كانّ 79 - "فيورد": الأطفال سيدفعون الثمن!

ثقافة 19-05-2026 | 18:40

كانّ 79 - "فيورد": الأطفال سيدفعون الثمن!

ينافس الروماني كريستيان مونجيو على "السعفة الذهب" عبر فيلم "فيورد".

كانّ 79 - "فيورد": الأطفال سيدفعون الثمن!
"فيورد" لكريستيان مونجيو.
Smaller Bigger

يواصل الروماني كريستيان مونجيو في فيلمه الجديد "فيورد"، المشارك في مسابقة مهرجان كانّ السينمائي (12 - 23 أيار/مايو) التنقيب في الهواجس التي شكّلت عالمه السينمائي منذ بداياته. العمل يبدو امتداداً لفيلمه السابق "رنين مغناطيسي نووي"، ولا يبتعد في جوهره كثيراً عن باكورته الشهيرة "أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان"، الفيلم الذي نال عنه "السعفة الذهب" في مهرجان كانّ قبل عقدين. الفارق هذه المرة أن مونجيو ينقل صراعاته المعتادة إلى جغرافيا أخرى وزمن مختلف، فيما تبقى الأسئلة نفسها: الخوف من الآخر، التعايش الثقافي، وعلاقة الفرد بسلطة الدولة حين تتحوّل إلى جهاز مراقبة وقمع مقنّع بالقانون والأخلاق.

هذه التيمات، الحاضرة بدرجات متفاوتة في مجمل أعمال مونجيو، تجعل من "فيورد" فيلماً يُسقط المسافات بين بلدان أوروبا المعاصرة، ويكشف كيف تتشابه البنى النفسية والسياسية مهما اختلفت الواجهات الحضارية. ما يطرحه الفيلم، على بساطة حبكته الظاهرية، بالغ التعقيد من الناحية الفكرية والثقافية، إلى حدّ يجعله مادة خصبة لسجالات لا تنتهي حول حدود السلطة، والتربية، والدين، وحق الدولة في التدخل في الحياة الخاصة.

الحكاية يمكن اختصارها في بضعة أسطر: زوجان (سيباستيان ستان وريناته رنسفه)، هو روماني وهي نروجية، يعيشان مع أطفالهما الخمسة في قرية نروجية نائية. العائلة متدينة، تلتزم طقوسا دينية تجعلها تبدو معزولة عن بقية سكّان القرية الأكثر تحرراً وحياداً في علاقتهم بالدين. غير أن الشكوك تبدأ بالتسلل حين يلاحظ بعض المدرّسين آثار كدمات على أحد الأطفال، فتتدخّل أجهزة رعاية الطفولة التابعة للدولة، التي تتعامل مع القضية بعقلية بيروقراطية صارمة، غير آبهة باعتراضات الأهل أو بالخلفيات الثقافية والدينية المحيطة بالحالة.

 

مونجيو أثناء تصوير الفيلم.
مونجيو أثناء تصوير الفيلم.

 

بعد نصف ساعة افتتاحية تبدو متعثرة ومفرطة في التمهيد، يتبلور الصراع الحقيقي للفيلم. إذ تقرر السلطات حجز الأطفال الخمسة ووضعهم تحت الرعاية، مما يدفع الوالدين إلى خوض معركة قضائية عبر الاستعانة بمحامية لمواجهة جهاز رسمي يبدو مقتنعاً مسبقاً بإدانتهما. من هنا، يتحوّل الفيلم إلى مواجهة خانقة بين الفرد والدولة، بين قناعات شخصية تعتبر نفسها بريئة، ومنظومة مؤسساتية ترى في أي اختلاف تهديداً ينبغي ضبطه.

براعة مونجيو لا تكمن في تقديم أجوبة، هو نفسه لا يملكها، وإنما في قدرته على إبقاء التوتّر الأخلاقي معلّقاً طوال الوقت. فهو لا يبرّئ العائلة بالكامل، ولا يدين الدولة، ذلك انه يترك المُشاهد داخل منطقة محايدة، حيث تختلط الحماية بالوصاية، والعدالة بالتعسّف، والرعاية بالظلم الذي تمارسه المؤسسات الحديثة باسم القانون.
كعادته، يعتمد المخرج أسلوباً واقعياً: كاميرا مراقِبة، حوارات طويلة، ومساحات صمت، وتموضع في الطبيعة. فنرى الآلية التي تستطيع عبرها الدولة أن تنتزع الأطفال من أحضان ذويهم، وهي مقتنعة تماماً بأنها تؤدي واجبها الأخلاقي.

