مسرحية "ماشي أونلاين"... قصة بلد عالق داخل ذاكرته القلقة
يبدو لنا، بين الحين والآخر، وبطريقة أو بأخرى، أنّ بيروت تعيش دائماً بين زمنين. الماضي الذي يعود إلينا بأشكال عدّة يُعيد اليوم عرض "ماشي أونلاين" (تمثيل إيلي متري وجوي حلّاق، إخراج مازن سعد الدين) إلى خشبة "مسرح المدينة" في بيروت، ابتداءً من الغد ولمدّة ثلاثة أيّام، حاملاً معه أسئلة لم تفقد حدّتها منذ أكثر من خمسة عشر عاماً.
النصّ الذي وُلد في أعقاب حرب تمّوز 2006، يخرج اليوم من قلب اللحظة الراهنة نفسها، من ارتباكها، من تعبها النفسي، ومن ذلك الإحساس اللبناني المزمن بأنّ البلاد تدور داخل الحلقة ذاتها مهما تغيّرت الوجوه والأحداث.
ليست "ماشي أونلاين" مسرحية عن الحرب بالمعنى التقليدي، ولا عن الذاكرة باعتبارها أرشيفاً للماضي فقط؛ إنّه عمل يتوغّل في المنطقة الرمادية التي تتكسّر فيها الحكايات، حيث الحقيقة مجرّد احتمال. في مركز العرض رجل فقد القدرة على تذكّر الحدث الذي حطّم حياته. لا صورة تثبت ما جرى، لا رواية نهائية، ولا يقين يمكن التمسّك به. ومن هذا الفراغ، يبدأ بحثه المضني عن ذاته، محاولاً ترميم هوية تتداعى أمامه ببطء.

لكنّ العمل لا يتوقّف عند الفرد وحده. فذاكرة هذا الرجل تبدو، بطريقة ما، امتداداً لذاكرة بلد بأكمله. بلد عاش حروباً متتالية إلى درجة أنّ الصدمة تحوّلت إلى حالة دائمة وإلى مناخ نفسي يرافق الحياة اليومية ويشكّل العلاقات والهواجس وطريقة النظر إلى المستقبل، ولم تعد حدثاً استثنائياً.
وسط هذا التفتّت، تظهر امرأة بعيدة يلتقيها عبر الإنترنت، لتصبح خيطه الأخير نحو العالم والمعنى. يقترب العمل عند هذه النقطة من هشاشة التواصل الإنساني بينما تزداد المسافات رغم وفرة وسائل الاتصال. العلاقة الافتراضية في المسرحية محاولة يائسة للإمساك بشيء ثابت داخل واقع متداعٍ، ومحاولة للنجاة من عزلة داخلية لا تقلّ قسوة عن الخراب الخارجي.
يمزج "ماشي أونلاين" بين الواقعي والتجريدي، ويتحرّك داخل زمن معلّق لا هو ماضٍ تماماً ولا حاضربالكامل. وهذا ما يمنح العرض طابعه القَلِق والمفتوح؛ ذلك أنّ المسرحية لا تقدّم أجوبة جاهزة، وإنّما تضع الجمهور أمام أسئلة تتكرّر في لبنان منذ عقود: ماذا يبقى من الإنسان حين تتآكل ذاكرته؟ كيف يمكن للحبّ أن يصمد وسط الانقسام والخوف؟ وهل نحن نتقدّم فعلاً، أم نعيد إنتاج التاريخ نفسه بأشكال مختلفة؟
هذه الأسئلة تتقاطع بوضوح مع رؤية المخرج الذي يرى في المسرح مساحة مواجهة أكثر منه مساحة ترفيه؛ إذ ينطلق من قناعة بأنّ الفنّ، في أوقات الأزمات، لا يمكنه أن يبقى محايداً أو بعيداً، والمسرح محاولة لفهم ما يحدث، أو على الأقلّ لعدم الاعتياد عليه.

ما يمنح هذا العمل ثقله اليوم ليس فقط موضوعه، بل توقيته أيضاً. بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على تقديمه للمرّة الأولى في بيروت عام 2009، ثم في مهرجان دمشق المسرحي عام 2010، تبدو المسرحية كأنّها كُتبت الآن. ما كان يوماً انعكاساً لمرحلة محدّدة، تحوّل اليوم إلى واقع يتكرّر بإيقاع أكثر قسوة ووضوحاً.
النصّ الذي طُوّر بالتعاون مع "الصندوق العربي للثقافة والفنون"، يحمل توقيع خلود ناصر فكرةً وإعداداً، مع دراماتورجيا مشتركة بينها وبين مريم بوسالمي التي كتبت الحوار. غير أنّ قوّة العمل تكمن أيضاً في تلك القدرة النادرة على تحويل الوجع اللبناني إلى مادة تأمّل إنسانية، تتجاوز الحدث السياسي المباشر نحو سؤال أعمق عن الإنسان حين يعيش طويلاً داخل الخوف والانتظار والذاكرة المثقوبة.
في "مسرح المدينة"، يعود "ماشي أونلاين" ليستحضر شيئاً من الماضي، وليقول إنّ هذا الماضي، في لبنان، لم يغادر تماماً. ويحمل العرض بُعداً إنسانياً مباشراً، إذ أُعلن أنّ 50 في المئة من العائدات، بعد تكاليف الإنتاج، ستُخصّص لدعم العائلات النازحة المتأثّرة بالوضع الراهن، في خطوة تجعل المسرح، مرّة أخرى، مساحة للفنّ والتضامن في آنٍ واحد.
نبض