"دع المنطق جانبًا" معرض محمّد الروّاس في "غاليري صالح بركات"... أنا أيضًا أملك الحقّ في إعادة اختراع الرؤية

ثقافة 20-05-2026 | 09:08

"دع المنطق جانبًا" معرض محمّد الروّاس في "غاليري صالح بركات"... أنا أيضًا أملك الحقّ في إعادة اختراع الرؤية

"لوحتكَ تتكلّم عن عصرنا أكثر مما تتكلّم عن أصحابها".
"دع المنطق جانبًا" معرض محمّد الروّاس في "غاليري صالح بركات"... أنا أيضًا أملك الحقّ في إعادة اختراع الرؤية
لوحتان بريشة محمّد الروّاس. (غاليري صالح بركات)
Smaller Bigger

الطريف أنّ العبارة، "دع المنطق جانبًا"، التي يجعلها محمّد الروّاس عنوانًا لبطاقة الدعوة إلى معرضه الجديد لدى "غاليري صالح بركات"، ابتداءً من 21 أيار/مايو الجاري، مرتبطة بألبوم فرقة Talking Heads (الرؤوس الناطقة) وبالفيلم الشهير الذي يحمل العنوان نفسه. والحال هذه، ليس غريبًا أنْ تلتقي هنا السخرية والغرابة والعبث، وتنسجم مع عالمه التشكيليّ الفنّيّ، المفكِّك للمعنى (للمنطق)، العارف، المجرِّب، المختبِر، المحكم، "البارد"، والذكيّ. 

أنتَ هنا، أيّها الروّاس، إذ تقترح أنْ تدع المنطق جانبًا، تفتتح بابًا آخر في الحواسّ، في الذاكرة، في الممرّ الغامض بين الرسم والفكر، بين العين والهاوية. لوحتكَ إذ تُعاش وتُرتَجَف، تدخل في امتحان الرؤية نفسها. وأنتَ تقيم داخلها، في طبقاتها، في مراياها، في اقتباساتها، في تهكّمها العميق، وفي تلك المعرفة البصريّة الهائلة التي تجعل اللوحة عندكَ كائنًا مركّبًا من الرسم والفلسفة والمسرح والسينما والموسيقى والخراب الإنسانيّ معًا. 

 

لوحة لمحمّد الروّاس من معرضه الجديد. (غاليري صالح بركات)
لوحة لمحمّد الروّاس من معرضه الجديد. (غاليري صالح بركات)

 

هذا المعرض الجديد لكَ، هو موعدٌ جديدٌ "مع المنطق"، مع عقلٍ بصريّ نادر، ومع حساسيّةٍ تعرف كيف تجعل الفوضى بناءً، والمعرفة متعةً، والاقتباس خلقًا جديدًا، والسخرية شكلًا من أشكال الحكمة. لكنّ الأهمّ أنّ شيئًا في الداخل الإنسانيّ سوف يُضاء أيضًا؛ شيئًا يتعلّق بما تبقّى لنا من دهشة، ومن قدرة على التأمّل، ومن شغفٍ بالنظر إلى العالم كأنّه يُرى للمرّة الأولى.

 

لوحة لمحمّد الروّاس من معرضه الجديد. (غاليري صالح بركات)
لوحة لمحمّد الروّاس من معرضه الجديد. (غاليري صالح بركات)

 

فلأقل إنّ لوحتكَ هاويةٌ مضاءة، بل جرحٌ مفتوحٌ على تاريخ العين البشريّة، منذ الكهوف الأولى حتى آخر ارتجافة ضوءٍ على شاشةٍ معاصرة. فهي تعيد خلقَ نظرات العالم. ولهذا تبدو مأهولةً بذلك الحشدِ الصامت من الأسلاف، لكنّكَ، في النهاية، لا تشبه إلا نفسكَ. فأنتَ تعبر المدارس من دون أنْ تسكنَ في واحدة. تأخذ من الباروك توتّرَه، ومن الحداثة قلقَها، ومن الفنّ المفاهيميّ شراسته الذهنية، ثمّ تعيد صهرَ ذلك كلّه داخل مختبرٍ شخصيّ، لا يهادن، ولا يطمئن، ولا يكتفي.

