"ساغرادا فاميليا"... ماذا تكشف أكبر مجموعة "ليغو" عن علاقتنا بالتراث؟

ثقافة 07-06-2026 | 14:30

"ساغرادا فاميليا"... ماذا تكشف أكبر مجموعة "ليغو" عن علاقتنا بالتراث؟

أكبر نموذج "ليغو" على الإطلاق مؤلف من 12 ألفاً و60 قطعة.
"ساغرادا فاميليا"... ماذا تكشف أكبر مجموعة "ليغو" عن علاقتنا بالتراث؟
نموذج "ليغو" لكنيسة "ساغرادا فاميليا". (شركة "ليغو")
Smaller Bigger

للوهلة الأولى، يبدو الإعلان عن إطلاق شركة "ليغو" نموذجاً مؤلفاً من 12 ألفاً و60 قطعة لكنيسة "ساغرادا فاميليا" في برشلونة - وهو أكبر طقم في تاريخ الشركة - خبراً يخصّ الشركة وحدها، لناحية التصميم والتسويق. فهو أحدث محطة في عالم مجموعات البناء الذي يزداد طموحاً وتعقيداً. غير أنّ أهمية المشروع تكمن في مكان آخر؛ إذ إن القصة الحقيقية لا تتعلق بالألعاب، وإنما بالطريقة التي يتفاعل بها المجتمع المعاصر مع العمارة، ويتذكّر التراث الثقافي، ويحوّل المعالم الأثرية إلى تجارب يمكن تجميعها داخل المنزل.

معلم ديني وأيقونة ثقافية

يكشف اختيار "ساغرادا فاميليا" (وتعني "العائلة المقدسة") الكثير؛ إذ إنّ قلّة من المباني استطاعت أن تحقق هذا القدر الاستثنائي من الشهرة العالمية. صمّمها أنطوني غاودي، وما زالت قيد الإنشاء منذ عام 1882، لتحتلّ مكانةً نادرة في الثقافة العالمية: فهي في الوقت نفسه صرح ديني، وأيقونة سياحية، وتجربة معمارية غير مكتملة، ورمز لمدينة برشلونة، وأحد أكثر المباني تصويراً على وجه الأرض. ومدى أكثر من قرن، ظهرت أعمدتها الشبيهة بالغابات، وهندساتها العضوية، وواجهاتها النحتية في أدلّة السفر والأفلام الوثائقية ومقررات تاريخ الفن ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، حتى تحوّل المبنى إلى صورة ثقافية.

 

نموذج ”ليغو“ لكنيسة ”ساغرادا فاميليا“. (شركة ”ليغو“)
نموذج ”ليغو“ لكنيسة ”ساغرادا فاميليا“. (شركة ”ليغو“)

 

تفسّر هذه المكانة سبب اختيار "ليغو" للكنيسة لتكون أكبر مجموعة بناء معمارية من حيث عدد القطع. ويأتي إطلاق النموذج خلال السنة المئوية لوفاة غاودي، بينما يواصل المبنى رحلته الطويلة نحو الاكتمال. وقد شدّد مصمّمو "ليغو" على أنّ تسلسل البناء في النموذج يحاكي المراحل التاريخية الفعلية لتشييد المبنى، محوّلين بذلك عملية التجميع إلى إعادة تمثيل مكثّفة لتاريخٍ معماري امتد عبر الأجيال.

 

مبنى يكتمل في صندوق

غير أن ثمّة مفارقة تبرز فوراً. فـ"ساغرادا فاميليا" ربما تكون أشهر مبنى غير مكتمل في العالم. وهويتها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بعدم الاكتمال، والتكيّف المستمر، وتعاقب الأجيال. أما نسخة "ليغو" فتصل داخل صندوق يُعد بالإنجاز النهائي. فما استغرق أكثر من قرن في الحجر يمكن إتمامه داخل غرفة جلوس خلال بضع عطلات أسبوعية. وهكذا، يصبح غير المكتمل مكتملاً، والمتحوّل يصبح ثابتاً.

