لعنةُُ رائدِها إدريس الشرايبي... تعيد الرواية الفرنكوفونية إلى الواجهة
يرحل الأدباء الكبار لتبقى أعمالهم أثرًا ومعالمَ شاخصةً تُنجب تلاميذَ وتياراتٍ لا ينقطع الجدل حولها، ويسهر الخلق - بعبارة المتنبي - جرّاها ويختصم. تَعِزُّ القائمة على الحصر في آداب الشعوب، ولموضوع هذه الورقة أكتفي بمثالٍ فريدٍ أسّس كتابةً ومدرسةً، ورسّخ فنًّا برواية واحدة، شقّ بها طريقًا يمشي فيه منذ منتصف خمسينات القرن الماضي وإلى اليوم الكتّابُ المغاربة باللغة الفرنسية، أو من يُصنّفون داخل إطار واصطلاح الأدب والثقافة الفرنكوفونية.
أعني إدريس الشرايبي (1926 - 2007) الذي احتفلت الأوساط الأكاديمية والأدبية في المغرب وفرنسا بالذكرى المائوية لميلاده، وللمناسبة نُظّمت ندواتٌ ومحاضراتٌ في الرباط (أثناء المعرض الدولي الأخير للكتاب)، وفي باريس ندوة كبرى لمعهد العالم العربي بتعاون مع مؤسسة مجلس الجالية المغربية في الخارج التي يرأسها الأستاذ إدريس اليزمي، جمعت كتّابًا مغاربة مقيمين وفرنسيين متخصصين في الأدب المغاربي وهذا الروائي الاستثنائي العاقّ.
ذلك أن الشرايبي، ابن ماغازان، مدينة الجديدة حاليًا، إحدى الحصون البرتغالية العتيدة القديمة على المحيط الأطلسي، ارتبط اسمُه بقصة طويلة، التحمت فيها سيرتُه الشخصية بسيرة تكوين أدب بأكمله في مغرب الخمسينات إبّان الاستعمار الفرنسي، وزرع فيها لغمًا ما زال دويُّه مسموعًا. الطفل الذي وُلِد في أسرة تقليدية ميسورة، دخل الكُتّاب القرآني في البداية، ثم المدرسة في مدينته. فجأةً قرر الفاطمي الشرايبي المحافظ أن يرسله إلى مدينة الدار البيضاء ليدرس في ليسي ليوطي الفرنسي في قطيعة مع ما تعلّم ومع محيطه الأصلي، وبعد الحصول على البكالوريا التحق بباريس لتحصيل جامعي تخرّج منه مهندسًا في الكيمياء، ثم قلب الصفحة.

بعد التخرج والعمل في فرنسا عامين فقط، قطع مع تخصصه وانصرف إلى الأدب والصحافة، معدَّ برنامجٍ ثقافي في فرانس كولتور، أثناء ما كان يخط روايته القنبلة Le passé simple (الماضي البسيط) 1954، التي يؤرخ بها دارسو الأدب المغربي بالفرنسية سنةَ التأسيس الفعلي لرواية مغربية باللغة الفرنسية ناضجة بالمقاييس الفنية، وفي زمن استعماري ملتهب بالمقاومة الوطنية (كان الملك محمد الخامس منفيًّا في مدغشقر). لم تكن الأولى، فقُبيلها صدرت رواية Le Chapelet d’ambre (سبحة العنبر) لأحمد الصفريوي (1915ـ2004)، شبهُ سيرةٍ ذاتية لطفل من مدينة فاس الإمبراطورية ذات التقاليد الأندلسية الإسلامية العريقة يحكي مراحل تربيته ومعالم وطقوس مدينته، فوسمها الدارسون بالنزعة الإثنوغرافية الفولكلورية، كان لها نظير في القصة المغربية بالعربية عند أحمد الفاسي وأحمد عبد السلام البقالي. لكن "الماضي البسيط" قلبت ظهر المِجنّ رأسًا على عقب بشخصية بطلها (إدريس فردي) الذي سيتمرد بعنف على تقاليد العائلة، ويحطم الوثن الباترياركي في شخص الوالد الفاطمي، ومن خلاله بلده كله.