 

الفنان محمّد الروّاس.
الفنان محمّد الروّاس.

 

الجسدُ ليس جسدًا فقط. الوجهُ ليس وجهًا فقط. ولا المرأةُ امرأة فقط. كلُّ شيءٍ يتحوّل إلى سؤال: من يرى؟ من يتذكّر؟ من ينجو داخل هذا الركام الهائل من الصور؟ لذا لوحتكَ تتكلّم عن عصرنا أكثر مما تتكلّم عن أصحابها. فنحنُ نعيشُ اليوم داخل طوفانٍ بصريٍّ لا نهاية له، لكنّ أعيننا، يا للمفارقة، أصبحت أكثر عمىً من أيّ وقت. أنتَ تنتزع الصورة من استهلاكها اليوميّ، وتعيدُ إليها خطرَها الأصليّ: خطرَ أنْ تُفكّر، أنْ تُقلق، أنْ تجرح. ما يميّزكَ أيضًا، تلك الثقافة العميقة التي لا تستعرضها، بل تخفيها داخل طبقات العمل. أنتَ تصارع الرسم العالميّ، إذ تدخلُ في مبارزةٍ مع التاريخ الفنيّ. وها هم الأساتذة في لوحتكَ موادّ حيّة داخل مختبركَ الشخصيّ؛ ها هو دولاكروا، بيكاسو، غوغان، إدوارد هوبر، فرنسوا جيرار، إرنست لودفيغ كيرشنر، غويا، أرتيمسيا جنتليتشي، بالتوس، تيتيان، جان ليون جيروم، مانيه، خورخي سيلفا فورتيس، والفنّ الرومانيّ الإغريقيّ، ها هم داخل لعبتكَ الكبرى مع الزمن والصورة والوعي. وكنتَ في معرضكَ السابق، قد "استدعيتَ" كارافاجيو وفيلاسكيز ورامبرنت وديغا وبيكاسو وجاك لويس دافيد ورسوم "المانغا"، و"ساكنتْ" لوحتكَ لوحاتهم، ودخلتَ في حوارٍ متكافئ مع تاريخ الرسم العالميّ، لا من موقع التلميذ، ولا من موقع الانبهار، بل من موقع الندّيّة الإبداعيّة الكاملة.

يمكنكَ أنْ تدع المنطق جانبًا، وأنتَ تفكّك عالم الرسم والتصوير والنحت، والعالم، وتعيد اختراعهما. كأنّكَ تقول: أنا أيضًا هنا. أنا أيضًا أملكُ حقّي في إعادة اختراع الرؤية.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/20/2026 3:21:00 AM
أحمد الشرع يعتذر لأهالي دير الزور بعد تصريحات والده المثيرة للجدل
آراء 5/19/2026 4:27:00 AM

المسّ بركائز وثيقة الوفاق الوطني –سواء بطريقة مباشرة عبر طرح مشروع "المُثالثة"، أو بطريقة ملتوية عبر المناداة بتطبيقٍ ملتوٍ للطائف تحت شعار تطبيقه "كاملاً" – قد يُدخل البلاد في سجالٍ يدفع بها نحو الحرب الأهلية...

لبنان 5/19/2026 10:50:00 AM
يتحول الطقس تدريجياً إلى متقلب مع أمطار متفرقة ورياح ناشطة تصل أحياناً ٧٥ كلم/س مع ارتفاع لموج البحر ويستمر حتى مساء يوم الخميس
لبنان 5/19/2026 2:15:00 PM
اعتماد أحكام القانون الرقم 194 الصادر عام 2011 بالنسبة إلى المبعدين، واعتبار أحكامه نافذة