الرواية في المغرب تواصل في الامتداد وتعدُّد الأجيال

ثقافة 04-06-2026 | 09:51

الرواية في المغرب تواصل في الامتداد وتعدُّد الأجيال

الأدب الصحيح هو الأدب المقلق، إذ يذهب في خطِّ نهجٍ وأفقٍ خلّاقٍ مغامرٍ بوعي.
الرواية في المغرب تواصل في الامتداد وتعدُّد الأجيال
جانب من معرض الرباط الدولي للكتاب 2026. (فايسبوك)
Smaller Bigger

فنّ الرواية حديثُ النشأة في أدب المغرب الأقصى، شأنُه شأنُ بلدانٍ عربيةٍ أخرى، مع تفاوتٍ معلومٍ أعطى قصبَ السبق لمصرَ وبلادِ الشام، حيث كُتبت النماذج الأولى ووُزّعت للقراءة والتأثير. مضى بعض الوقت لتتعرّف البيئات الأدبية العربية الباقية - المغرب أحدُها - على هذا النوع الحكائي الوافد جديدًا من الغرب الأوروبي ضمن موجات تحديثٍ فكريةٍ وتقنيةٍ ومدنيةٍ شاملة. وإذا كانت الرواية المغاربية بالفرنسية قد خرجت مباشرةً من رحم أمّها الأصل، فالعربية مرّت بولادةٍ مزدوجة، قيصرية، متأثرةٍ بالمشرقية المقلَّدة، ما جعلها تتعثّر في البدايات قبل أن تصبَّ مادتها في القالب المطلوب، بدءًا من نهاية أربعينيات القرن الماضي، وامتدادًا إلى حاضرنا.

ليس غرضي هنا التأريخ لمسار ولادة وتطوّر جنس الرواية في أدب المغاربة، فما يوجد في مظانّ موسّعة، ولا تقديم وصفٍ طوليٍّ لتمثيلٍ شموليٍّ لها غرضُه رسمُ خطوط سيرها، ومدارات اهتمامها، وتشكّلاتها الفنية والأسلوبية الأبرز، ليُظهر منجزَها وقيمتَها وبمَ تتميّز بين قريناتها، بل الوقوفُ عند علاقتها ببعضها بوصفها حلقاتٍ في سلسلةٍ أضحت اليوم طويلةً نسبيًا وتستدعي وقفةً تختلف عن القراءة الأكاديمية والتأريخية، لا سيما وقد استمرّت زمنيًّا، وتوالت سرودًا، وألفت حصيلةً كتابيةً مؤسسةً ومتنوعةً ضمّت تجاربَ ورؤى ونماذجَ تجنيسٍ شتّى.

 

“حكم علينا الهوى“ لربيعة ريحان. (دار العين للنشر)
“حكم علينا الهوى“ لربيعة ريحان. (دار العين للنشر)

 

وبما أنه ثبت، بحكم التراكم والإقبال المتكاثر على الرواية كتابةً وقراءةً، أنها أصبحت الغصن الأصلب والأينع في شجرة الأدب، لدرجة الإفراط وأحيانًا الإسفاف لأسبابٍ لا مجال لشرحها هنا، كذلك تأتّى أن تتناولها أقلامُ المغاربة الذين دأبوا في البداية على تعلّم ومِران القصة القصيرة بجانب الشعر. فمنذ تأسيس الأدب الحديث في الأربعينيات، وإلى حدود الثمانينيات، شرعت الرواية تزاحم تدريجيًّا هذين القولين، ثم لتحيلهما إلى هامش الإنتاج الأدبي تأليفًا واستهلاكًا، والشعريَّ خاصةً الذي لم يعد يجد من ينشره ويقتنيه، وقلَّ جمهورُه إلى حدٍّ مقلق.

