كانّ 79 - "عيد ميلاد مرّ": ألمودوفار يفتّش عن نفسه بين الفنّ والحياة

ثقافة 20-05-2026 | 20:27

كانّ 79 - "عيد ميلاد مرّ": ألمودوفار يفتّش عن نفسه بين الفنّ والحياة

ينافس بدرو ألمودوفار على "السعفة الذهب" في مهرجان كانّ السينمائي بـ"عيد ميلاد مرّ".
كانّ 79 - "عيد ميلاد مرّ": ألمودوفار يفتّش عن نفسه بين الفنّ والحياة
"عيد ميلاد مرّ" لبدرو ألمودوفار.
Smaller Bigger

كلّما اقترب الفنّان من الموت، ازداد انشغالاً بذاته وهواجسه. الأمثلة على ذلك لا تُحصَى. فعلها فيلليني وبرغمان وتاركوفسكي. بعضهم عاد إلى طفولته، كأنه يلتفّ على النهاية الوشيكة عبر استعادة البدايات. مع التقدّم في العمر، تنكفئ أعمال كثرٍ من الفنّانين إلى الداخل، لتغدو أقرب إلى السيرة الذاتية، حيناً مقنّعة، وحيناً صريحة لا تخجل من الاعتراف. الشيخوخة تصبح لحظة جردة حساب، وتأمّل أخير في الذات، وربما مصالحة معها.

ينتمي "عيد ميلاد مرّ" لبدرو ألمودوفار، المنافس على "السعفة الذهب" في الدورة التاسعة والسبعين لمهرجان كانّ السينمائي (12 - 23 أيار/مايو)، إلى هذا النوع من الأعمال. والحال أن المخرج الإسباني كان قد دشّن هذا المسار منذ "ألم ومجد"، متخفّياً خلف شخصية أنطونيو بانديراس، فيما راح شبح الموت يحوم فوق سينماه منذ أفلام عدة. بعد كلّ ما أنجزه طوال مسيرته، ها هو يعود اليوم ليحركش في إرثه، نقداً وتحليلاً، باحثاً في الحدود الملتبسة بين الخيال والواقع، وفي إمكان التعايش بينهما. أين يبدأ أحدهما وأين ينتهي الآخر؟ والأهم: هل تنطوي هذه العلاقة على شكل من أشكال الخيانة؟

في الحقيقة، يبدو المعلّم الإسباني محقّاً في هواجسه هذه. فهو اليوم في منتصف السبعينات، ولم يعد سوى ظلّ أقلّ توهّجاً من ذاته السابقة (رغم نشاطه)، فيما يبدو مجده السينمائي خلفه أكثر ممّا هو أمامه. لم يبقَ منه، ظاهرياً، سوى ذلك الساعي أبداً إلى "السعفة" التي استعصت عليه مراراً. لكن في هذا الحكم شيء من القسوة. فعلينا الاعتراف انه حتى في أضعف أفلامه، لا يمكن المُشاهد إلا أن يشعر بأن خلف الصورة رجل صورة كبيراً، صاحب رؤية لا تخطئها العين، قد يخفت وهجها أحياناً، لكنه لا ينطفئ تماماً.

 

شخصيات تنتمي إلى خيال كاتب السيناريو.
شخصيات تنتمي إلى خيال كاتب السيناريو.

 

في هذا الفيلم، يعود ألمودوفار، الذي أنجز حتى اليوم 24 فيلماً طويلاً عُرض سبعة منها في كانّ وحصد عبرها جوائز متعدّدة، إلى عالمه البصري المألوف: ألوانه الفاقعة، شخصياته الواثقة التي تتكلّم بإصرار استعراضي، وموسيقاه المشبّعة بالميلودراما. القراءة الكسولة قد تدفع بنا إلى القول إنه يدور في حلقة مفرغة، مراوحاً المكان نفسه، لكن لماذا يُتَّهم السينمائيون دائماً بالتكرار، فيما لا يقف أحد أمام لوحة لفنّان تشكيلي مطالباً إياه بابتكار عالم جديد كلياً في كلّ مرة؟ بل إن ما يتكرر في أعمال الرسّام يُحتفَى به باعتباره "موتيفاً" وأسلوباً خاصاً. في النهاية، لا ينجز السينمائيون الكبار سوى فيلم واحد طوال حياتهم، هي تنويعات على اللحن نفسه. الشعراء أيضاً.

