الجيل "زد" يبتكر وحوشه... رعب الإنترنت لغة سينمائية الجديدة؟

ثقافة 08-06-2026 | 08:57

الجيل "زد" يبتكر وحوشه... رعب الإنترنت لغة سينمائية الجديدة؟

ما نشهده اليوم ليس نجاحاً لنوع فرعي جديد من أفلام الرعب، بل ولادة مخيلة ثقافية جديدة.
الجيل "زد" يبتكر وحوشه... رعب الإنترنت لغة سينمائية الجديدة؟
ريناتي رينسف في “باك رومز“. (A24)
Smaller Bigger

لكلّ عصر مخاوفه، ولكلّ خوف صوره وأشباحه. ومنذ نشأة السينما، كانت أفلام الرعب من أكثر الفنون قدرة على منح القلق الجماعي شكلاً مرئياً.

تتغيّر الوحوش، لكن المخاوف التي تجسّدها تبقى مرتبطة ببنية الحياة اليومية. ففي القرن العشرين، عكست أفلام الرعب هواجس الحرب والتكنولوجيا والعدوى والتشابه القسري والعنف المتسلسل. أمّا اليوم، فقد برز مصدر جديد للخوف من مكان غير متوقَّع: الإنترنت.

يكشف انتقال عدد متزايد من صنّاع الرعب من "يوتيوب" إلى السينما، كما يظهر في تحويل "باك رومز" إلى مشروع سينمائي واهتمام الاستوديوهات الكبرى بصنّاع الرعب الرقمي، عن تبنّي هوليوود المتزايد لجماليات وُلدت على الشبكة، داخل المنتديات الغامضة ومجتمعات الألعاب والمنصات التي تقودها الخوارزميات.

المثير للاهتمام ليس فقط أن رعب الإنترنت أصبح قابلاً للتسويق، بل أنه تحوّل إلى ظاهرة ثقافية قابلة للقراءة والتأويل. ولعلّ "باك رومز" تمثّل المثال الأوضح. فقد بدأت بصورة نُشرت عام 2019 على موقع "4تشان"، تُظهر متاهة لا نهائية من الغرف الصفراء الشبيهة بالمكاتب والمضاءة بأنوار فلورية باردة. ومن دون شرير واضح أو حبكة تقليدية معقّدة، نجحت الصورة في تجسيد نوع جديد من القلق: ليس الخوف ممّا يطاردك، بل الخوف من الاحتجاز داخل عالم بلا معنى.

 

فيلم من داخل عالم بلا معنى. (A24)
فيلم من داخل عالم بلا معنى. (A24)

 

على خلاف القلاع المسكونة في الأدب القوطي أو المنازل المرعبة في سينما القرن العشرين، تمثّل "باك رومز" فضاءات فقدت غايتها. فهي تشبه المكاتب والفنادق وغرف الانتظار ومراكز التسوق والممرات البيروقراطية. وقد وصف عالم الأنثروبولوجيا مارك أوجيه هذه البيئات بـ"اللاماكن" (Non-Places)، أي فضاءات العبور المجرّدة من الهوية والذاكرة. وجاء رعب الإنترنت ليحوّل هذه اللاماكن إلى كوابيس.

يعكس هذا التحوّل تجربة أوسع لدى الأجيال الجديدة؛ إذ نشأ كثير من أبناء الجيل "زد" في عالم تتداخل فيه الحياة المادية والرقمية باستمرار. لذلك ترتبط مخاوفهم أقلّ بالتهديدات الجسدية وأكثر بالتيه والعزلة والتكرار واللايقين الوجودي. فالرعب هنا لا يكمن في ما يظهر، وإنما في ما يغيب: المعنى والارتباط والاتجاه.

يرى الباحث السينمائي آدم لوينشتاين أنّ الرعب يؤدي غالباً وظيفة "تصوير الصدمات التاريخية بصرياً". وإذا صحّ ذلك، فقد يكون رعب الإنترنت اللغة البصرية لجيل تشكّل وعيه وسط هشاشة اقتصادية وقلق مناخي وتفكك اجتماعي وحضور دائم على الشبكة.