على امتداد ثلاثة عقودٍ من النشأة إلى العقد المذكور، لم تتجاوز النصوص المنشورة بالعربية عشرين نصًّا مرموقًا، عُدَّ أولُها تجوّزًا "الزاوية" (1948) للتهامي الوزاني، وثانيها "في الطفولة" (1949)، وهي سيرةٌ ذاتية لعبد المجيد بن جلون تُعدّ من عيون ما كُتب في هذا النوع السردي في الأدب العربي، وثالثها "دفنّا الماضي" (1969) مؤسِّسًا حقيقيًّا، ورابعها "الغربة" لعبد الله العروي، و"الطيبون" لمبارك ربيع، بتزامنٍ تقريبًا، وذاتَي النفس السِّيرذاتي. إذ لم تكن المادة الروائية جاهزةً، محتوىً ومحكياتٍ ومعضلاتٍ، لا يكفي امتلاك أدواتها لأنها ليست شكلًا وحده. وكانت القصة القصيرة تسود قبلها في المساحة السردية، فنًّا أنسبَ تعبيرًا عن المرحلة وأفرادٍ يتأزّمون، ومعلّمُها الكبير محمد زفزاف (1945-2001)، الذي سيخطو بتؤدةٍ نحو القصّ الطويل ويتميّز ويبرع فيه، لينشر روايته الرائدة "المرأة والوردة" في مجلة "شعر" اللبنانية سنة 1970.

 

“الأنشوطة الباريسية“ لأحمد المديني. (المركز الثقافي للكتاب)
“الأنشوطة الباريسية“ لأحمد المديني. (المركز الثقافي للكتاب)

 

بعدها دخل المغرب مرحلة مخاضٍ سياسيٍّ اجتماعيٍّ مضطرب، اهتزّت فيه بقوةٍ ثوابتُ بدايات الاستقلال (بدءًا من 1956)، وتغيّرت فيه أطراف ومحاور الصراع عبر تضارب إيديولوجياتٍ ومصالح، لا تتكشّف معها أيُّ رؤيةٍ منسجمة، وتفتقر إلى بنيةٍ مستقرةٍ بمرجعيةٍ متماسكةٍ مطلوبةٍ أرضيةً للرواية، التي تحتاج إلى الاستقرار الضروري لإعادة تركيب ما فات ولصنع النموذج. طفقت منذئذٍ تنفصل عن الواقعية الاجتماعية بتيماتٍ وأنساقٍ محددة، وتنزع نحو روائيةٍ مصنوعةٍ من أساليبَ وطرائقَ وموادَّ ومحكياتٍ نقيضةٍ لما سبقها، هجينةٍ ومهجِّنةٍ للواقع، مغلِّبةٍ للمنظور الذاتي، مستبطنةٍ أكثرَ منها واصفةً، شاعريةِ اللغة ومجازيةِ الصورة. رؤيتُها ملتبسة، بنتُ واقعٍ ملتبسٍ لا يقينَ فيه يُعتمد، إلا حساسيةُ مؤلفه وتخييلُه، لتُرسي مذهب التجريب. ومن المهم الإشارة إلى أنه نهجٌ مندرجٌ في سياق تحوّلٍ اخترق الكتابة السردية العربية جمعاء، وُلد في ترابه جيلٌ مختلفٌ بثقافةٍ وحساسياتٍ وهزّاتٍ تفتّقت بالجديد المفارق شكلًا ومضمونًا، أسماؤه عديدةٌ أعفي نفسي من ذكرها، غدت رائدةً متفاعلةً مع خلفٍ مخضرمٍ يملأ رحب السرد.

