تُواصل جوزيان بولس عنيدةَ الصمود في مقاومة الجمود والركود والجحود، وتُكمل رسالتها الفنية في مسرح "مونُّو"، مديرةً ومنتجةً وممثلةً ومخرجةً، في حركةٍ مثْمرةٍ إِبداعيًّا. وهي تُثْبتُ أَن العمل الثقافي أَبقى وأَرقى وأَنقى من العمل السياسي، وتاليًا يبقى متواصلًا بعد زمنه، فيما يغور العمل السياسي في النسيان بعد زوال زمنه.
النسخة اللبنانية
جديدُ جوزيان، منتجةً ومخرجةً، مسرحية "كاستِنغْ أَمْنيّ". اقتبَسها ديمتري ملكي من الفرنسية إِلى اللبنانية، في أُسلوب رشيق سريع متلاحق، عن مسرحية "مقابل المبنى المقابل" للكاتب والممثل والمخرج وكاتب الأَغاني الفرنسي جان شامپون (م. 1962). وهي نالت إِعجابًا ونجاحًا سريعَين عند تنفيذها في مدينة ليون بإِخراج باسكال دينْكا على "مسرح أُوديون للكوميديا" في 22 أَيار 2018.
وها النسخة اللبنانية، بعد 8 سنوات، انطلقَت أَيضًا في أَيار، ولأَسابيع مقبلة، مع شخصيَّتين لافتَتَيْن: بديع (علي بليبل) وعبد (جلال الشعار) في نسيج كوميدي ناجح جدًّا: الأَول ممثل فاشل غير مقْنِع، والآخر من رجال التحري بوليس فاشل غير مقْنع. ففيما هاجس عبد: مراقبتُه من نافذة بديع تحركاتٍ في المبنى المقابل المشبوه، كان هاجس بديع نجاحه صباح اليوم التالي في لقاء جلسة اختيار الممثل (كاستِنْغْ) لكي ينجح لاحقًا في اقتطاف "جائزة الأُوسكار لأَفضل ممثل".
كوميديا بوليسية
كلُّ ذلك في إِطار من الكوميديا البوليسية، نفَّذها الممثلان باحتراف مركَّز ودينامية إِيقاعٍ متراصٍّ لم يرتَخِ طوال العرض، ليؤَدِّيا مشهديةً راكضةً متعاقبةً لاهثةً بالنص والحركة، سريعةً من دون تسرُّع منفلت، متلاحقةً من دون قفز متعثّر، وفي تحريك التمثيل والأَداء بتوقيع جوزيان بولس باستحقاقٍ جديرٍ على لوحة الإِخراج.
علي بليبل ساعدتْه على أَدائه طواعيةُ جسمه وخفَّة تحركاته، فجاءت تعابيره الجسدية زلِقةً بنجاح في إِضافة تعابير وجهه، صامتةً وناطقةً، لتُرسِّخه في المتلقِّي كوميديًّا مخْلصًا للنص والإِخراج، يضيف إِلى أَعماله المسرحية السابقة حضورًا آخرَ يسجِّله في حياتنا المسرحية ممثِّلًا واثقًا بثباتٍ واستحقاق.
جمال الشعار عرف كيف يكون فظًا، وهو يتحرّى من النافذة كما وهو يشاكس صاحب البيت، ويظلُّ خفيفًا في تحركه وفي تسليس الحوار إِلى درجةٍ تبدو سهلة، لكنها خاضعةٌ لانضباط ليس من الكوميديا المباشرة لكنه يؤَدي إِليها، في لحظات من العمل تجعله واثقًا من أَدائه شخصية الدور.
جوزيان ضابطة الإِيقاع
الفرصة التي أَعطتْها جوزيان بولس لهذَين الممثلَين، نجحا في تنفيذها برشاقة مدروسة لافتة، وعرفْنا فيهما حضورَين واثقَين على خشبتنا المسرحية، واعدَين بندائهما لاحقًا جمهورًا يتابعهما في أَيِّ عمل مقبل.
تبقى جوزيان بولس في إِخراجها، ضابطةَ إِيقاع صارمة، في سينوغرافيا متكاملة، جعلَت هذا العمل، بممثلَين فقط، ينزلق عن الوقت حتى تمرَّ دقائقه بلُزوجة: لا لحظات بطءٍ في الحركة، ولا فراغ في الأَداء، ما يجعل إِخراجها في ذاته نجاحًا مستقلًّا لهذا العمل، أَمينًا لنص المقتبِس ديمتري ملكي في حواراته الكوميدية الرشيقة، حتى ليشكِّل العمل بكامله دائرةَ ضوءٍ نحتاجها وسْط ما نعانيه ونعاينه من عتمةٍ حولنا كثيرةٍ في هذا الزمن المالح.
نبض