غسان تويني: حين انتصرت الثقافة على الأحقاد!

ثقافة 09-06-2026 | 18:01

غسان تويني: حين انتصرت الثقافة على الأحقاد!

لا يمكن فهم غسان تويني من خلال أدواره السياسية أو الإعلامية فحسب، بل من خلال رؤيته الفكرية للبنان.
غسان تويني: حين انتصرت الثقافة على الأحقاد!
غسان تويني. (أرشيفية)
Smaller Bigger

‎بين "نحيا معاً أو لا نكون" و"فلندفن الحقد والثأر ولنأخذ لبنان إلى المستقبل"، تتجلّى فلسفة غسان تويني الثقافية والإنسانية. لم يكن صحافياً أو سياسياً فحسب، بل مثقّفاً استشرف لبنان الذي يحلم به: وطنٌ يتسع للجميع، تُهزم فيه الكراهية بالحوار، ويُبنى فيه المستقبل على المواطنة لا على الثأر.

‎حين يُذكر غسان تويني، غالباً ما يُستحضر الصحافي والسياسي والديبلوماسي. لكن هذه الصفات، على أهميتها، لا تكفي لفهم هذا الشخص تحديدًا. فجوهر غسان تويني كان ثقافياً قبل أي شيء آخر. ثقافةٌ صنعت رؤيته للبنان، وصاغت علاقته بالآخر، وجعلته يستشرف المستقبل في زمنٍ كان كثيرون أسرى صراعات الماضي والحاضر.

‎غسان تويني وتجسيد مفهوم المثقف العضوي
‎وفي هذا السياق، عندما تحدّث المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي عن "المثقف العضوي"، قصد ذلك المثقّف الذي لا يكتفي بإنتاج المعرفة، بل ينخرط في قضايا مجتمعه ويساهم في تشكيل وعيه وصناعة مستقبله. وإذا كان لا بدّ من البحث عن نموذج لبناني يجسّد هذا المفهوم، فإنّ غسان تويني يأتي في المقدّمة. فهو لم يكن صحافياً يراقب الأحداث من بعيد، ولا كاتباً يكتفي بالتنظير، بل مثقفاً جعل من الكلمة أداةً للتغيير ومن الصحافة مشروعاً وطنياً وثقافياً متكاملاً. 

 

غسان تويني. (أرشيفية)
غسان تويني. (أرشيفية)

 

ومن هنا، لا يمكن فهم غسان تويني من خلال أدواره السياسية أو الإعلامية فحسب، بل من خلال رؤيته الفكرية للبنان. فقد آمن بأنّ الوطن ليس ملك طائفة أو جماعة أو فئة، بل مساحة مشتركة لجميع أبنائه. إذ دافع طوال حياته عن التعددية والحوار والعيش المشترك، معتبراً أنّ قوة لبنان لا تكمن في تشابه مكوّناته، بل في قدرته على تحويل اختلافها إلى مصدر غنى وإبداع. لذلك، جاءت كتبه ومقالاته، من "حوار الأيام" إلى "سر المهنة وأسرار أخرى" و"ثلاثة وجوه للحرب"، محاولةً دائمة لفهم لبنان والعالم، والبحث عن سبل العيش المشترك وسط الانقسامات والحروب.

‎لبنان التعددية والعيش المشترك في فكر تويني
‎آمن تويني بأنّ لبنان ليس مجرّد مساحة جغرافية تجمع طوائف مختلفة، بل فكرة حضارية قائمة على التعدّدية. فعبارته الشهيرة: "نحيا معاً أو لا نكون"، لم تكن شعاراً سياسيّاً بقدر ما كانت خلاصة رؤيته الثقافية. فقد أدرك باكراً أنّ أي جماعة تعتقد أنها تستطيع إلغاء الأخرى إنما تساهم في إلغاء لبنان نفسه. لذلك دافع طوال حياته عن وطن يتّسع للجميع، لا غالب فيه ولا مغلوب، ولا مواطن أعلى شأناً من مواطن آخر.

‎وكان استشرافه للمستقبل من أبرز سمات شخصيته الفكرية. ففي زمن الانقسامات الحادة، ظلّ يرى أنّ الأوطان الحديثة لا تُبنى على العصبيات بل على المواطنة. وحين كانت الخطابات السياسية تتغذّى من الخوف والذاكرة الجريحة، دعا تويني إلى بناء ذاكرة وطنية مشتركة تنظر إلى الأمام أكثر ممّا تغرق في وحل الماضي. 

