كانّ 79 - "الاحتجاز": فيلم عن السجن بلا سجناء

ثقافة 01-06-2026 | 14:39

كانّ 79 - "الاحتجاز": فيلم عن السجن بلا سجناء

عُرض الفيلم ضمن قسم "أسيد" في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كانّ السينمائي.
كانّ 79 - "الاحتجاز": فيلم عن السجن بلا سجناء
”الاحتجاز“ المعروض في ”أسيد“، كانّ 79.
Smaller Bigger

تبلغ السينما الوثائقية أقصى جمالها حين تُضيّق بؤرة النظر: تُحاصر الشيء، تُفتّت تفاصيله، وتُحسن الإصغاء إليه من الجهات كافة. هناك، في هذا التركيز، تقترب من حقيقة مفترضة، حقيقة قد تومض أحياناً، خارج كلّ محاولات الرصد المنهجي.

تأتي هذه الخاطرة على وقع مشاهدة "الاحتجاز" للفرنسي غيوم ماسار، ثاني أفلامه الوثائقية الطويلة، المعروض ضمن قسم "أسيد" في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كانّ السينمائي. فيلم "وايزماني" (نسبةً إلى فردريك وايزمان)، يحمل فضيلة الإبطاء عند التفصيل، مع فضول معرفي لا ينضب، ونفور واضح من الاستعجال واستسهال الخلاصات. كان وايزمان يقول: "لو كنتُ أعلم كلّ شيء عن الموضوع الذي أصوّره، ما كان عندي حاجة إلى تصويره"، وهذا تحديداً ما يوحي به ماسار.

لعلّ الجملة التي يطلقها أحد المدرّبين "انسوا الأفلام، السجناء هنا لا يلبسون اللون البرتقالي"، تأتي كتعهّد: ما سنراه ليس إعادة إنتاج لكليشيهات مألوفة، بل مقاربة علمية، لعالم الاعتقال والسجن والحراسة.

هذا فيلمٌ عن السجن من دون سجناء. هناك وفرة من الأفلام التي ترينا واقع المحتجزين خلف القضبان، لكن السينما قلّما التفتت إلى عالم الحراس والاختبارات الدقيقة التي يمرّون بها. نحن هنا في إزاء نظرة معكوسة: السجن من وجهة نظر مَن يتولّى تنظيمه لصون كرامة السجناء مع ما لديهم من حقوق وواجبات.

في غياب السجناء، رجال ونساء الظلّ هؤلاء، يتقدّمون إلى الواجهة باعتبارهم أبطالاً في مجالهم. لا لأن الفيلم يسعى إلى تمجيدهم، وإنما لأنه يرمّم، صورةً طاولها النقص في أفلام السجون، من دون أن يكون ذلك غايته الأولى.

 

غيوم ماسار.
غيوم ماسار.

 

في مجتمعات متقدّمة، يخضع السجّان لتدريبات صارمة، تبدو لوهلة بسيطة: متى يفتح الباب، كيف يُنادي السجين، بأي اسلوب يتعامل مع طيف واسع من الأزمات المحتملة، وصولاً إلى أدق تفاصيل كتابة التقارير. غير أن هذه البساطة خادعة، فهي تُبنَى درساً بعد درس، إلى أن يتلاشى الشكّ عن الوجوه. خلف هذه الوجوه أناس سيفهمون ان حراسة العدالة ليست سلطة بديلة. ولعل المفارقة الأشدّ أنهم لن يحملوا سلاحاً، فسلاحهم الوحيد تواصلٌ ينبغي ألاّ ينقطع بين مَن هم خلف الأبواب المغلقة ومَن هم أمامها.
التدريبات التي تخضع لها، من الألف إلى الياء، مجموعة طلاب الدفعة 218 في المدرسة الوطنية للإدارة السجنية، هي صلب هذا الفيلم. يلاحقها المخرج طولاً وعرضاً (بعدما واكب بنفسه هذه الدروس التأهيلية)، متحلّقاً حول أولئك الذين سيغدون حلقة الوصل بين الجريمة والعدالة، ويقفون في منطقة متداخلة بين صون حقوق السجين وصون الحق العام.
لا يظهر في الفيلم سوى سجين واحد، لكن حضوره يتكاثر في المخيّلة: يُستدعى على الدوام عبر اللغة. ومن هذا الغياب/الحضور ينسج الفيلم علاقة تتجاوز القالب التقليدي بين طرفٍ أُكره على السجن وآخر اختار أن يعمل فيه. أحدهما يظلّ قابعاً حتى انقضاء محكوميته، والآخر يغادر المكان مع نهاية دوامه. ومع ذلك، لا يعود السجين مجرد "موضوع" للحراسة، بل يغدو- في منطق العمل اليومي- شريكاً في مهنة قوامها التوازن الدقيق بين الانضباط والإنصات.

الطلاب الذين يتابعون هذه الدروس يكتشفون، بالتوازي مع المُشاهد، ما ستنحصر فيه وظيفتهم. كاميرا المخرج تتقدّم وتزاحم، من دون أن تنحاز: لا هي في معسكر الملقّنين ولا في صفّ المتلقّين. هناك بُعد مسرحي يلفّ الفيلم. ندخل عالماً موازياً نعرف بوجوده ونجهل تفاصيله الدقيقة.

لا يخفي القائمون على التدريب ما ينتظر الحراس: مآسٍ محتملة، ومناطق رخوة قد يتسرّب إليها الفساد ويغريهم، وتجارب قاسية قد تُوقعهم في شراكها. الاحتكاك اليومي بالشر لا يسمح بنجاة كاملة. ومع ذلك، نكتشف أن هذا العالم الصارم—حيث لا مجال للخطأ—يحتفظ بهامش غير ضئيل من القرارات الشخصية، تشكّلها رؤية السجّان وضميره.

في النهاية، السجن، في مجتمع يراعي حدّاً أدنى من الحقوق المدنية، ليس آلة للعقاب بقدر ما هو ورشة لإعادة بناء الإنسان. تكفي التعليمات التي يتلقّاها الحراس لحماية السجين من نفسه—أي أن يمنعه من الانتحار—كي يتبدّى هذا المنحى. حتى أن بعضهم يستعيد تجارب مع سجناء أنهوا حياتهم. "ستّة وعشرون سجيناً انتحروا في زمني… الرائحة لا تزال في أنفي"، يقول أحد الحراس. فماذا لو كان سجن الحارس، في المحصّلة، أكبر حجماً؟

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
كتاب النهار 5/31/2026 8:43:00 AM
ثمة انقشاع للرؤية بعد ما حصل في الأشهر الأخيرة وهناك دروس ستؤخذ في الاعتبار، وهناك ركيزة أساسية سواء تقدم لبنان في المفاوضات أو لم يتقدم
لبنان 5/31/2026 2:25:00 PM
هل موقف بري الحازم والحاسم أتى لتوفير مظلة حماية للحكومة الحالية، أو لضمان حماية الحزب من نفسه ومن جموحه؟
فن ومشاهير 5/31/2026 9:12:00 AM
التزم رمضان الصمت ولم يُدلِ بأي تعليق يشرح خلفيات الخطوة أو البدائل المحتملة.