لوحات تنقّب في غريزة الرسم الأولى... نزار موشيليان يرسم بـ"تطوّره العذب" ولادة الإدراك
ثمّة ما هو مُربك وعميق الأثر في لوحات الفنان اللبناني الأرمني نزار موشيليان. تنفجر الأعمال المعروضة في معرضه البيروتي "تطوّر عذب" (Sweet Evolution) بطاقة الطفولة الجامحة: أشكال عائمة، شبكات مرسومة بخطوط متعثّرة، ألوان مشبعة، حدود غير مكتملة، وطبقات مركّبة تقاوم السكون. لكن كلّما طال الوقوف أمام اللوحات، تكشّفت المعنى الأعمق الأعمال... تأمّل في الأصول الأولى للوعي البصري نفسه.
يعود موشيليان إلى تلك المنطقة الغريزية التي يبدأ فيها الرسم قبل القواعد، قبل المنظور، وقبل أن تُروَّض الجماليات بلغة أكاديمية صارمة. تستكشف لوحاته اللحظة التكوينية التي يحاول فيها الطفل للمرة الأولى تنظيم العالم عبر العلامات والتكرار والبنى الحدسية. وما يظهر هنا ليس الفوضى، إنّما هندسة هشّة للاكتشاف.

في أنحاء المعرض ("غاليري كليم بشارة"، بيروت)، تحوم أشكال عضوية محدَّدة الخطوط فوق خلفيات تصويرية كثيفة تنبض بالحركة. تتداخل الخربشات مثل أفكار غير مكتملة، وتتكرّر المستطيلات والحلقات والإطارات الناقصة بإلحاح على سطح اللوحة، مستعيدة الطريقة التي يعود بها الأطفال إلى الأشكال ذاتها حتى تتحوّل إلى علامات قابلة للتعرّف. العناصر هذه هي، في آنٍ معاً، مرحة ونفسية، ينقّب الفنان بها وبالإيماءة في الذاكرة.
لأعمال موشيليان حضور لمسي لافت؛ تتراكم فيها طبقات الطلاء السميكة لتشكّل أسطحاً غنيّة بالعناصر، يتصادم فيها اللون بدلاً من أن ينسجم. الأصفر الساطع يقاطع الأزرق العميق؛ شبكات قرمزية تخترق الوردي الباهت والرماديات الخافتة؛ أخضر كهربائي يظهر إلى جانب أسود مخملي. الإيقاع البصري قلق؛ فيه شيء من موسيقى. وتحت هذا الاندفاع المفعم بالحيوية ذكاءٌ تركيبيٌّ صارمٌ. يوازن موشيليان بعناية بين العفوية والاحتواء، تاركاً لوحاته معلّقة في تلك المساحة الإبداعية بين الحرية والبنية.

يتجنّب المعرض الفخ العاطفي المرتبط - في أغلب الأحيان - باستحضار الطفولة، ولعلّه ما يجعله آسراً على نحوٍ خاص. موشيليان لا يقلّد رسومات الأطفال، ولا يجمّل البراءة بصورة رومانسية؛ يُقطّر الآليات العاطفية والإدراكية الكامنة خلف الإبداع المبكر نفسه. لوحاته تأمّلات في الطريقة التي يتعلّم بها الإنسان للمرة الأولى تفسير الفضاء والعلاقات والتكرار والإيقاع. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إنّ "تطوّر عذب" أقلّ ارتباطاً بالأطفال منه بولادة الإدراك ذاته.
يكتسب هذا البعد الفكري عمقاً إضافياً عند النظر إليه من خلال المسار الشخصي للفنان. وُلد موشيليان في بيروت عام 1966، وأمضى عقوداً في ملاحقة هوية فنية صاغها التأمّل والتجريب. متأثّراً بأسماء متنوّعة مثل مارك روثكو وبيار سولاج وروبرت رايمان، استكشف التكرار والأشكال الخالصة والبنى الكسيرية والرنين العاطفي للّون، قبل أن يصل إلى المفردات البصرية التي نراها في معرضه.

جاءت نقطة التحوّل الحاسمة عام 2010، حين قرّر الفنان أن يوقّع أعماله باسم "نازار" فقط، مسترجعاً اسمه الحقيقي الذي يرسم به ملامح هويّة مزدوجة، لبنانية - أرمنية، بعد ما يصفه بـ"رحلة طويلة من التأمّل الداخلي". لا يمكن فصل هذا القرار اليوم عن روح "تطوّر عذب"؛ فالمعرض نفسه يوحي بأنّه عودة نحو الذات الأصلية: بحث عن الدوافع الأولى التي تسبق الأقنعة الاجتماعية والهويات المصنوعة والأداء الجمالي.
في بيروت، المدينة التي تفاوض باستمرار على التشظّي والذاكرة وإعادة الاختراع، تتردّد أصداء لوحات نزار بقوة خاصة. تعكس طبقاتها المتراكمة تراكم المشاعر؛ وتستحضر أشكالها المتكرّرة الإصرار وسط اللاستقرار. والأهمّ من ذلك، أنّها تذكّر المشاهدين بشيء بات نادراً في حياتنا المعاصرة، ألا وهو إمكانية النظر إلى العالم بفضول غير "مفلتر".

في النهاية، يقترح "تطوّر عذب" أنّ الإبداع لا يبدأ بالإتقان، وإنّما يبدأ بالغريزة، والتكرار، واللايقين، واللعب. وكما يوحي لنا نزار، النضوج الفني الحقيقي يكمن في امتلاك الشجاعة للعودة إلى البدايات، لا في الهروب منها.
نبض