أما جماليات هذا النوع من الرعب فلا تقلّ دلالة. ففي حين اعتمد رعب هوليوود التقليدي على الاستعراض البصري، يزدهر رعب الإنترنت عبر الغياب. فهو يقوم على اللقطات المشوشة، وكاميرات المراقبة، والأصوات المحرّفة، والعمارة المهجورة، والسرديات الناقصة. وقد أسهمت ثقافة "يوتيوب" والرعب التناظري (Analogue Horror) والألعاب الإلكترونية وأفلام "اللقطات المعثور عليها" (Found Footage) في ترسيخ أسلوب يتعمّد الابتعاد عن الكمال البصري المصقول.

 

ريناتي رينسف في “باك رومز“. (A24)
ريناتي رينسف في “باك رومز“. (A24)

 

من هذه الزاوية، يقيم رعب الإنترنت صلة غير متوقعة مع الفن الطليعي. فهو، مثل السريالية، يزعزع استقرار الواقع. ومثل الفن الاختزالي، يعتمد على التقليل لا على الإفراط. ومثل الفن المفاهيمي، يترك للجمهور مهمة استكمال المعنى.

كما ساعد صعود استوديوهات الرعب المعاصر، ولا سيما A24، على تهيئة الجمهور لهذا التحوّل. فقد أظهرت أفلام "وراثي" (2018) و"الساحرة" (2015) و"سكينامارينك" (2022) أنّ المشاهدين الأصغر سنّاً باتوا أكثر انجذاباً إلى القلق البطيء والمناخات المربكة من اعتمادهم على "الفزّاعات المفاجئة" التقليدية.

في الوقت نفسه، يتحدّى هذا التحوّل التراتبيات الثقافية التقليدية. فطوال عقود، كانت الشرعية الفنية تنتقل من المؤسسات إلى الجمهور. أما اليوم، فتبدو العملية معكوسة: المجتمعات الرقمية هي التي تبتكر الأساطير والجماليات والأشكال السردية، ثم تتبنّاها هوليوود. وبذلك، انتقل المختبر الثقافي من الاستوديوهات إلى الشبكات.

تحمل هذه النقلة دلالات عميقة؛ إذ إنّ جيل صنّاع الأفلام المقبل قد لا يخرج حصراً من مدارس السينما أو المهرجانات المستقلة، بل من قنوات "يوتيوب"، ومجتمعات الألعاب، وخوادم "ديسكورد"، وحتى من المنتديات المجهولة. كما أنّ مراجعهم الإبداعية قد تضم الفولكلور الرقمي بالقدر نفسه الذي تضم به كلاسيكيات السينما.

ما نشهده اليوم، إذاً، ليس مجرد نجاح لنوع فرعي جديد من أفلام الرعب، بل ولادة مخيلة ثقافية جديدة. ويُظهر تاريخ الرعب أن كل عصر يبتكر الوحوش التي تعبّر عن مخاوفه. غير أنّ العصر الرقمي استغنى إلى حدّ كبير عن الوحوش نفسها. وبدلاً من ذلك، حوّل الممرات الفارغة والدهاليز اللامتناهية والأماكن المنسية واللايقين الذي تصنعه الخوارزميات إلى مصادر للخوف.

والنتيجة هي سينما أقلّ انشغالاً بما يختبئ في الظلال، وأكثر انشغالاً باحتمال ألا يكون هناك شيء أصلاً. وربما يكون هذا هو الخوف المُعرِّف للقرن الحادي والعشرين: ليس رعب مواجهة المجهول، وإنّما رعب التجوال بلا نهاية في فضاءات تبدو مألوفة، لكنها فقدت معناها.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 6/7/2026 8:05:00 PM
الجيش الإسرائيلي يزعم: "تضم الشبكة عدة أنفاق شيدت لاستيعاب مئات المسلحين في الوقت ذاته، وتحتوي على غرف مكوث معدّة للإقامة والقتال لفترات طويلة"...
لبنان 6/6/2026 11:21:00 PM

أهالي بلدة مغدوشة تلقوا اتصالات من الجيش الإسرائيلي تضمنت تحذيراً من وجود عناصر لـ"حزب الله" بين النازحين

لبنان 6/7/2026 7:40:00 PM
أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة مسبقاً بالهجوم الذي استهدف الضاحية الجنوبية لبيروت.
حول العالم 6/6/2026 10:49:00 PM
عامل كندي أصبح مليونيراً بين لحظة وأخرى بعدما تلقى اتصالاً أثناء عمله أبلغه بفوزه بجائزة يانصيب تتجاوز 2.4 مليون دولار كندي