مهرجان كانّ: فرهادي يستعير كيشلوفسكي وسوروغويين يلاحق تروفو

ثقافة 22-05-2026 | 11:50

مهرجان كانّ: فرهادي يستعير كيشلوفسكي وسوروغويين يلاحق تروفو

قراءة في فيلمَين بارزَين عُرِضا في مهرجان كانّ السينمائي.
مهرجان كانّ: فرهادي يستعير كيشلوفسكي وسوروغويين يلاحق تروفو
إيزابيل أوبير في قصص موازية لأصغر فرهادي.
Smaller Bigger

في "قصص موازية" للإيراني أصغر فرهادي، تتداخل المراقبة بالكتابة، والحقيقة بالوهم، داخل شقّة باريسية تتحوّل إلى فضاء مغلق يعيد إنتاج العالم. أما في "المحبوبة" للإسباني رودريغو سوروغويين، فتأخذ العلاقة بين الفنّان وموضوعه بُعداً شخصياً وعاطفياً مباشراً، وذلك عبر علاقة أبٍ مخرج بابنته الممثّلة. هنا، قراءة نقدية في فيلمين يتسابقان على "السعفة" في مهرجان كانّ السينمائي (12 - 23 أيار/مايو). 

يبتعد فرهادي هنا عن البنية الواقعية المحكمة التي كرسته، ليدخل منطقة أكثر ضبابيةً، تتقاطع فيها الكتابة بالمراقبة، ويتداخل الوعي بالوهم، من خلال فيلم يحاول أن يقيم على الحدود الفاصلة بين ما يُعاش وما يُتخيَّل.

تتولد الأحداث من داخل شقّة باريسية، تعيش فيها روائية (إيزابيل أوبير)، وهي امرأة انقطعت، إلى حدّ ما، عن العالم، مستسلمةً لعزلتها وإدمانها الكحول، ومستعيضةً عن الحياة الفعلية بالتلصّص على جيرانها. تراقب حياة الآخرين لتعوّض الخواء الذي في حياتها. غير أن هذا الانغلاق يبدأ بالتصدّع مع دخول شاب (آدم بيسا) إلى دائرتها المغلقة. يحدث اللقاء مصادفةً، عبر ابنة أخت الكاتبة، إثر حادثة عابرة في المترو، قبل أن يتحوّل الشاب تدريجاً إلى حضور أساسي في يومياتها، قوّة خفية تدفعها إلى مواجهة كل ما ظلّت تؤجّله وتهرب منه، وفي مقدمّة ذلك فعل الكتابة نفسه.

 

فيرجيني إيفيرا وفنسان كاسيل في “قصص موازية“.
فيرجيني إيفيرا وفنسان كاسيل في “قصص موازية“.

 

لا حاجة للتوغّل في المزيد من التفاصيل: مَن يحب مَن، ومَن يراقب مَن، ومَن يخون مَن، وأي النسختين من فيرجيني إيفيرا هي الحقيقية، وأيهما ليست سوى امتداد لمخيلة الكاتبة؟ فهذه الأحجية التي ينشغل الفيلم بها تتبخّر سريعاً، ولا يكاد يبقى منها شيء بمجرد مغادرة الصالة.

يبني فرهادي فيلمه على ثنائية النظر: المراقِب والمراقَب، العين التي تتلصّص والعين التي تُلتقَط داخل إطار التلصّص. لكن الحدود بين الطرفين لا تلبث أن تسقط. يحاول الفيلم أن يجعل من هذا الضباب السردي محرّكه الأساسي، غير أن النتيجة تأتي أقرب إلى متاهة حكائية تتكاثر فيها الاحتمالات بلا وجهة واضحة. 

هذا كله يحملنا إلى النقطة الأهم في هذا المقال: احتكاك فرهادي بكيشلوفسكي ووصاياه العشر الذي كان ممكناتلافيه لمصلحته ومصلحتنا. لا أستطيع أن أتذكّر عدد المرات التي استفزّتني فيها تلك النوتات الموسيقية المأخوذة من "قصّة قصيرة عن الحبّ" لكيشلوفسكي وقد استعيدت في "قصص موازية". فبدلاً من أن تأتي كتحية سينمائية واعية، تنقلب هنا إلى عبء يجرّ العمل نحو مرجع أقوى. ما إن تتسلل تلك الموسيقى إلى الفيلم حتى يفرض عالم كيشلوفسكي المأسوف عليه ظلاله علينا. هذه تفاصيل قد تبدو هامشية، وربما لن تتصدّر المقالات النقدية التي ستتناول الفيلم، إذ سينصرف معظمها إلى أسئلة من نوع "غريب ينجز فيلماً في بلد لا يعرفه".

