يوسف بك كرم في قراءة إبراهيم شاكر: هل وُلد لبنان قبل قيام دولته؟

ثقافة 19-05-2026 | 12:28

يوسف بك كرم في قراءة إبراهيم شاكر: هل وُلد لبنان قبل قيام دولته؟

هل بدأت فكرة لبنان مع إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، أم أنّ جذورها الفكرية والسياسية تعود إلى القرن التاسع عشر؟
يوسف بك كرم في قراءة إبراهيم شاكر: هل وُلد لبنان قبل قيام دولته؟
تمثال يوسف بك كرم.
Smaller Bigger

بعيدًا من صورة البطل الشعبي التي ارتبطت باسم يوسف بك كرم لعقود، يحاول الدكتور إبراهيم شاكر في كتابه، إعادة طرح سؤال تأسيسي في التاريخ اللبناني: هل بدأت فكرة لبنان مع إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، أم أنّ جذورها الفكرية والسياسية تعود إلى القرن التاسع عشر؟ من خلال قراءة معمّقة لخطابات ورسائل يوسف بك كرم، يكشف الكتاب عن ملامح وعي وطني مبكر كان يتشكّل بين الانتماء إلى المشرق والسعي إلى تثبيت خصوصية الكيان اللبناني.

يشكّل كتاب "يوسف بك كرم والفكرة الوطنية اللبنانية: بين التصور المشرقي والوعي الكياني في القرن التاسع عشر" (دار "النهار") للدكتور إبراهيم شاكر، مقاربة فكرية وتاريخية تعيد قراءة شخصية يوسف بك كرم ومسيرته خارج الإطار التقليدي الذي حصره طويلًا في صورة "البطل الشعبي" أو "المقاوم المحلي" ضد العثمانيين. فالكتاب، كما يظهر من عنوانه وبنيته، لا يقدّم سيرة تقليدية، بل يذهب إلى تحليل أعمق لمسألة تشكّل الوعي الوطني اللبناني في القرن التاسع عشر، عبر تجربة يوسف بك كرم الفكرية والسياسية.

ينطلق شاكر من فرضية أساسية مفادها أنّ كرم لم يكن مجرد قائد عسكري أو إقطاعي ماروني تمرّد على السلطنة العثمانية، بل كان من الأوائل الّذين صاغوا تصوّرًا مبكرًا للبنان ككيان سياسي يتمتّع بخصوصية تاريخية وثقافية. ومن هنا تأتي أهمية العبارة المحورية في عنوان الكتاب: "بين التصور المشرقي والوعي الكياني". فالكاتب يحاول تتبّع التوتر الفكري الذي عاشته النخب اللبنانية في القرن التاسع عشر بين الانتماء إلى فضاء مشرقي أوسع، وبين تبلور فكرة لبنان كوطن مستقل ذي شخصية خاصة.

يُظهر الكتاب أنّ يوسف بك كرم كان يتحرك ضمن سياق معقّد: السلطنة العثمانية في حالة تراجع، التدخل الأوروبي يتصاعد، والمتصرفية تتشكّل بعد أحداث العام 1860، فيما كانت الطوائف اللبنانية تعيد تعريف علاقتها بالسلطة والهوية. وفي هذا المناخ، يرى شاكر أنّ كرم حاول التوفيق بين انتمائه المسيحي الماروني وبين فكرة وطنية لبنانية ناشئة تتجاوز العصبيّة الطائفيّة وتركّز على الحسّ الوطني اللّبناني كمنطلق لتحقيق "الحرية السياسية" ورفض التبعيّة الخارجية.