 

برج يسوع المسيح الأيقوني في ”ساغرادا فاميليا“. (شركة ”ليغو“)
برج يسوع المسيح الأيقوني في ”ساغرادا فاميليا“. (شركة ”ليغو“)

 

تجدر الإشارة إلى أنّه، في حين لا يزال بعض الأعمال متبقياً، اعتُبر المبنى مكتملاً "رمزياً" في أواخر شباط/فبراير 2026، مع إنجاز برج يسوع المسيح، والذي من المقرّر أن يدشّنه البابا لاوون الرابع عشر، الأربعاء، تزامناً مع الذكرى المئوية لوفاة غاودي.

 

العمارة تجربة قابلة للبناء

تندرج هذه المفارقة ضمن تاريخ أطول بكثير؛ إذ اعتمدت العمارة دائماً على النماذج المصغّرة. فقد شيّد معماريّو عصر النهضة نماذج خشبية لإقناع الرعاة والمموّلين. المتاحف تعرض نسخاً مصغّرة لتثقيف الزوار، والمعارض العالمية قدّمت مدناً مصغّرة باعتبارها رؤى للتقدم. وتؤدي النماذج المعمارية وظيفة ترجمة البنى الهائلة إلى مقاييس بشرية، فتصبح المسافات البعيدة ملموسة، والتعقيدات أكثر قابلية للفهم.

 

من النموذج المصغّر إلى التعلّم بالممارسة

تواصل "ليغو" هذا التقليد، لكنها تضفي عليه طابعاً "ديموقراطياً". فبازيليك لن يحظى معظم الناس بفرصة دراستها أكاديمياً تصبح شيئاً يمكنهم إعادة بنائه بأيديهم. وتحوّل هذه العملية المتفرجين إلى مشاركين. ففي النظريات التربوية، ارتبط البناء بالتعلّم منذ زمن طويل. وقد رأى عالم النفس جان بياجيه أن المعرفة تنشأ من التفاعل النشط مع الأشياء، بينما اعتبر مفكّرون لاحقون في المدرسة البنائية أن البناء نفسه شكل من أشكال التفكير. ومن هذا المنظور، يُعدّ تجميع كنيسة غاودي شكلاً من أشكال التأويل المتجسّد (Embodied Interpretation).

 

داخل نموذج ”ليغو“ لتحفة أنطوني غاودي. (شركة ”ليغو“)
داخل نموذج ”ليغو“ لتحفة أنطوني غاودي. (شركة ”ليغو“)

 

بين "دمقرطة" التراث وتسليعه

غير أن "الدمقرطة" والتسليع يسيران هنا جنباً إلى جنب. "ساغرادا فاميليا" تنتمي إلى عالم التراث الثقافي، لكنها في الوقت ذاته جزء من اقتصاد عالمي يقوم على السياحة والعلامات التجارية والملكية الفكرية. فالمعلم فضاء مقدس، وتحفة تعترف بها اليونسكو، ووجهة تستقطب ملايين الزوار، وخلفية لصور وسائل التواصل الاجتماعي، وأخيراً قطعة فاخرة قابلة للاقتناء تُباع بمئات الدولارات.

 

عصر النسخ: كيف نختبر التراث اليوم؟

تعكس هذه التحولات انتقالاً ثقافياً أوسع. فالمعالم الأثرية تُختبر اليوم بصورة متزايدة من خلال النسخ المقلّدة والمحاكاة والمسوح الرقمية والجولات الافتراضية والتذكارات والمنتجات ذات العلامات التجارية. وبالنسبة إلى كثيرين، لم يعد التراث يُعاش حصراً من خلال الحضور الجسدي المباشر، بل عبر إعادة إنتاجه وتداوله. وقد رأى المنظّر الفرنسي جان بودريار أن المجتمعات المعاصرة تميل إلى اختبار العالم عبر الصور والتمثيلات أكثر من اختبارها له بصورة مباشرة، وهي فكرة تبدو حاضرةً بقوة في علاقتنا الراهنة بالمعالم الشهيرة. ومع ذلك، تؤدّي النسخ المقلّدة أيضاً دوراً في حفظ الذاكرة، إذ تبقي المعالم حاضرة خارج حدود الجغرافيا وخارج قيود السفر.

