلّم. أما متحف تبوك فسيُعنى بالثقافات البدوية وتراث الرحّالة، في حين سيركّز متحف "عرعر – التابلاين"، المستمد اسمه من أول خط أنابيب عابر من الخليج العربي إلى البحر المتوسط، على التراث الصناعي والتاريخ الاجتماعي للمجتمعات التي نشأت على امتداد هذا الخط. وتشمل المشاريع كذلك متحف جازان للنباتات العطرية والبخور، ومتحف القصيم الذي يسعى إلى إبراز الدلالات الثقافية والاجتماعية للنخلة بوصفها رمزاً للحياة والاقتصاد والشعر والبنية الاجتماعية في المنطقة.
أما "متحف العقيلات" في القصيم، فيوثّق قصة مجتمع من التجار والرحّالة الذين ربطوا نجد بالعراق وسوريا عبر شبكات واسعة من التبادل التجاري والثقافي. وفي عسير، يتبوأ متحف "قصر خميس مشيط" التاريخي مكانة بارزة بوصفه جوهرة معمارية تعكس تراث المنطقة. كما تحتضن أبها "متحف فاطمة"، المكرّس لفن "القَطّ العسيري"، وهو فن زخرفي تقليدي تشتهر به منطقة عسير في جنوب غربي المملكة العربية السعودية، وقد أُدرج على قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو عام 2017.

وتكشف هذه المراجعة التوثيقية عن مشهد متحفي سعودي يتبنى رؤية طويلة الأمد، لا تقتصر على تشييد المباني أو إطلاق المشاريع الكبرى، بل تسعى إلى بناء بنية ثقافية مستدامة تجمع بين الطموح الوطني والانفتاح على العالم. ويقوم هذا المشهد على توازن لافت بين المبادرات الحكومية والمؤسسات الثقافية والأهلية ورعاية الشركات، بما يرسّخ حضور المتحف بوصفه فضاءً للمعرفة والحوار وصناعة الذاكرة.
وفي هذا السياق، برز "مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء)" في الظهران، المموّل من أرامكو السعودية، بوصفه علامة معمارية وثقافية كبرى تجمع بين الفنون المحلية والعالمية. كذلك أدّت مؤسسة "آرت جميل" دوراً محورياً في تنشيط المشهد الثقافي في جدة من خلال دعم الفن المعاصر، فيما ركّزت مؤسسة "مسك" على إعداد جيل جديد من الفنانين عبر برامج للتدريب والإقامات الفنية والمعارض، لتسهم مجتمعة في رسم ملامح مشهد ثقافي وفني متجدد في المملكة.
دور المتاحف في الحفاظ على الذاكرة الفنية
احتوى العدد على مجموعة متميزة من المقالات والدراسات التي عكست تنوع اهتمامات المجلة واتساع نطاقها الجغرافي والثقافي. ومن أبرزها مقال عن أعمال الفنان الفلسطيني سليمان منصور، استند إلى حوار أجرته رئيسة التحرير ميشيل عنبر بعنوان "حوار مع ثقل الذاكرة"، ومقال عن الدور الذي تؤديه مؤسسة "دارة الفنون" في الأردن في دعم الفن العربي على 38 عاماً، إلى جانب مقال بعنوان "خارج أسوار المتحف: كيف يُبقي مسرح شظايا التراث حياً في البلدة القديمة في جنين"، يسلط الضوء على كيفية توظيف "مسرح شظايا" للفنون الأدائية والمجتمعية في إحياء التراث والثقافة الفلسطينية داخل البلدة القديمة، متجاوزاً الأساليب التقليدية التي تقتصر على عرض شذرات التاريخ داخل المتاحف المغلقة.
وثمة مقالة عن افتتاح متحف البحر الأحمر في قلب جدة التاريخية، داخل مبنى البنط الأثري، بعنوان "عبقرية المكان: البنط، حوار الكلمة والصورة"، ويتناول قضية أن التصوير الفني هنا لا يرصد مظاهر الكائنات والأشياء وحدها، بل ينفذ عبرها إلى اللامرئي، إلى وجهها الآخر، فتصبح الجدران وبصمات الزمن عليها صفحات مفتوحة للقراءة.

وشملت المواضيع أيضاً عرضاً لمجموعة سليم اده من الأحجار النادرة في متحف ميم في بيروت، ودراسة للبروفسور مارينوس لوندس بعنوان "التوأم الرقمي للذاكرة: المستقبل الرقمي للتراث العربي"، ومن بين المواد اللافتة أيضاً مقال لماريا بنت رهن بعنوان "بين الاستعراض والواقع: ليلة العمر، رهان (SAMoCA) على الفرح"، تناول تجربة معرض فني معاصر بارز أقيم في المتحف السعودي للفن المعاصر في حي جاكس بالرياض. وتضمن العدد كذلك عدداً من الحوارات الفنية، من بينها مقابلة مع المخرج فيليب عرقتنجي حول فيلم "Heritages" وما يثيره من أسئلة تتصل بالهجرة والاقتلاع في أزمنة الحروب، إضافة إلى حوار مع مدير مؤسسة دلول للفنون باسل دلول بعنوان "الفن الحقيقي تاريخنا".
في زمن التحولات والأزمات، يذكّر هذا العدد بأن المتاحف ليست مستودعات للذاكرة وحسب، بل فضاءات لصناعة المعنى والأمل.
نبض