كانّ 79 - "يوميات خادمة": بيت فرنسي عين رومانية
لا يكفّ رادو جوده عن التصوير. كمدخًّن شره، يشعل سيجارة جديدة بأخرى. أعماله تُنجَز بالوتيرة نفسها. إن لم تصادف له فيلماً في برلين، فستجده في كانّ، وإن غاب عن كانّ ظهر في لوكارنو. هكذا اعتاد هذا السينمائي الروماني أن يفرض حضوره، حتى بات يختصر فكرة كاملة عن تلك السينما التي كان المخرج العراقي سعد سلمان يصفها بـ"المحمولة على الظهر"، أي السينما المتحرّرة من أثقال الإنتاج التقليدي، وإن كان صحيحاً أيضاً أن جوده تجاوز اليوم، إلى حدّ بعيد، حدود الموازنات الضئيلة التي أنجز ضمنها بعض أعماله.
شيء آخر يميّز جوده: وعيه برومانيته، وتعاطيه معها كهوية مكتملة لا كعبء ينبغي التخفّف منه. لا يتنكّر لأصوله، ولا يسعى إلى تقمّص هيئة مخرج فرنسي أو أميركي. في هذا، يشبه شخصياته التي تتحدّث لغات أجنبية بلكنة رومانية كثيفة، على نحو يعزز الشعور بأن أثر المكان يلاحقها. نحن أمام سينمائي يمتلك الكثير ليقوله، ولا يجلس منتظراً الإلهام تحت شجرة. يندفع وراء الفكرة، يصيب أحياناً ويخفق أحياناً، لكنه لا يتوقّف عن المحاولة.
يشكّل فيلمه الأحدث، "يوميات خادمة" (عُرض في قسم "اسبوعا صنّاع السينما" في مهرجان كانّ الأخير)، تنويعة على رواية أوكتاف ميربو الشهيرة التي أغرت السينما مراراً باقتباسها، وأشهر نسخة هي نسخة لويس بونويل، مع جانّ مورو في دور الخادمة. يوم صدرت الرواية، كانت عملاً طليعياً: جريئة، مستفزّة، ومشحونة بذلك الفضول الذي يدفع القارئ إلى التلصص على العالم السري للطبقات المرفّهة من خلال اعترافات خادمة ترى كلّ شيء وتكتم القليل. كان ميربو يمرّر أفكاره كما يُدَسّ السمّ في العسل، يكتب عن البورجوازية ونفاقها، وعن علاقات القوة الملتبسة بين السيد والخادم، بين المسيطر والخاضع لسلطته، من دون أن يتخلّى عن خفّة السرد. هذه العناصر كلّها حاضرة لدى رادو جوده، غير أن المخرج يدرك أيضاً أن ما كان صادماً قبل قرن لم يعد يمتلك الأثر نفسه اليوم. فالعالم تغيّر، وكذلك شروط العمل والعلاقات الاجتماعية، ممّا يجعل إعادة إنتاج الصدمة القديمة أمراً مستحيلاً. لذلك، لا يتعامل مع النصّ كإرث ينبغي تحنيطه، وإنما كمادة حيّة قابلة لإعادة العزف: لحنٌ قديم يُستخرج منه إيقاع جديد يناسب قلق الحاضر وأسئلته.

تبدأ الأحداث في أيلول وتمتد حتى الأيام الأخيرة من العام، فيما تتوالى التواريخ على الشاشة يوماً بعد يوم، في نمط سردي يقودنا نحو استحقاق غامض. بطلة ميربو تتحوّل، أمام كاميرا جوده، إلى عاملة منزل رومانية (أنا دوميتراتسكو) تعمل لدى عائلة فرنسية ميسورة من بوردو. وليس اختيار هذه المدينة تفصيلاً عابراً. فبوردو، بمسرحها الكبير وأرصفتها الحجرية وأناقتها المنسحبة، تبدو كمدينة تستعيد حقّها المتأخّر في الظهور السينمائي، بعد عقود احتكرت فيها باريس وليون صور فرنسا على الشاشة.
في قلب الحكاية زوجان مرفهان (ميلاني تييري وفنسان ماكان) وابنهما الصغير، تدور بينهم وبين الخادمة شبكة العلاقات الأساسية التي يبني عليها الفيلم مشاهده. ثم تدخل إلى السرد، في الثلث الأخير، والدة الزوج (ماري ريفيير)، بعد تعرّضها لحادث، لتضيف طبقة أخرى من الأسئلة.