قيمة هذه الرواية تبدأ، حسب تحليل الأستاذ إدريس اليزمي في المائدة المستديرة بمعهد العالم العربي، من أنها صدرت في سياقٍ عناصرُه: 1ـ هزيمة بيان ديان فو (1954) قرعت نهاية الإمبراطورية الاستعمارية لفرنسا. 2ـ استقلالات المغرب العربي. 3ـ بداية حرب الجزائر التي انتقلت إلى فرنسا. 4ـ تبلور حركة الوطنية المغاربية في فرنسا من خلال جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا AEMNA، وهي مشتل قادة الغد للبلدان المغاربية. تميّز هذا السياق أيضًا بوصول الرسامين والفنانين المغاربة الأوائل إلى فرنسا. لنتصور إذن في ظل هذه المعطيات، وغليان المدن المغربية بعمليات المقاومة ضد الاستعمار، يأتي كاتب من الاتجاه المعاكس ليسفّه ثقافة وتاريخ وتقاليد وهوية بلاده مجتمعة، مصطبغًا بشخصية متحررة رضع حليبها من ضرع فرنسي خالص، هاجيًا أباه وأصوله، يقف القارئ على نقد لاذع "للتفاوت بين الإسلام الأصلي والممارسة المنافقة لبورجوازية الأربعينات المغربية تحت الحماية الفرنسية". ولتلقَّى ردودَ فعل هجومية من الوطنيين، فتوصم بالعار وتكرّس قطيعة بين مؤلفها وعائلته ووطنه بأجمعه.
بعد عام فقط (1955)، يصدر الشرايبي رواية ثانية تعتبر التأسيس الفعلي لرواية المهجر والمهاجرين، في ظروف عيشهم ومعاناتهم في الغربة ونظرة العنصرية تجاههم. كذا رسمت "Les Boucs" (التّيوس) وشخّصت مجتمع الهجرة بتشريح واقعي ورمزي وساخر ونقدي لبلاد الاستقبال (المتربول) المستغلة والناهبة، وتبلور إثرها أدب المنفى والهجرة. أشار الكاتب المغربي محمد حمودان في مداخلته بالمعهد إلى كون هذه الرواية صدرت في قلب المرحلة الاستعمارية، مع بداية وصول المهاجرين إلى فرنسا وعيشهم في أوضاع مزرية، فيصبح الشرايبي أول من يصورها ويقدم عنها شهادة صادمة نادرًا ما تطرق لها الأدب الفرنسي. أبعد من رصد مكابدات الهجرة، يرى حمودان أن الرواية تعالج وضع الكاتب نفسه في صورة شخصيته الحامل لاسم اللعنة (يلعن والديك)، يواجه شخصية الفرنسي ماك أوماك وينتزع منه حق الكلام باسم المهاجرين المضطهدين، فهو من يعيش وضعهم، والجدير بتقديم التجربة أدبيًّا.
تتواصل روايات إدريس الشرايبي تباعًا، أهمها Succession ouverte (1962)، كتبها بعد وفاة والده، وفيها يعيد ربط الجسر الذي هوى بينه والأب، ومحاولة المصالحة بين هويتين. في هذه الرواية يطرح السؤال الجوهري الذي سيلازمه: الرجل الذي هو أبي كان أصلي وما انتهينا إليه، فهل سنملك غدًا مستقبلًا آخر غير ماضينا؟ سؤال يعممه على العرب والمسلمين. وقد عاش طويلًا بين فرنسا وكندا، وعاد مرات إلى المغرب، وأصدر سلسلة روايات بوليسية. ومن حسن الحظ يُعاد الاعتبار لروايته الملعونة بعد أن تغيرت الظروف من طرف وعي نقدي ناضج مارسته قراءاتٌ وكتابةُ أدباء من الجيل الثاني والثالث للأدب المغربي المكتوب بالفرنسية، انشغلوا بالأسئلة ذاتها؛ الهوية بين ثقافتين مركزها، بقيت الأنساق ولم تتبدل إلا القوالب الفنية. عبد الكبير الخطيبي (1938ـ2009) أعمقهم فكرًا، ومحمد خير الدين شعرًا (1941 - 1995)، والطاهر بن جلون روايةً (1944 - )، يوازيهم عشرات الأسماء من الجنسين بلغات متعددة (إسبانية، هولندية، إنكليزية)، بعضهم في الخارج أضحت كتابتهم جزءًا من أدب الإقامة حتى ولو لم يُعترف بهم كاملًا؛ وآخرون كثيرون في بلدهم الأصلي، والجميع يمثل أدبًا فرنكفونيًا يدين بالكثير للشرايبي، ويستمد من صلابته روح الاستمرارية في بلد العربية لغتُه الأدبية الأولى.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
إليكم أبرز الأخبار والتحليلات لليوم الأربعاء 10 حزيران/ يونيو 2026
نبض