هذا تحديداً من نوع الأفلام التي يصعب تخيّل إنتاجها في كثير من البلدان، ومنها العالم العربي، لأن القضية نفسها غالباً ما كانت ستُدفَن قبل أن تتحوّل إلى مادة للنقاش العام أو للسينما. حتى كريستيان مونجيو بدا واضحاً أنه ذهب بعيداً في البحث والتقصّي من أجل الإحاطة بالتفاصيل الدقيقة التي تخوّله رواية قصّة بهذا القدر من الحساسية والتشابك.

لكن ماذا يريد مونجيو فعلاً من "فيورد"؟ يمكن القول أولاً إنه يحاول الوقوف على مسافة واحدة من الجميع. فهو ينظر بعين نقدية إلى السلطة النروجية الليبيرالية، ويصوّرها جهازاً ومتعالياً على الأفراد، لا يختلف كثيراً، من حيث الآليات الذهنية، عن البيروقراطية القمعية التي تناولها عن الحقبة الشيوعية زمن تشاوشيسكو، وفي مقدمها عمله الشهير "أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان". هنا أيضاً تبدو الدولة مقتنعة تماماً بأنها تمارس "الصواب الأخلاقي"، فيما تتحوّل العدالة إلى شكل آخر من أشكال العنف الناعم.

في الوقت نفسه، يشرّع الفيلم باباً بالغ الحساسية يتصل بعلاقة الأقليات الثقافية والدينية بالمجتمعات الأوروبية الحديثة. إلى أي حد ينبغي للدولة أن تراعي الخصوصيات الثقافية للجماعات الوافدة؟ وهل يمكن القيم الدينية أو التقاليد المختلفة أن تشكّل استثناءً داخل المنظومة القانونية للدولة المضيفة؟ مونجيو يطرح هذه الأسئلة من دون أن يمنحها صياغة حاسمة. يتركها معلّقة في فضاء من الالتباس الأخلاقي الذي يغذّي الفيلم بأسره.

 

فيلم يثير النقاش.
فيلم يثير النقاش.

 

أما الفكرة الثالثة، وربما الأكثر إيلاماً، فهي أن الجميع يدّعي العمل من أجل "مصلحة الأطفال"، بينما الأطفال أنفسهم هم أكثر مَن يدفعون الثمن وسط هذا الاصطفاف الحاد بين العائلة والدولة، وبين الحرية الفردية والوصاية المؤسسية. في خضم المعركة القانونية والإيديولوجية، يتحوّل الأطفال إلى موضوع نزاع أكثر من كونهم ذواتاً حقيقية لها صوتها الخاص.

بهذه الأفكار المفتوحة على نقاش لا ينتهي، ينجز مونجيو فيلماً ذكياً، وإن بدا في النهاية أقرب إلى مسودة فكرية منه إلى عمل مكتمل فنياً. فالفيلم لا يبلغ الذروة الدرامية أو الكثافة الإنسانية التي عرفناها في أفضل أعماله، كما أن بناءه يظل متردداً أحياناً بين الطرح الفكري والسرد الواقعي. مع ذلك، تبقى قوته الأساسية في تذكيرنا مجدداً بأن "الحقيقة" أحياناً ليست سوى مسألة وجهات نظر متصارعة، وبأن كلّ طرف يمتلك منطقه الخاص، مهما بدا قاسياً أو متناقضاً.

في النهاية، "فيورد" لا يرتقي، في مقاربته للمجتمع الإسكندينافي، إلى مستوى بعض السينمائيين الإسكندينافيين الذين تناولوا هذه التناقضات من الداخل وبقدر أكبر من العمق. يكفي مثلاً استحضار النروجي داغ يوهان هوغيرود، صاحب "ثلاثية أوسلو"، الذي قدّم في فيلمه "أطفال" تفكيكاً بالغ الذكاء لمجتمع يعيش تحت وطأة نفاق التقدّمية الإسكندينافية، انطلاقاً من حادثة عنف يتعرض لها طفل. هناك، بدا النقد أكثر نفاذاً، لأن السينمائي يتحدّث من قلب التجربة نفسها، لا من موقع المراقب الخارجي. ومهما بلغت براعة مونجيو، يبقى أهل النروج أدرى ببلادهم.

الأكثر قراءة

لبنان 5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...
لبنان 5/19/2026 2:15:00 PM
اعتماد أحكام القانون الرقم 194 الصادر عام 2011 بالنسبة إلى المبعدين، واعتبار أحكامه نافذة
مجتمع 5/18/2026 8:51:00 AM
حضرت القوى الأمنية والأدلة الجنائية إلى المكان للتحقيق
مجتمع 5/18/2026 10:32:00 AM
البطريرك المزعوم جان عبود هو كاهن روم كاثوليك سابق تابع لأبرشية طرابلس، كان قد تم توقيفه من الخدمة الكهنوتية وفُرضت عليه العقوبات الكنسية.