روما تحتفي بالسينما اللبنانية... نافذة على ذاكرة بلدٍ وشعب
في مدينةٍ مثل روما، تتقاطع فيها الذاكرة الفنية مع التاريخ والحضارة، تجد السينما اللبنانية مكاناً جديداً لها على الخريطة الثقافية الأوروبية. فمن خلال "المهرجان الأول للسينما اللبنانية في روما" (25 - 29 أيار/مايو)، يطلّ لبنان على الجمهور الإيطالي والأوروبي من خلال الصورة، والذاكرة، والحكايات الإنسانية التي صنعتها السينما اللبنانية على مدى عقود.
المهرجان، الذي ينظّمه "المركز الثقافي الإيطالي - اللبناني" برعاية السفارة اللبنانية في روما وبالتعاون مع مؤسسة "ميد أور"، يشكّل مساحة ثقافية تعكس كيف استطاع الفن اللبناني أن يحوّل الأزمات المتراكمة إلى مادة بصرية وإنسانية ذات طابع عالمي. فمعظم الأفلام اللبنانية التي حجزت مكانتها في المهرجانات الدولية خرجت من قلب الحروب والانقسامات والتحولات الاجتماعية، حاملةً معها أسئلة الهوية والمنفى والذاكرة والعيش اليومي في بلد يعيش على حافة القلق الدائم.
لهذا، تبدو السينما اللبنانية أقرب إلى أرشيف حيّ لذاكرة بلد كامل. هي سينما وثّقت الحرب الأهلية وما بعدها، ولامست آثار العنف والهجرة والفقر والتهميش، لكنها في الوقت نفسه احتفظت بقدرتها على إنتاج الجمال والشعرية وسط الخراب. ومن هنا تحديداً تأتي أهمية إقامة مهرجان خاص بها في العاصمة الإيطالية، ليُعرّف الجمهور الأوروبي بلبنان من خلال قصص ناسه، لا من خلال الصور النمطية الجاهزة عنه.
يجمع برنامج المهرجان بين أعمال تنتمي إلى أجيال وتجارب مختلفة، من بينها أفلام أصبحت علامات أساسية في تاريخ السينما اللبنانية الحديثة، مثل "بيروت الغربية" لزياد دويري، وأخرى تعبّر عن موجة جديدة من السينمائيين اللبنانيين الذين ينظرون إلى الواقع بعيون أكثر حميمية وتجريباً، على غرار أعمال مونيا عقل ووسام شرف وميرا الشايب ورومي بيطار ولانا ضاهر.
ويحضر الجنوب اللبناني أيضاً بوصفه ذاكرة مقاومة وجرحاً مفتوحاً، من خلال فيلم جوسلين صعب "South Lebanon: Story of a Village Under Siege"، فيما تعود بيروت، المدينة التي لا تتوقف عن إعادة اختراع نفسها بعد كل انهيار، كخلفية روحية وبصرية في أكثر من عمل مشارك.
ولا يقتصر المهرجان على عروض الأفلام فحسب، ولكن يفتح المجال أيضاً أمام لقاءات مباشرة مع مخرجين وممثلين وصنّاع أفلام لبنانيين، في محاولة لخلق حوار ثقافي وإنساني يتجاوز الشاشة. فالفن السابع لغة مشتركة بين الشعوب، ووسيلة لفهم الآخر من الداخل، بعيداً من الأحكام المسبقة والاختزال.
في هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي يؤدّيه "المركز الثقافي الإيطالي - اللبناني" في تعزيز التبادل الثقافي بين البلدين، عبر مبادرات تسعى إلى تثبيت الحضور الثقافي اللبناني في أوروبا، والتأكيد أنّ لبنان، رغم أزماته العميقة، لا يزال قادراً على إنتاج الفن والمعنى والجمال.
ربما لهذا السبب تحديداً تبدو السينما اللبنانية مؤثرة إلى هذا الحدّ. لأنها لا تحاول تجميل الواقع أو الهروب منه، بل تواجهه مباشرة، وتحوله إلى سرديات إنسانية قادرة على عبور الحدود واللغات. ومن روما اليوم، تواصل هذه السينما رحلتها، حاملة معها وجهاً آخر للبنان: بلداً متعباً، نعم، لكنه لا يزال يروي نفسه بالفن.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.
مشهد عكس الشغف اللبناني بالحياة والفن والموسيقى، والتقاطع الثقافي بين لبنان وإيطاليا.
نبض