‎ولعلّ أعظم ما في غسان تويني أنّ كلماته لم تبقَ أسيرة زمنها. فبعد سنواتٍ على رحيله، لا تزال دعواته إلى الشراكة والحوار ودفن الحقد تبدو حاجةً وطنيةً ملحّة، وكأنّه كان يكتب للبنان الحاضر بقدر ما كان يكتب للبنان المستقبل.

 

غسان تويني ونجله جبران تويني. (أرشيفية)
غسان تويني ونجله جبران تويني. (أرشيفية)

 

‎وتجلّى هذا البُعد الاستشرافي في إيمانه بأنّ الحوار ليس حلّاً موقتاً للأزمات، بل شرطاً دائماً لوجود لبنان. كان يدرك أنّ التنوع اللبناني يمكن أن يتحوّل إلى نعمة أو نقمة، وأنّ الثقافة وحدها قادرة على تحويل الاختلاف إلى غنى بدل أن يصبح سبباً للصراع. لهذا السبب رفض منطق العزل والكراهية، ودعا باستمرار إلى الانفتاح على الآخر مهما كانت الخلافات عميقة.

‎"فلندفن الحقد والثأر": الثقافة كموقف أخلاقي
‎لكنّ الثقافة لا تُقاس بما يكتبه الإنسان في أوقات الراحة، بل بما يفعله عندما يُمتحن في أكثر لحظات حياته قسوة. وهنا تبرز عظمة غسان تويني الإنسانية والفكرية في ٱن واحد. فعندما اغتيل ابنه الصحافي الشهيد جبران تويني عام 2005، كان بإمكانه أن يستسلم لغريزة الانتقام، وأن يضيف صوته إلى أصوات الغضب والثأر. إلا أنّه فاجأ اللبنانيين جميعاً عندما أطلق نداءه التاريخي: "فلندفن الحقد والثأر ولنأخذ لبنان إلى المستقبل".

‎في تلك اللحظة بالذات، تحوّلت الثقافة إلى موقف أخلاقي. لم يعد التّسامح فكرة يكتب عنها في افتتاحية أو يناقشها في كتاب، بل أصبح ممارسةً شخصية دفع ثمنها من قلبه. لقد أدرك أنّ العدالة لا تتحقّق بالانتقام، وأنّ لبنان الخارج من دوامات العنف لا يحتاج إلى مزيد من الكراهية، بل إلى شجاعة المصالحة. ومن هنا اكتسبت عبارته قوة استثنائية، لأنها لم تصدر عن مراقبٍ للأحداث، بل عن أبٍ فقد فلذة كبده ورفض رغم ذلك أن يفقد إيمانه بالإنسان وبلبنان.

‎إرث غسان تويني: ثقافة المستقبل والكلمة الخالدة
‎إنّ ثقافة غسان تويني هي ثقافة المستقبل بامتياز. ثقافة تؤمن بأنّ الوطن لا يُبنى بالثأر بل بالمصالحة، ولا بالخوف بل بالثقة، ولا بالانغلاق بل بالحوار والانفتاح على الٱخر. ولذلك تبقى كتاباته مرجعيّة أساسية لزمننا الحالي، لأنها تتجاوز اللحظة السياسية نحو الأسئلة الكبرى المتعلّقة بالعيش المشترك والحرية والكرامة الإنسانيّة.

‎عليه، لا يمكن اختصار إرث غسان تويني بصحيفة أو بمنصب أو بكتاب. لم يكتب تويني عن لبنان كما كان، بل كما أراده أن يكون. لذلك بقيت كلماته تتجاوز زمنها، من "نحيا معاً أو لا نكون" إلى "فلندفن الحقد والثأر"، شاهدةً على إيمانٍ راسخ بأنّ الوطن أكبر من انقساماته، وأنّ الإنسان أقوى من أحقاده.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

حول العالم 6/6/2026 10:49:00 PM
عامل كندي أصبح مليونيراً بين لحظة وأخرى بعدما تلقى اتصالاً أثناء عمله أبلغه بفوزه بجائزة يانصيب تتجاوز 2.4 مليون دولار كندي
فن ومشاهير 6/6/2026 4:58:00 PM
كانت المناسبة مميزة، وتضمنت العديد من اللحظات السعيدة والتقليدية
فن ومشاهير 6/8/2026 12:00:00 PM
تفاصيل مفاجئة حول إلقاء القبض على الإعلامية المصرية جولي أمين داخل إدارة المرور أثناء محاولتها نقل ملكية سيارة تابعة لصبري نخنوخ، وتطورات التحقيقات في القضية.