رغم أن الفيلم لا يتجاوز التسعين دقيقة، فإنه يمرّ بخفّة رائعة، حتى ليبدو أقصر ممّا هو عليه. يعود ذلك إلى الإيقاع المشدود الذي يعتمده جوده، وإلى طريقته في بناء مشاهد سريعة ومكثّفة، محكمة الإيقاع على نحو غير مألوف في بعض من أعماله السابقة. فالمخرج الروماني، الذي ينجز هنا أول أفلامه خارج بلاده، يصوّر فرنسا بكاميرا مَن يعرف تفاصيلها الحميمة، كأنه أمضى عمره كله في شوارعها الخلفية.
المهم أن هذه الخادمة، سيليستين، شخصية آسرة منذ ظهورها الأول: ظريفة، جميلة، وذكية. تدخل القلب بلا استئذان، وتمتلك القدرة على الإقناع من خلال الحكايات التي تسردها. ليس الطفل وحده مَن ينجذب اليها، بل الأب أيضاً، كلٌّ بطريقته الخاصة، وضمن الحدود المسموح له بها. حضورها لا يقوم على الإغواء المباشر بقدر ما ينبع من خفّتها، ومن ذلك الذكاء الاجتماعي الذي يجعلها تتسلل إلى الآخرين من دون أن يشعروا.

على غرار كريستيان مونجيو، الذي نسج في فيلمه "فيورد" ــ المتوَّج بـ"السعفة الذهب" ــ حواراً شائكاً بين شرق أوروبا وغربها (في خلفيته علاقات تاريخية طبعتها الهيمنة السياسية والثقافية)، يقيم جوده في فيلمه لقاءً مماثلاً بين وافدة رومانية ومضيف فرنسي. غير أن جوده، بخلاف مونجيو، يتناول هذه المسألة بخفّة شاعرية تصب في مصلحته. بعيداً من خطاب المظلومية، نرى شابة تشق لنفسها موطئ قدم داخل فضاء غريب عنها، وتنفخ فيه روحاً شابة تقاوم، من حيث لا تدري، ما يمكن وصفه بـ“المركزية الثقافية“. لا يعود الشرط الاقتصادي مجرد قيد اجتماعي، وإنما يغدو مناسبة لتبادل ثقافي خفيّ يعيد مساءلة الصور المسبقة بين المركز والهامش. سيليستين القرن الحادي والعشرين، في زمن الصوابية السياسية، ليست مجرد خاضعة. لديها ما تقوله، وتمتلك حضوراً يخلخل التراتبية الضمنية للعلاقة. تبرز هنا أيضاً فكرة تتقاطع مع عالم مونجيو: التفوق الثقافي لأوروبا الغربية، المتمثّل هذه المرة في فرنسا بدلاً من النروج. فنحن أمام خادمة وافدة تعرف عن الآخر أكثر ممّا الآخر يعرف عنها. يبقى جوده وفياً لخطه السينمائي القائم على الاشارة إلى علاقات القوة الكامنة خلف النزعات القومية والهويات المتعالية، لكنه يفعل ذلك هذه المرة عبر تبديل المحور الجغرافي وتحوير الشخصيات، من دون أن يتخلى عن حسّه الساخر ونزعته التفكيكية.
ولكي يوسّع الفيلم أفق حكايته ويتجاوز حدود الدراما المنزلية الضيقة، يجعل جوده من سيليستين ممثّلة في فرقة مسرحية تعمل على إعداد عرض يؤدّي أبطاله مهاجرون. ومن خلال هذه الحجّة السردية، يفتح الفيلم نافذة على مقاطع من المسرحية نفسها، حيث تتولّد لحظات من السخرية والهزل، خصوصاً حين ينشغل أفراد الفرقة بمحاولة إعادة قراءة قضايا قديمة وفق منظور معاصر، في سعي مضحك إلى "فلترة" الماضي، نشهد معه أحد أكثر وجوه جوده مكراً. فالمخرج المعروف بعدم خضوعه لإملاءات الصواب السياسي، لا يوفّر أحداً من نقده: لا الشخصيات الثانوية، ولا أولئك الذين يتصدّرون المشهد الثقافي داخل الفيلم. لكنه يفعل ذلك بعفوية لاذعة، كمَن يضع قفازاً من حرير فوق يد من فولاذ. مشهد العشاء الذي يجمع أناساً من مشارب مختلفة، من أكثر لحظات الفيلم طرافةً وحدّة. لا فقط بسبب الأداء الساحر لفنسان ماكان، الذي يرتدي الشخصية كما لو أنها خُلِقت له، وإنما بسبب عين جوده التي تلتقط النبرة الوصائية، وذلك التحذلق الذي يجعل شخصاً من بلد ما يعتقد أنه يعرف مصلحة الآخر أكثر منه.
نبض