 

“كوميديا“ ليوسف فاضل. (دار المتوسط)
“كوميديا“ ليوسف فاضل. (دار المتوسط)

 

من رواياتٍ تُعدّ على أصابع اليد، إلى عشراتٍ تتجاوز العدّ، بين المعلوم مما تصدره دور النشر، وغيره على نفقة المؤلف. من الرواية الواقعية النسقية، بوحداتها الكلاسيكية، إلى التجريبية المتسائلة، إلى استئنافٍ لسردٍ يلقّح الواقعية الاجتماعية النقدية بمخيّلةٍ خصبة، ويضع الرواية المغربية، بدءًا من نهاية التسعينيات وقد انفضّت المعارك من دون حلّ، ومخضت أحداثًا قابلةً لزمنٍ روائي، على سكة تخييلٍ موضوعي وذاتي في آن، مهرت فيه أقلامٌ بمواهبَ ووعيٍ وعُدّةٍ أدبيةٍ مجرّبة، استطاعت استيعاب رؤيةٍ مركبةٍ لواقعٍ ما انفك يتهجّن، وتنشطر فيه الأنوات بين خيباتٍ وأحلامٍ مجهضةٍ وآمالٍ كبار، وصوغه مُذوَتًا وتخييليًّا وشعريًّا لغويًّا.

 

“اشتباكات غابة الأرز“ لإسماعيل غزلي. (دار المتوسط)
“اشتباكات غابة الأرز“ لإسماعيل غزلي. (دار المتوسط)

 

من يقرأ المجال الأدبي المغربي ضمن العربي عامةً، وفي آخر مشهدٍ له أبرزَه المعرض الدولي للكتاب بالرباط (1 - 10 أيار/مايو 2026)، واجدٌ نفسه أمام فيضٍ من الإصدارات الروائية، أو باسمها إذا احتكمنا إلى الأغلفة، تزدحم عرضًا، وتتدافع الأقلام والمناكب لبهجة لقاءٍ عام بين توقيعٍ وتعارف. الشاعر والمفكر والمؤرخ والسياسي وعالم الاجتماع، ومن كل اختصاص، يحمل بيمينه روايته، وحدهم الروائيون فُرادى تقريبًا وسط هذا الاكتظاظ. وإذا برهن ذلك أن الرواية فنُّ الزمن المعاصر وتعبيرُه الأقوى، كما دوّن ذلك جابر عصفور في كتابه الشهير (1999)، وعلى انتعاش حقلٍ أدبي وتنوّع المنتجين فيه بين قارّين وعابرين، فإنه يطرح في الآن نفسه أكثرَ من سؤالٍ حول مفهوم الأدب عامة، وخصوصية الجنس الأدبي، وكيفيات تحوّله وشروطها، وطرائق وأساليب قرينةٍ به دون ما عداه، وكذا مدار شواغله ومراميه، إذا كنا نُعنى بالأدبية لا بالكلام المرسل، خواطرَ تفتقر إلى الحكي الضروري، إذ الرواية تروي، وليست تهويماتٍ ودفقاتِ بوحٍ كيفما اتفق باسم انفتاحٍ مزعومٍ للأجناس على بعضها، فلا تطاول مقامَ كتابةٍ قويةِ البنيان، مشدودةِ الأركان، محبوكةٍ بإتقان، وبلغةٍ وظيفيةٍ تسرد وتصف بميزان.

تواجه الرواية المغربية والعربية كلُّها اليوم، وهي في طور الخصوبة، هذه الأسئلة وسواها كثير. ولنا أن نتفاءل بتعدّد الأجيال والتجارب لتُغنيَها أجودَ وأرحب. وعندي أن الأدب الصحيح هو الأدب المقلق، إذ يذهب في خطِّ نهجٍ وأفقٍ خلّاقٍ مغامرٍ بوعي.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
لبنان 6/2/2026 9:09:00 PM
بين طريق الخطر وطريق العلم والمعرفة، أثارت الحادثة موجة واسعة من الجدل، ترافقت مع انتقادات طالت وزارة التربية والتعليم العالي، حيث وجّه كثر أصابع الاتهام إلى وزيرة التربية ريما كرامي على خلفية الإصرار على إجراء الامتحانات حضورياً.
لبنان 6/3/2026 7:11:00 AM
يسلط التدقيق الضوء على شركة الطيران الوطنية التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والتي حافظت على استمرار حركة الطيران في لبنان خلال الحرب والانهيار المالي.