 

بعض من قطع نموذج ”ليغو“ لـ”ساغرادا فاميليا“. (شركة ”ليغو“)
بعض من قطع نموذج ”ليغو“ لـ”ساغرادا فاميليا“. (شركة ”ليغو“)

 

لماذا لا يزال غاودي معمارياً معاصراً؟

لا يمكن فهم هذا الحضور المتواصل لـ"ساغرادا فاميليا" من دون فهم المكانة الاستثنائية التي يحتلها غاودي نفسه في المخيلة البصرية المعاصرة. بعد قرن على وفاته، لا يزال يبدو متوافقاً بصورة لافتة مع الثقافة البصرية المعاصرة. فعماراته تبدو في الوقت نفسه قديمة ومستقبلية، يدوية الصنع وخوارزمية الطابع. ولا يزال المصمّمون الرقميون والمعماريون البارامتريون (Parametric Architects) وفنانو الذكاء الاصطناعي، يعثرون على أصداء لأساليبهم الخاصة في تجاربه الهندسية واستلهامه للأشكال الطبيعية. وقليلون هم المعماريون الذين نجحوا بهذا القدر في الانتقال من دائرة الإعجاب المتخصّص إلى فضاء الانبهار الجماهيري.

 

"ليغو" والحنين إلى العالم الملموس

كما تكشف شعبية مجموعات "ليغو" المعمارية الضخمة شيئاً عن البلوغ المعاصر. فهذه المنتجات نادراً ما تُشترى للأطفال. إنها تنتمي إلى ثقافةٍ متنامية من الاقتناء لدى البالغين، ثقافة تشكّلت بفعل الحنين إلى الماضي، وتقدير الحرفية، والرغبة في التفاعل المادي الملموس داخل عالم يزداد رقمنة. وبينما تتمّ نسبة كبيرة من التجارب الثقافية عبر الشاشات، يوفّر قضاء عشرات الساعات في بناء جسم مادي علاقة مختلفة بالوقت والانتباه والمادة.

 

نموذج ”ليغو“ لكنيسة ”ساغرادا فاميليا“. (شركة ”ليغو“)
نموذج ”ليغو“ لكنيسة ”ساغرادا فاميليا“. (شركة ”ليغو“)

 

لذلك، وجب النظر إلى أكبر مجموعة "ليغو" أنتجتها الشركة حتى اليوم على أنّها قطعة ثقافية تختزل عدداً من أبرز ميول القرن الحادي والعشرين: تحويل التراث إلى تجربة، ودمج التعليم بالاستهلاك، ورفع العمارة إلى مرتبة الثقافة الشعبية، والرغبة في الاحتفاظ بأجزاء من أعظم معالم العالم داخل الفضاء المنزلي.

من هذه الزاوية، تعكس "ساغرادا فاميليا" المصغّرة نظيرتها الحقيقية. فكلتاهما فعل بناء. وكلتاهما فعل خيال. وكلتاهما تذكّرانا بأن العمارة، حتى بعد مغادرتها لوحة الرسم بوقت طويل، تواصل إعادة تشييد نفسها في أذهان من يلتقون بها، وعلى نحوٍ متزايد، داخل منازلهم أيضاً.

 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/5/2026 5:11:00 PM
اتخذ المجلس المركزي لمصرف لبنان قراراً بتمديد العمل بالتعميمين لمدة سنة إضافية، تبدأ في تموز المقبل وتنتهي في تموز 2027
فن ومشاهير 6/1/2026 12:46:00 PM
ومن التفاصيل التي لفتت الأنظار في الإطلالة الأخيرة، الأكسسوارات التي اختارها، من الخاتم البارز إلى الساعة الكبيرة الحجم، وهي عناصر رافقته في معظم إطلالاته خلال السنوات الماضية.
فن ومشاهير 6/4/2026 10:40:00 AM
بالتزامن مع عرض الحلقة الأخيرة، شارك أبطال مسلسل "ليل" الجمهور لحظات الوداع وكواليس الأشهر التسعة التي أمضوها في التصوير.