كان وائل صالحة في العام الثاني من طفولته حين عاد به والداه سنة 1985 (من الرياض حيث وُلِد سنة 1983) إِلى راس المتن، ضيعتهما الحلوة التي، في قلب جبل لبنان، تتزحلق هانئةً هادئةً على سجَّادة خضراء من رؤُوس الصنوبر. تلقَّى فيها دروسه الأُولى والثانوية، وأَكمل دروسَه العليا في علوم الكومبيوتر حتى البكالوريوس لدى "جامعة الآداب والعلوم والتكنولوجيا في لبنان" (2001-2004)، وحتى الماسترز لدى "جامعة سيدة اللويزة" (2005-2009).
في الحلقة الأُولى من هذه الثنائية سردتُ لمحةً عن وائل صالحة ومسيرته العامة. في هذه الحلقة أَسرد نبذةً عن معرضه الحالي "10452 - الانبعاث".
من المعارض الدولية إِلى استعراض لبنان
في معارضه العامة، جال منذ 2013 على مدن وعواصم كبرى عرضَ فيها أَعماله تباعًا، ولاقت نجاحًا حيثما حلَّت: في آرلنغتون (2013 و2019 و2022) ، وواشنطن (2016-2018)، والبندقية (2022) وروما (2022)، وفلورنسا (2023)، ونيويورك (2024)، وباريس (2025).
تنوَّعَت مواضيعه بين الهوية والذاكرة والتحوُّل الثقافي، في تنفيذ خلَّاق يخرج من حيز اللوحة وإِطارها إلى تركيبات ومجسَّمات ترافقها العناصر البصرية أَضواء وأَشكالًا.
وهو، منذ مطلع مسيرته، ومن دراساته المتطوِّرة في علوم الكومبيوتر وهندساته، راح يُثبت وساعة المساحة في الفن الحديث لتستوعب أَعمالًا رقمية في الرسم أَطلع منها تصاويرَ بصريةً جديدة ومبتكرة.

وسْطَ كل ذلك، يبقى لبنان على هُدب ريشته. وهو مثَّل وطنه الأَول لبنان، ووطن الإِقامة أَميركا، لدى معارضه في أَميركا وأُوروبا وسواهما.
الانبعاث
لأَن وطنه لبنان ضالع في قلبه ووجدانه، وعلى هدب ريشته الوفية، يؤْمن بديمومة لبنان كيانًا ثابتًا مكرَّسًا لا تُعيق ديمومتَه غيومٌ مهما تلبَّد سوادها. لذا، حين أَعدَّ لمعرضه الحالي (غالري VEN - واشنطن العاصمة، من 14 أَيار/مايو الماضي إِلى30 حزيران /يونيو الحالي)، ركَّز إِيمانه بوطنه منذ العنوان: "10452 - الانبعاث"، موقنًا أَنَّ لبنان سينبعث من جديد بعد هذه الحروب المتتالية التي تنهشه منذ عقود، وسيعود إِلى كيانه الأَساس: 10452 كلم مربعًا.
سوى أَن هذا الرقم (10452) في معرضه ووجدانه، ليس رقمًا جامدًا لمساحة جغرافية بدون حياة. بل يتخطى الجمود لينبض بالحياة: إِنه رمزُ الديمومة، وتأْكيدُ أَن لبنان لا يقاس بمساحة أَرضه جغرافيًّا، بل بمثابرة شعبه القوي المناضل للحفاظ على ذاكرة وطنه وإِرثه الغني المتفرِّد عبر العصور. فالأَعمال الرامزة في المعرض إِلى الانبعاث، تسطع بين عمق التاريخ ومتانة الحاضر، بين الأسطورة والحقيقة، بين التجزئة والوحدة. وهو استلهم الفكرة من الحضارة الفينيقية القديمة، وما تلاها من وجوه وملامح اتصلت بالميثولوجيا الإِغريقية (قدموس، أوروب، إِليسا أَو ديدون)، فيَظهر لبنان في معرض وائل مساحة تأَلَّقت عليها الحضارات المتتالية وأَعلامها الخالدون.
من هنا تمتد رؤَاه في أَعماله منذ أَبجدية فينيقيا إِلى المدن التي اشتقَّها الفينيقيون، فكانت لها كياناتها وترسخَت هويتها عبر الزمان، تاركة في أَرض لبنان آثارًا ما زالت حتى اليوم شواهد على تلك العصور الخوالي عبر المتوسط وما وراءه.

الحياة اليومية
ولكي لا يُغرق جمهوره في التاريخ فقط، عاد من الماضي، ورسم بريشته الشفافة مشاهد من الحياة اليومية، منها اللقاءات والزيارات والعادات المنتشرة في بقاع الوطن، ومفهوم الهجرة، والجبال والمدن الساحلية والاحتفالات وآداب الضيافة وتناوُل القهوة والـمَتّة وحلقات الرقص، وما يختزن في ذاكرته من مشاهد الضيعة. ومع ملامح الخطوط تترجَّح أَلوانه بين لوحة وأُخرى، ولكنها تجتمع خالصة موحَّدةً إِلى الهوية الواحدة.
هكذا، في لوحاته، نقل إِلى الجمهور الأَميركي في لوحاته، ملامحَ الثقافة والتراث، بما فيهما من تنوُّع على أَرض لبنان، فلكل منطقة طابعها وعاداتها ولهجاتها وتقاليدها. لذا، تنوَّعت لوحاته بين التعبيرية والتجريدية والتصويرية، لتخلق في زوار معرضه نفَسًا ذا طابع لبناني في كل ما يشاهدون: مشاهد، مناظر، وُجوهًا، تتنوَّع فيها الدلالات وتبقى تجمعها الهوية الواحدة.
ينهض من رماده
في وسط قاعة المعرض رمزٌ لطائر الفينيق الكبير، رمز الانبعاث: يموت، ثم يُبْعث من رماده طائرًا جديدًا لعهد جديد. هكذا لا يتدمَّر بل يتعمَّر ويعيد مسراه ومساره ومسيرته، فيتجدَّد من داخله، من ذاته، من روحه، ويولد ولادة ثانية جديدة إِلى حياة جديدة، وهذا ما يحصل بين جيل وجيل. هكذا، في أَعمال وائل، تزول أَمبراطوريات وتولد سواها، تتعدَّل الحدود وتعود، لكن الهوية تبقى واحدة.
في ختام رؤْيته الفنية، يتساءَل وائل: ما الذي يَرمز في الوطن إِلى خلوده؟ ويجيب: الحفاظ على الأَرض والذاكرة والثقافة، وعبقرية شعبه في التجدُّد، ومواصلةُ وعيِهِ ذاتَه الفردية والجماعية، من عصر إِلى عصر ومن جيل إِلى جيل.
وهذه هي الروح العظيمة التي تُبْقي لبنان حيًّا ونابضًا في كل زمن، من أَول الزمان حتى اليوم وكل يوم.
نبض