إيمانويل مار: الأنظمة السلطوية تنتزع الطاعة بإيهام الناس أنها خيارهم (1/2)
بعد "الأشعّة والظلال" لكزافييه جيانولي، تواصل السينما الفرنسية البحث في دفاتر الحرب العالمية الثانية، والاحتلال النازي، وسِيَر المتعاونين معه. هذه المرة عبر "خلاصنا" لإيمانويل مار (مسابقة كانّ 79 - جائزة السيناريو)، الذي يبني نصّه السينمائي اللافت على المراسلات المتبادلة بين جدّه الأكبر وزوجته بوليت في مطلع أربعينات القرن الماضي؛ مراسلات تنضح بالحبّ، لكنها تكشف في الوقت نفسه ملامح حقبة مضطربة تتداخل فيها المشاعر الخاصة مع التحوّلات السياسية الكبرى. على امتداد ساعتين ونصف الساعة، يرسم الفيلم بورتريهاً دقيقاً لرجل يُدعى هنري (سوان آرلو)، يرتبط بنظام فيشي ويتسلل إلى دهاليزه وآلياته الإدارية من بوابة الوظيفة، مدفوعاً باقتناع راسخ بأن ما يقوم به يصبّ في مصلحة فرنسا وإنقاذها. وهو يتسلّح، في كلّ منعطف، ببراغماتية وحنكة عملية تتيحان له تبرير خياراته. غير أن هذه الاقتناعات لا تحول دون انحداره التدريجي نحو التعاون مع المحتلّ، حتى وإن ظلّ أحياناً متموضعاً على ذلك الخط الفاصل بين التواطؤ والامتناع، وبين المشاركة والتبرؤ منها.
المخرج إيمانويل مار، ابن حفيد هذا الرجل، يمتنع عن الإدانة المباشرة، على الرغم من مواقفه التقدّمية المعلنة، مفضّلاً مساءلة التعقيد الإنساني. في الآتي، مقابلة ”النهار“ في جزئين، مع إيمانويل مار خلال مشاركته في مهرجان كانّ 79.
* كيف وُلد "خلاصنا" المستوحى من سيرة جدّك الأكبر؟
- لفترة طويلة، لم تكن هذه القصّة العائلية من المحظورات. في دارنا، كانت هناك دائماً نسخة من كتابه "خلاصنا" على أحد الرفوف. ثم، قبل نحو عشر سنوات، أرتني إحدى عمّاتي صندوقاً يحتوي على كامل مراسلاته: ما يقارب ثلاثمئة رسالة. عندما اطّلعت على هذه الوثائق، شعرتُ بأنني أغوص في تفاصيل الحياة اليومية أثناء الحرب العالمية الثانية، وذلك من خلال نظرة تحدث قطيعة مع السرديات التاريخية الكبرى. هذا القُرب ممّا هو يومي وعادي، بدا لي منذ اللحظة الأولى مادة سينمائية. شكّلت هذه الرسائل مصدر إلهام أساسياً للفيلم، رغم أنه يبقى اقتباساً حراً عنها. لقد حافظتُ على المسار العام للشخصية، لكن بعض العناصر هي من نسج الخيال، إذ أنني وددتُ بناء حركة سردية ذات طابع سينمائي خالص. اللافت أن اسم عائلة الشخصية، مار، لا يُذكَر سوى مرة واحدة في البداية. الفيلم يوضّح بصراحة مصدر حكايته، ثم يبدأ شيء ما بالتحرك، فتتحوّل الشخصية ببساطة إلى السيد هنري. كان هناك عشرات الآلاف من "السيد هنري". لكلّ واحد منهم، بطبيعة الحال، قصّته الخاصة، لكنهم جميعاً مرّوا بتجربة متشابهة. أتيح لي أن أفتح الفيلم على أفق أوسع، داعياً المُشاهد إلى تجاوز قضية المسؤولية الفردية، للتفكير في العلاقة بين نظام سياسي قائم من جهة، والحياة الحميمة لأولئك الذين يعملون في خدمتها من جهة أخرى.