 

غلاف الكتاب. (دار النهار)
غلاف الكتاب. (دار النهار)

 

أحد أبرز جوانب الكتاب هو اعتماده على قراءة فكرية لوثائق يوسف بك كرم ورسائله السياسية، بدل الاكتفاء بالسرد البطولي الشعبي. فالكاتب يحلّل اللّغة السياسية التي استخدمها كرم، ويعتبر أنّ مفردات مثل "الوطن"، "الحرية"، و"الاستقلال" لم تكن مجرد شعارات عاطفية، بل كانت تعبيرًا عن إدراك مبكر لمسألة الكيان اللبناني. وهذا ما يجعل الكتاب دافعًا في النقاش الأوسع حول: متى بدأت الفكرة اللبنانية فعلًا؟ وهل وُلد لبنان مع دولة لبنان الكبير عام 1920، أم أنّ جذوره الفكرية والسياسية أقدم بكثير؟

كما يتوقف شاكر عند العلاقة الإشكالية بين يوسف بك كرم والمتصرفية. ففي حين اعتبر البعض أن نظام المتصرفية شكّل بداية الاستقرار اللبناني، يبيّن الكتاب أن كرم كان ينظر إليه أحيانًا كصيغة ناقصة عرقلت الطموحات الوطنية اللبنانيّة وخدمت التوازنات الدّولية أكثر ممّا عبّرت عن إرادة اللبنانيين. ومن هنا يبرز يوسف بك كرم، في قراءة شاكر، كصوت سيادي مبكر رفض تحويل لبنان إلى مجرد منطقة نفوذ دولي أو ساحة تسويات عثمانية- أوروبية.

ولا يكتفي الكتاب بالبعد السياسي، بل يربط تجربة كرم بالهوية الثقافية اللبنانية. فالمؤلف يناقش كيفية مساهمة البيئة المارونية في شمال لبنان، والعلاقة مع الكنيسة، والاحتكاك بأوروبا، في إنتاج وعي مختلف عن محيطه العثماني. لكنّه في الوقت نفسه يحاول تفادي القراءة الانعزالية الضيّقة، عبر الإشارة إلى أن يوسف بك كرم لم يكن يطرح لبنان ككيان معادٍ للمشرق، بل كوطن يمتلك خصوصيته ضمن المجال الشرقي الأوسع. لذلك فإنّ مفهوم "التصور المشرقي"  في الكتاب ليس نقيضًا للبنان، بل إطارًا حضاريًا تفاعل معه الوعي اللبناني الناشئ.

تكمن أهمية الكتاب أيضًا في توقيته. ففي مرحلة يعيش فيها لبنان أزمة هوية وكيان ودور، تبدو العودة إلى شخصيات القرن التاسع عشر محاولةً لفهم جذور المأزق اللبناني الحديث. ولهذا شددت الندوات التي أُقيمت حول الكتاب في زغرتا وإهدن على أنّ أهمية يوسف بك كرم اليوم لا تكمن فقط في رمزيته التاريخية، بل في الأسئلة التي يطرحها حول معنى الدولة والسيادة والهوية الوطنية.

أما على صعيد الأسلوب، فيجمع شاكر بين البحث الأكاديمي والتحليل السياسي التاريخي، مع محاولة واضحة لإعادة إدخال يوسف بك كرم إلى النقاش الفكري المعاصر، لا بوصفه "أيقونة تراثية" فحسب، بل كشخصية ساهمت في تأسيس فكرة لبنان الحديث. واللافت أن الكتاب يبتعد نسبيًا عن الخطاب العاطفي الذي طبع كثيرًا من الكتابات السابقة عن يوسف بك كرم، مثل الكتب البطولية والسِّير الشعبية التي ركزت على البطولة العسكرية والأسطورة الشعبية أكثر من التحليل الفكري.

في المحصّلة، لا يقدّم كتاب إبراهيم شاكر قراءة توثيقية فحسب، بل يفتح نقاشًا أوسع حول نشأة الوطنية اللبنانية وحدودها وعلاقتها بالمشرق. ومن خلال شخصية يوسف بك كرم، يحاول المؤلف الإجابة عن سؤال لا يزال حاضرًا حتى اليوم: كيف يمكن للبنان أن يحافظ على خصوصيته الكيانية من دون أن ينفصل عن محيطه التاريخي والحضاري؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...
مجتمع 5/18/2026 8:51:00 AM
حضرت القوى الأمنية والأدلة الجنائية إلى المكان للتحقيق
مجتمع 5/18/2026 10:32:00 AM
البطريرك المزعوم جان عبود هو كاهن روم كاثوليك سابق تابع لأبرشية طرابلس، كان قد تم توقيفه من الخدمة الكهنوتية وفُرضت عليه العقوبات الكنسية.