"معركتي الأخيرة"... شهادة من الداخل على سنوات الانقسام والحرب في لبنان
يصدر عن "دار النهار" كتاب "معركتي الأخيرة" للعميد الركن الراحل سليم كلاس، في العاشر من حزيران/يونيو، ليُشكّل محطة ثقافية وتوثيقية بارزة، لما يتضمّنه من شهادات ومعطيات تُنشر للمرة الأولى حول أحداث مفصلية تركت أثراً عميقاً في التاريخ السياسي والعسكري للبنان.
لا يندرج الكتاب في إطار المذكرات الشخصية التقليدية، وإنما يقدّم وثيقة تاريخية تنبض بتجربة رجل عاش التحولات الكبرى من داخل المؤسسة العسكرية، وواكب أبرز محطاتها قائداً وضابطاً وشاهداً مشاركاً في صنع الكثير من وقائعها. ومن خلال هذه الشهادة، يستعيد كلاس سنوات حاسمة شهدت انهيار مؤسسات الدولة وتصدّع بنيتها، إلى جانب الانقسامات العسكرية والتجاذبات الإقليمية التي أسهمت في إعادة تشكيل المشهد اللبناني.
تتجلى أهمية الكتاب في ما يكشفه من تفاصيل وخفايا بقيت بعيدة عن التداول العام لعقود، بدءاً من المواجهات مع التنظيمات الفلسطينية، مروراً بالانشقاقات التي عرفها الجيش اللبناني، وصولاً إلى الصراع على هوية الدولة ومؤسساتها خلال سنوات الحرب. كما يضيء على اجتماعات وقرارات ومعارك عايشها الكاتب عن قرب، مقدّماً قراءة من الداخل لخلفيات سياسية وعسكرية كان لها دور أساسي في رسم مسار البلاد.
ويكتسب العمل بعداً خاصاً في الفصول المخصّصة للمرحلة الأخيرة من المسيرة العسكرية للعميد الركن سليم كلاس، حين تولّى قيادة اللواء الثامن بين عامَي 1984 و1990، وهي فترة تُعد من أكثر مراحل الحرب اللبنانية تعقيداً وخطورة. ففي ظل الانقسامات الداخلية والتدخلات الإقليمية والتدهور الأمني المتسارع، وجد اللواء نفسه في قلب معارك مصيرية ارتبطت بالدفاع عن وحدة الجيش واستمرارية الدولة.
ومن قلب تلك المرحلة، يروي المؤلف وقائع المواجهات الأخيرة التي خاضها اللواء الثامن، والدور الذي أدّاه في حماية مناطق واسعة والحفاظ على ما تبقّى من مؤسسات الدولة. كما يكشف للمرة الأولى خلفيات قرارات ميدانية مفصلية، وطبيعة العلاقات المتشابكة بين القوى المتصارعة، وحجم الضغوط التي واجهتها المؤسسة العسكرية في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ لبنان الحديث.
ولا يقتصر الكتاب على سرد الوقائع العسكرية، بل يمنح مساحة واسعة للجانب الإنساني، مستحضراً تجارب الضباط والجنود الذين خاضوا تلك المعارك، وما رافقها من تضحيات وإيمان بالوطن في زمن كانت فيه الدولة على حافة الانهيار. وفي مقدمته، يؤكد العميد الركن كلاس أن هذا العمل لم يُكتب بحثاً عن مجد شخصي، بل رغبة في حفظ الذاكرة الوطنية ونقل الوقائع إلى الأجيال المقبلة، واستخلاص الدروس من مرحلة ما زالت آثارها ماثلة حتى اليوم.
هكذا يتجاوز "معركتي الأخيرة" كونه كتاباً عن الحرب، ليغدو شهادة على لبنان نفسه، وعلى رجال رأوا في الدفاع عن الدولة دفاعاً عن فكرة الوطن. ومن خلال رواية أحد أبرز المشاركين في تلك الأحداث، يفتح الكتاب نافذة نادرة على كواليس مرحلة صنعت جزءاً كبيراً من تاريخ لبنان المعاصر.
لذلك، لا تقتصر أهمية هذا الإصدار على المؤرخين أو المهتمين بالشؤون العسكرية، بل تمتد إلى كل قارئ يسعى إلى فهم ما جرى في تلك السنوات المصيرية، وإدراك الجذور العميقة للتحولات التي لا تزال تنعكس على واقع لبنان وحاضره. إنه كتاب يوثّق الذاكرة الوطنية، ويعيد إضاءة ملفات بقيت طويلاً في الظل ، ليشكّل مرجعاً أساسياً لكل من يرغب في قراءة تلك المرحلة بعين الشاهد والمشارك.
نبض