إنها قصة تعارض ثقافي
عندما تستضيف الولايات المتحدة كأس العالم 2026، لن يكون الحدث عودة للبطولة إلى أميركا الشمالية، وإنما مناسبة لإعادة طرح سؤال ثقافي قديم: هل تستطيع كرة القدم أن تحتلّ في الولايات المتحدة المكانة التي تحتلّها في البرازيل وجاراتها؟
لطالما قيل إنّ أميركا الجنوبية تُعامل كرة القدم معاملة المؤمن لدينه، فيما يبقى الأميركيون أقلّ ارتباطاً بها. غير أنّ هذه الصورة أصبحت أقلّ دقة اليوم؛ فالولايات المتحدة تمتلك ملاعب ممتلئة، وجماهير متزايدة، ودوريات احترافية متنامية، وأجيالاً شابة تتابع اللعبة بصورة طبيعية. أما البرازيل فما زالت تمثل إحدى أكثر ثقافات كرة القدم كثافة عاطفية في العالم.
التباين الحقيقي، إذاً، بين معنيين مختلفين لكرة القدم، إذا ما نظرنا إلى الأمر من مجهر يرى أبعد من ثنائية الشغف واللامبالاة.
جزء من الهوية الوطنية
في البرازيل، تجاوزت كرة القدم حدود الرياضة لتصبح جزءاً من الهوية الوطنية. وقد ساهم عالم الاجتماع البرازيلي جيلبرتو فريري في ترسيخ فكرة أنّ أسلوب اللعب البرازيلي يعكس التاريخ الثقافي المختلط للبلاد، بما يحمله من إبداع وارتجال وانسيابية، وهي الصفات التي ارتبطت لاحقاً بمفهوم أنّ كرة القدم فنّ قائم بذاته.
من هنا، لم تعد كرة القدم لعبة مثل سواها، وإنما باتت واحدة من الأنماط التي تتخيّل بها البرازيل مكانتها وهويتها؛ إذ إنّ الانتماء إلى الأندية يُورَّث داخل العائلات، والانتصارات مناسبات وطنية، فيما الهزائم جروح جماعية. ولا تزال خسارة البرازيل أمام الأوروغواي في نهائي كأس العالم 1950، المعروفة بمأساة "ماراكانازو"، حاضرة في الذاكرة الثقافية البرازيلية حتى اليوم.
لماذا تأخر الـ"سوكر"؟
أما الولايات المتحدة فسلكت مساراً مختلفاً. أميركياً، لم تكن المشكلة يوماً في غياب الثقافة الرياضية، بل في وجود ثقافات رياضية قوية سبقت كرة القدم إلى الواجهة. البيسبول مثلاً، وكذلك كرة القدم الأميركية وكرة السلة والرياضات الجامعية، احتلّت مواقع مركزية في الذاكرة الجماعية والانتماء الوطني. وعندما حاولت كرة القدم أن تجد مكاناً لها، دخلت إلى مشهد مزدحم أصلاً.
لذلك لم يكن عليها أن تخلق ثقافة رياضية جديدة، وإنما أن تنافس ثقافات راسخة؛ وما استخدام كلمة "سوكر" بدلاً من "فوتبول" سوى تأكيد على هذا التاريخ المختلف، إذ احتفظ الأميركيون بالمصطلح لأنّ كلمة "فوتبول" كانت مرتبطة بالفعل برياضة أخرى أكثر حضوراً.
كذلك، يظهر الاختلاف في الطريقة التي تطورت بها اللعبة. فالميثولوجيا الكروية البرازيلية - إذا جاز التعبير - خرجت من الشوارع والشواطئ والأحياء الشعبية، حيث أصبحت صورة الأطفال الذين يلعبون حفاة جزءاً من المخيلة الوطنية. أما في الولايات المتحدة، فقد نما الـ"سوكر" عبر المدارس والجامعات والأكاديميات الرياضية والبرامج المنظمة. تعكس البرازيل ثقافة الارتجال، بينما تعكس أميركا ثقافة التنظيم؛ ولا يمكن اعتبار أحد النموذجين أفضل من الآخر، لأنّ كليهما يعبّر عن المجتمع الذي أنتجه.
من مونديال 1994 إلى ميسي
لا يمكن فهم بطولة 2026 من دون العودة إلى كأس العالم 1994. فقد استقبل كثيرون قرار منح الولايات المتحدة حق الاستضافة بشكوك واسعة، لكن البطولة حققت حضوراً جماهيرياً قياسياً تجاوز 3,4 ملايين متفرج، وأسهمت في تأسيس الدوري الأميركي للمحترفين، فاتحة الباب أمام تحول طويل الأمد في علاقة الأميركيين باللعبة.
بعد ثلاثة عقود، لم تعد كرة القدم هامشية كما كانت؛ الدوري الأميركي توسّع، ونسب المشاهدة ارتفعت، وساهم وصول ليونيل ميسي إلى إنتر ميامي في تسريع هذا التحول ومنح اللعبة حضوراً أكبر داخل الثقافة الشعبية الأميركية. كما جعلت منصات البث الرقمي متابعة البطولات الأوروبية جزءاً من الحياة اليومية لجيل جديد من المشجعين.
الرهان الثقافي لمونديال 2026
لكن ربما يكمن الجانب الأكثر إثارة في مونديال 2026 خارج المستطيل الأخضر. فالبطولة يستضيفها بلد أتقن تحويل الرياضة إلى صناعة اقتصادية ضخمة. ومن المتوقّع أن تحقّق نسخة 2026 أرقاماً قياسية في الرعايات وحقوق البث وبرامج الضيافة، بينما تتزايد الانتقادات المرتبطة بارتفاع الأسعار وصعوبة وصول الجماهير العادية إلى الأحداث الكبرى.
هنا يظهر التوتر الثقافي الأبرز: بين كرة القدم بوصفها ذاكرة وانتماءً متوارثاً عبر الأجيال، وبين كرة القدم باعتبارها منتجاً عالمياً داخل اقتصاد الترفيه الحديث.
لهذا قد لا يكون السؤال الأهم في مونديال 2026 عن هوية البطل، وإنّما عمّا تعنيه كرة القدم في مجتمعات مختلفة. النموذج البرازيلي كشف لنا ما يحدث عندما تصبح اللعبة جزءاً من الحمض النووي العاطفي لأمّة كاملة، بينما ترسم الولايات المتحدة ملامح نسختها من اللعبة وقد دخلت الأخيرة قلب الاقتصاد الإعلامي العالمي.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
شارك الثنائي لحظات من فرحتهما...
نبض