***

العلاقة بين الفنّ والحياة، وما ينشأ عنهما من خصومة وتعايش، هي أيضاً ما يسعى "المحبوبة" لرودريغو سوروغويين إلى الكشف عنه. ينتمي العمل إلى نوع من ميلودراما، ويجمع بين مخرج سينمائي يؤدّي دوره بارديم، وابنته الممثّلة (فيكتوريا لوينغو). يذكّرنا الفيلم – كما في أعمال ألمودوفار – بلعبة المرايا وبتقنية "الميز آن أبيم"، غير أن هذا الاشتغال البصري والفكري لا يخلو من إطالة. ويتبدّى ذلك مبكراً في المشهد الافتتاحي الطويل الذي يقوم على حوار داخل مطعم بين أب وابنته، حيث يلمس المُشاهد منذ البداية حاجة كلّ منهما إلى الآخر. إنها لحظة استعادة مزدوجة، إنسانية وفنية في آن، فالأب الذي ابتعد طويلاً عن ابنته يعود اليوم إلى إسبانيا ليمنحها دوراً في الفيلم الذي يعمل عليه. يظن أنه سيجد في حضنها ما فاته، بينما تقابله هي بحذر، رافضةً أن يعاملها كطفلة. خلف هذا كله، تجتمع لدى الطرفين الحاجة ذاتها: الحاجة إلى الحبّ.

 

علاقة أب - ابنة في “المحبوبة“ لرودريغو سوروغويين.
علاقة أب - ابنة في “المحبوبة“ لرودريغو سوروغويين.

 

الفكرة البسيطة التي ينطلق منها الفيلم لا تكفّ عن التمدّد إلى ما لا نهاية، في سلسلة من المَشاهد التي يطبعها ذوق تقطيعي ونمط تصويري. هذا المناخ المشبّع بالمشاعر المصطنعة يبلغ ذروته في مشهد تصوير المخرج الأب لأحد المقاطع، حيث يتكرر التعطّل في كلّ مرة بسبب مشكلة جديدة. على امتداد أكثر من ساعتين، نجد أنفسنا محاصرين بين شخصيتين، كلٌّ منهما ينتظر من الآخر أن يتنازل، في دوامة من التحدّيات الصغيرة التي لا تقود إلى خلاص. نبتسم أحياناً، وننزعج أحياناً أخرى، لأن سوروغويين، في نهاية المطاف، ليس تروفو، وفيلمه هذا ليس "الليل الأميركي". ما نراه أقرب إلى مخاض طويل لمصالحة عائلية تحت شمس إسبانيا.

يصعب الجزم بما يريد سوروغويين قوله تحديداً: هل يسعى إلى تفكيك إيغو الفنّان الذي يظن أنه يمتلك سلطة مطلقة وكامل الصلاحيات، لصالح رؤية الابنة التي تبدو أكثر حساسيةً تجاه فعل الخق الفنّي؟ أم أن الأمر لا يتجاوز لعبة القط والفأر العائلية كمادة درامية في ذاتها؟

—————————-

ثلاثة أسئلة إلى لاسلو نمش… 

جان مولان، أيقونة المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية، يحضر في فيلم المجري لاسلو نمش، "مولان" (مسابقة)، الذي يحملنا إلى لحظة اعتقاله عام 1943 واستجوابه وتعذيبه. 

* هل تتذكّر المرة الأولى التي سمعت فيها باسم جان مولان؟
- كنت أعرفه، لكوني نشأتُ جزئياً في فرنسا ودرستُ التاريخ الفرنسي. لكنه كان بالنسبة لي شخصية جامدة نوعاً ما. اكتشفته فعلاً عندما قرأتُ كتاب سكرتيره الذي نجا من الحرب. هكذا فهمتُ أن مولان لم يكن مجرد مقاوم، وإنما إنسان يحمل فلسفة كاملة للحياة والفنّ والحضارة. كان رساماً وإنسانوياً حقيقياً، يحمل شعلة ضوء وسط الظلام. وهذا ما جذبني اليه: فكرة إنسان يستطيع، رغم العزلة واليأس، أن يحمل النور.

 

لاسلو نمش.
لاسلو نمش.


* هل شعرتَ بضغط كونك مخرجاً مجرياً يتناول شخصية فرنسية بهذه الأهمية؟
- دائماً أشعر أنني غريب في كلّ مكان، حتى في المجر نفسها. عشتُ سنوات طويلة في فرنسا ولندن. لست فرنسياً تماماً، لكنني أعرف فرنسا جيداً وأتحدّث لغتها. ربما يمنحني ذلك موقعاً مريحاً بعض الشيء: أن أكون دائماً على الهامش.

* الفيلم رائع بصرياً، فيه لقطات كأنها وُجِدت فعلاً من تلك الحقبة؟ 
- صوّرنا على شريط سينمائي خام، وهذا أمر أفتخر به كثيراً. بالنسبة لنا، الفيلم المصوَّر بالخام يمنح المشاهد تجربة مختلفة. نصف الوقت تكون داخل العتمة، مع نفسك. هناك بُعد تنويمي لا تستطيع الشاشات الرقمية أو البيكسلات تعويضه. أعتقد أن خسارة الفيلم الخام هي إفقار ثقافي، ولهذا لا أزال متمسكاً به.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
كتاب النهار 5/21/2026 5:35:00 AM
ليست المرة الأولى يطلق الحزب مثل هذه المواقف التصعيدية في وجه السلطة، لكنه تعمّد هذه المرة أن يكون أشدّ وضوحاً وجزماً وشراسة.
لبنان 5/21/2026 5:38:00 AM
لم يتضح بعد ما إذا كان "حزب الله" نزل عن الشجرة وإذا كان تكليف فضل الله التشاور مع عون فيه تراجع عن الرفض القاطع للتفاوض المباشر
لبنان 5/21/2026 8:26:00 AM
يجد الضباط صعوبة في تحديد الاستراتيجية التي تتبعها القيادات العليا