لطالما امتلأت أفلام ألمودوفار بشخصيات تنتمي إلى الوسط الفنّي، وخصوصاً عالم السينما. وفي عمله الجديد، يضع نفسه في مواجهة مخرج شهير (ليوناردو سباراليا) يعيش أزمة كتابة، فيلجأ إلى استلهام سيناريوهاته من حيوات المقربين منه، من دون أن يطرح على نفسه أي سؤال أخلاقي حيال ذلك. ومن هذا الخيط البسيط، ينسج ألمودوفار فيلماً لا يكفّ عن التنقّل بين الأمكنة والأزمنة، ذهاباً وإياباً، على نحو يذكّر بأصغر فرهادي في "قصص موازية"، لكن بنتيجة أكثر إحكاماً. على الأقل، نحن هنا أمام سينمائي يعرف تماماً ما الذي يفعله، والحكمة المتأخرة باتت تظلّل أعماله.

لا يأتي ألمودوفار بأي انقلاب فنّي أو طرح ثوري. إنه يعيد تدوير هواجسه القديمة، ويعود إلى الأسئلة نفسها التي شغلته دائماً، بعيداً نسبياً من الحرائق المشتعلة في العالم. مع ذلك، لا تبدو عيناه غافلتين عمّا يجري خارج الشاشة، وهو ما تجلّى في مؤتمره الصحافي حين وصف ترامب ونتنياهو وبوتين بأنهم "وحوش بشرية".

وكما هي الحال غالباً في هذا النوع من الأفلام، تبدو النيّات حسنة والبنية الدرامية متماسكة في خطوطها العريضة، غير أن التفاصيل السردية التي يُفترَض بها خدمة الرؤية الأشمل - ولا سيما الحكاية الثانوية المنبثقة من خيال المخرج المأزوم داخل الفيلم - سرعان ما تبدو بلا وظيفة حقيقية سوى رفد الحكاية الأساسية وتبريرها.

 

فيلم تجري أحداثه داخل عالم من الرفاه والترف.
فيلم تجري أحداثه داخل عالم من الرفاه والترف.

 

تجري الأحداث كلّها داخل عالم من الرفاه والترف المريح، يتجلّى في الفضاءات المعقّمة التي تتطور فيها الشخصيات، وفي أسلوب العيش الذي يكاد يخلو من أي احتكاك فعلي مع الفوضى أو الخشونة. هنا تحديداً يفتقر الفيلم إلى تلك "اللسمة" الضرورية، خصوصاً أنه يتناول الفنّ. والفنّ، في طبيعته، يحتاج دائماً إلى شيء من الجنون، أو خروج عن النسق المألوف.

لكن هذه، في النهاية، هي بيئة ألمودوفار نفسه. وإلا كيف يمكن تفسير أن يكون "علاجه الفنّي" ترفاً باهظ التكلفة إلى هذا الحدّ؟ أن يمتلك مخرج رفاهية أن يضع منتجاً في خدمة تعافيه الشخصي، ثم يسمّي ذلك فيلماً؟ يعتمد ألمودوفار هنا على رصيده السينمائي الضخم كي يحصل على شيك لإنجاز عمل يتمحور، في جانب كبير منه، حول ذاته وقلقه الشخصي وهواجسه الحميمة.

مع ذلك، فإن هذا الاستبطان المتأخّر ليس بلا معنى. فمن خلاله، يعود، مرة أخرى، إلى تيمته الأثيرة: العلاقة الملتبسة بين الفنّ والحياة. مهما تشابكت العلاقة بينهما، يبقى الأول عاجزاً عن الوجود من دون الثانية. غير أن ألمودوفار يقول ذلك كلّه من موقع ثابت، من دون أن يغادر منطقته الآمنة فعلياً. العالم بأسره يأتي نحوه، بدلاً من أن يذهب هو إليه.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/20/2026 3:21:00 AM
أحمد الشرع يعتذر لأهالي دير الزور بعد تصريحات والده المثيرة للجدل
اقتصاد وأعمال 5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
لبنان 5/19/2026 10:50:00 AM
يتحول الطقس تدريجياً إلى متقلب مع أمطار متفرقة ورياح ناشطة تصل أحياناً ٧٥ كلم/س مع ارتفاع لموج البحر ويستمر حتى مساء يوم الخميس
لبنان 5/19/2026 2:15:00 PM
اعتماد أحكام القانون الرقم 194 الصادر عام 2011 بالنسبة إلى المبعدين، واعتبار أحكامه نافذة