أنطوان السّبعلاني... نقيب الأوادم
ابتسام غنيمه
قال لي يومًا: "بدّي عرّفك عَ نصّ لبنان"، وعدّ أسماء كثيرة معروفة في مجالات شتّى. فأجبته: "شو بدّي بنصّ لبنان ما دام معي كلّ لبنان". فابتسم حتّى لامس الضّحك، وضاقت عيناه اللّتان عاينتا ألم شعب، ووطن، ومعلّم همّه البناء في خضمّ أفواه حيتان دأبها الالتهام.
نعم... إنّه لبنان!
استيقظت على خبر رحيل "نقيب الأوادم"، نقيب المعلّمين السّابق الشّاعر أنطوان السّبعلانيّ، فغصّت الدّمعة، ومرّت السّنوات وسط ضباب اللّحظة، ولذّة بوظة السّي سويت التي كانت تجمعنا كلّ أحد، وعاد صوته إليّ عبر الهاتف يوقظني من نومي ليقول لي: "ما بيعرف يكتب "خبز الكبرياء" إلّا اللي داق طعمو الشهي". يقصد مقالتي التي استوحت كتابه "أسئلة في الشّمس والكبرياء"، والتي كان يفتخر بها ويعدّها من أجمل ما كُتب عنه. لذلك، أستعيدها اليوم تذكرة عبور إلى عالم النّقيب السّبعلاني الحقيقيّ:
"خلعتُ حذائي وتجرّدتُ من ذاتي،
لا مالَ معي، ولا حِلي تزيّنُني،
أصبحتُ خفيفةً خفيفةً...
أمسكتُ خيوطَ لحيتكَ البيضاء، تلك الخيمة الزّرقاء،
وتسلّقتها إلى فوق، إلى فوق...
إلى عالمكَ عبد الله.
زيارة النّقيب أنطوان السّبعلاني أثارت حشريتي، فدفعتني لأترك عالم النّائمين "التّحت" وأنظر صومعتك. "هل هي "أشهى من صومعة جبران"؟
أردتُ أن أستفزّك لأخرجك من صمتكَ، أن أختبرَ قوّة إرادتك وزُهدك في الدّنيا، أن أسألك "أسئلة في الشّمس والكبرياء".
وصلتُ فراشةً... حططتُ فوق خيمتك، أنظر إلى خيوط لحيتك المتدلِّيَة، فرأيتُ الأرض. فاجأتني! لا يبدو منها إلّا عالم السّبعلانيّ الكبير الكبير، وهي صغيرة صغيرة. حجمها حجم الحذاء المجروح المتروك فيها و"على كعبه المال"، تنتعله الكبرياءُ بكبرياء، وتسير متجلّيةً، رافلةً في معطفها العتيق، تحمل رسالةَ التّعليم، رسالةَ الحبّ والعطاء، لتبيع الألف باء في ساحة الضّيعة وعلى أرصفة المدينة بالسّعر الحلال، ثمنَ خبزٍ ودواء لأولاد البائع المشرَّدين.
إنّه النّقيب يحمل حرفه المصلوب شعلةَ سناء، وينشر أشعاره على صفحات الجرائد كتابَ حرّيّة، لينضمّ إلى قافلة الشّعراء الذين "ينزلون أرض البشر غرباء، ويعيشون فيها غرباء".
رأيته يدخّن سيكاره ويحمل أكياس الطّبشور والقلم والدّفتر والجريدة، يأكل الخبز والزّبيب، ويفاخر بأنّه في ساحة الضّيعة ملك يُضاهي أهمّ رئيس جمهوريّة لأنّه رئيس لجنة المَيّ.
أثارني كرمُه على عَوَزه، يحلِّلُ كَرمَه طعامًا للعصافير، ويفتح أبواب حديقته كي لا يجوع إنسان. إنّه "حبّة زيتون إن طير شكا، وبيدر إن جاعت يد".
رأيته مشرَّدًا وعائلته كالغجر، ضريبة تكلّفها ثمن كلمته الحرّة. يعاني البرد في "غربة الشّوارع": برد المشاعر المتجمّدة من حوله، بردَ الأيّام القاسية التي ألقت وِزرها فوق كاهله، بردَ العنصريّة والتّعصّب، بردَ العاطفة الخشبيّة التي اشترت سوارَ ذهب لم يستطع أن يفتديَه لأنّ "الخبز والكبرياء أشهى من الذّهب"، بردَ عشيرة كونيّة تعيش من دون لغة ولا نبيّ.
ها هو يهرول إلى أولاده ليغطّيهم فالثّلج على الأبواب، وإلى حديقته ليسقيَها، وإلى الحرّيّة في سجن "التّحت" لينثر كلماته "رسالة حبّ" و"بيدر حبّ".
عالمك عبدَ الله رأيته من فوق، وصوتك سمعته في صمت أطفال قانا وخانوق أولاد عرسال، في قصيدة مطعونة وقيود سجّان...
إبقَ في صومعتك متنسّكًا صامتًا! سأتركك متزحلِقَةً على خيوط لحيتك، وأعود سريعًا إلى سجن الحرّيّة، إلى حديقة النّقيب، لأتعلّم من حروف كتابه المصلوبة الألف باء، وأدفأ في ظلّ خيمته التي تضاهي خيمتك زرقةً، وأتناول من على مائدته خبزَ الكبرياء".
ما ألذّ خبزك نقيب... كم سنفتقده...
تعازيّ إلى عائلتك الرّائعة التي أكلت من خبزك حتّى التّخمة...
إلى كلّ مَن عرفك وتتلمذَ على يديك...
إلى قلم تيتّم...
إلى وطن بحَّ فيه صوتُ حقٍّ برحيلك...
وأعزّي نفسي بالرّجاء؛ أوَلسنا أبناء القيامة والحياة؟!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
المسّ بركائز وثيقة الوفاق الوطني –سواء بطريقة مباشرة عبر طرح مشروع "المُثالثة"، أو بطريقة ملتوية عبر المناداة بتطبيقٍ ملتوٍ للطائف تحت شعار تطبيقه "كاملاً" – قد يُدخل البلاد في سجالٍ يدفع بها نحو الحرب الأهلية...
نبض