* هل يمكن القول ان الفيلم هو مساءلة للنحو الذي أسّست فيه فرنسا ذاكرتها عن تلك الحقبة؟
- تلك الذاكرة لم تتشكّل فقط من خلال الأحداث التاريخية الكبرى، ولكن أيضاً من خلال تفاصيل الحياة اليومية، والروايات العائلية، والطريقة التي يتصوّر بها كلّ فرد ما حدث. لقد اشتغلت فرنسا طويلاً على تلك الذاكرة عبر سرديات وطنية مختلفة، وأحياناً متناقضة في جوهرها. ما يهمّني تحديداً هو الكيفية التي تواصل فيها هذه السرديات في التأثير على الوعي وعلى الزاوية التي ننظر منها اليوم إلى تلك الحقبة. والمهم بالنسبة لي هو أن الفيلم لا يختزل نفسه في مسألة التعاون مع الاحتلال. هذا ليس فيلماً عن "المتعاونين"، وإنما عمّا قام به نظام فيشي من مبادرات خاصة، من دون أن يكون دائماً مجبراً عليها من قبل الاحتلال. كما أن ذاكرة تلك الفترة لا يمكن اختزالها في ثنائية مبسّطة، بين الأبطال من جهة والخونة من جهة أخرى. غالباً ما يُستخدَم اللون الرمادي للتعبير عن المناطق الوسطى، لكنني أرى أن هذه الاستعارة غير كافية. فالتاريخ أكثر تعقيداً. هناك الأسود والأحمر والأزرق، ومجموعة لا تنتهي من التدرجات. كان هناك مقاومون بالطبع، وكان هناك متعاونون عن قناعة. لكن بين هذين القطبين توجد لا نهائية من الحالات. هناك مَن أخفى شخصاً لليلة واحدة، ومَن أطعم هارباً، ومَن لزم الصمت، ومَن تأقلم مع الظروف، ومَن ساعد بشكل عابر من دون أن ينضم إلى أي تنظيم. الالتزام يتّخذ أشكالاً متعدّدة، وكذلك أشكال التواطؤ. يسعى الفيلم إلى الخروج من النظرة البطولية للتاريخ، محاولاً النظر إلى الأفراد بكلّ تعقيداتهم.
* الفيلم يطرح أيضاً مسألة الطاعة لنظام ما، وهو أساسي في النصّ…
- عنوان الفيلم، "خلاصنا"، يحيل أولاً على كتاب ألّفه جدّي الأكبر مباشرةً بعد الهزيمة. يمكن اعتبار هذا الكتاب محاولة منه للبحث عن خلاصه الشخصي. فهو جاء من القطاع الخاص، حيث عمل مستشاراً لدى شركات، وطبّق ما سيُعرف لاحقاً بأساليب الإدارة الحديثة. كان مقتنعاً بأن الوطن قد أخفق لأنه لم يكن لديه قدر كاف من الفعالية والكفاءة. هذا الهوس بالكفاءة عنصر أساسي في فهم رؤيته. مذّذاك اقتصر مشروعه على نقل أساليب مستمدّة من عقلية الشركات إلى جهاز الدولة. واللافت أن هذا النظام كان يثمّن المبادرات الفردية. فعلى بعض المستويات، بدا حديثاً للغاية، إذ كان يشجّع الناس على تقديم الاقتراحات والأفكار. وهذا بالتحديد ما أثار اهتمامي: الكيفية التي ينجح بها نظام سلطوي في انتزاع الطاعة، ليس من خلال الإكراه وحده، بل عبر منح الأفراد الانطباع بأن أفعالهم نابعة من إرادتهم الخاصة.
* هل تتفهّم هذه الشخصية؟
- ليس تماماً. لم يكن هدف الفيلم أصلاً التوصّل إلى فهم كامل ونهائي للسيد هنري. وأقصى ما أتمنّاه هو أن يخرج المُشاهد من العرض حاملاً الشعور الذي انتابني عندما اكتشفتُ ذلك الأرشيف. لقد أستثمرتُ مع أخي وقتاً طويلاً في العمل على وثائق تعود إلى تلك الحقبة. وفي أحد الأيام، علمنا بوجود ملف مخصص لجدّنا الأكبر ضمن أرشيف مفوضية مكافحة البطالة. كان ملفّاً ذا حجم متواضع نسبياً، لا يتجاوز بضع عشرات من الصفحات، لكنه كان آسراً للغاية. كلّ مستند فيه بدا كأنه صادر عن جهة مختلفة. بعض الأوراق لم يكن مؤرخاً، ممّا جعل من الصعب إعادة بناء تسلسلها الزمني. عندما عاينته، لم أشعر بأنني أعثر على حقيقة نهائية عن هذا الرجل. كان إحساسي أقرب إلى الدخول في مساحة تبعث على التفكير؛ مادة ناقصة ومجتزأة تفرض عليك أن تتأمّل وتطرح تساؤلات. إذا استطاع الفيلم أن يمنح المشاهدين التجربة نفسها، أي تجربة فتح ملف والوقوف حيال عناصر تثير التساؤلات، فسيكون ذلك أمراً رائعاً.

* ألهذا السبب اعتمدتَ أسلوباً قريباً من الفيلم الوثائقي؟
- انطلقنا من فكرة بسيطة جداً: تقديم شخصيات لا تعرف نهاية القصّة. نحن، كمشاهدين من القرن الحادي والعشرين، نعرف ما الذي سيحدث لاحقاً. أما هم فلا. إنهم يتقدّمون وسط حالة من اللايقين، تماماً كما نمضي نحن في حياتنا من دون أن نعرف إلى أين ستقودنا الأحداث. لذلك كان لا بد من إيجاد طريقة تصوير تحافظ على هذا الجهل بالمصير. كان من الضروري أن يتمكّن الممثّلون غير المحترفين من عيش المواقف في لحظتها، من دون أن يعرفوا متى ستنتهي أو ما الذي سيحدث بعدها. كما أن هذا التوجّه فرض أسلوباً تقنياً خاصاً. فمن أجل الوصول إلى هذه الحالة من التلقائية والانفتاح، لم يكن في إمكاني فرض إطار تصوير ثقيل أو شديد التقييد، فوجب ابقاء اللقطات مفتوحة على ما هو غير متوقّع. وبما أنني لم أكن أعرف مسبقاً إلى أين سيقودني الممثّلون بأدائهم وحركتهم، كان لا بد من اعتماد معدات تصوير خفيفة، من دون إضاءة اصطناعية، قادرة على مرافقة حركة الحياة بدلاً من التحكّم بها.
* هل أسلوب الوثائقي هذا فرضته قيود الإنتاج؟
- كانت هناك اعتبارات عملية وملموسة جداً. فإذا اتجهت الشخصيات نحو مكان غير متوقّع، أو ظهر ما يثير الاهتمام في موقع مختلف عمّا كنّا تخيلناه، كان لا بد من امتلاك القدرة على التقاط ذلك فوراً. هذه الحرية كانت استجابة لضرورة اقتصادية. فهذا أعلى الأفلام تكلفةً أنجزته إلى اليوم. لكن بالنسبة إلى فيلم تاريخي يمتد على أربع سنوات ويضم ما يقارب ستين شخصية ثانوية، أدركنا انه من الضروري ابتكار طريقة عمل تظلّ قابلة للتحمّل على المستوى الإنتاجي. وهذا ما ساهم في تشكيل جمالية قريبة من الفيلم الوثائقي. لم نُعِد بناء الديكورات والمواقع، وإنما ذهبنا للتصوير في الأماكن التي وقعت فيها الأحداث. وبعد ذلك، أضفنا، فريق العمل وأنا، بعض العناصر المحدودة فقط لخدمة السرد. لم نسعَ إلى إخفاء آثار الحاضر بشكل كامل، فتبقّى أحياناً بعض التفاصيل المعاصرة أو العناصر التي تذكّر بأننا نصوّر في هذا الزمن. لم نرَ في ذلك أي تناقض مع مشروع الفيلم، بل على العكس، كانت المواقع الحقيقية غنية إلى درجة أنها تحوّلت في ذاتها إلى مصدر إلهام. اكتفينا بإضافة ما يكفي فقط لتحويلها فضاءات قابلة للأداء والتمثيل. من خلال العودة إلى الأماكن التي شهدت الأحداث، حصلنا على عدد كبير من الأفكار السينمائية التي ما كانت لتخطر لنا ببال لولاها.
* ولكن، كيف يمكن العثور على المسافة المناسبة عند تصوير حكاية شخصية إلى هذا الحد؟
- أولاً، ينبغي الابتعاد وإعادة التموضع. علمنا منذ البداية أن الأمر لا يتعلّق بإعادة بناء نهائية ودقيقة للواقع كما كان. لذلك، أتقبّل تماماً احتمال وجود أخطاء تاريخية. فهذا أمر مهم بالنسبة لي. ذلك انه عندما نتعامل مع قصّة قديمة إلى هذا الحد، مبنية على مواد مجتزأة، لا بد من بعض الغموض. لم تكن المسألة أن ندّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، بل أن نظلّ أوفياء لتجربة إنسانية عاشها أشخاص حقيقيون. هذه المسافة تبلورت أيضاً من خلال العمل الذي أنجزته مع الممثّل سوان آرلو الذي يلعب دور هنري، محاولاً التحرر من قراءة محض أخلاقية للأحداث. ليس بهدف تجاهل فكرة المسؤولية، وإنما من أجل النظر بالمزيد من الدقّة إلى الآليات التي كانت تعمل في الخلفية. ما كان يهمني لم يكن توزيع صفات الخير والشر على شخصيات نعرف مسبقاً مصيرها التاريخي. وددتُ أن أفهم كيف يجد أشخاص عاديون أنفسهم داخل منظومة معينة، وكيف يتأقلمون معها، وكيف يشاركون فيها من دون أن يدركوا ما الذي يحدث فعلاً من حولهم. الفيلم يتموضع داخل هذا التعقيد.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
إليكم أبرز الأخبار والتحليلات لليوم الأربعاء 10 حزيران/ يونيو 2026
نبض