كانّ 79 - "نمر من ورق": جيمس غراي ينسج تراجيديا هيتشكوكية من حطام الحلم الأميركي

ثقافة 18-05-2026 | 23:05

كانّ 79 - "نمر من ورق": جيمس غراي ينسج تراجيديا هيتشكوكية من حطام الحلم الأميركي

فيلم بديع يُعدّ إحدى قمم هذه الدورة من مهرجان كانّ السينمائي.
كانّ 79 - "نمر من ورق": جيمس غراي ينسج تراجيديا هيتشكوكية من حطام الحلم الأميركي
“نمر من ورق“ لجيمس غراي.
Smaller Bigger

يعود جيمس غراي، آخر ورثة الكلاسيكية الأميركية وأعظمهم، مع فيلم بديع يُعدّ إحدى قمم هذه الدورة من مهرجان كانّ السينمائي: "نمر من ورق" المنافس على "السعفة الذهب". الحكاية بسيطة جداً، والكتابة السيناريستية والبصرية تمضي على هدى هذه البساطة، لكنها بساطة تُخفي تحت سطحها أزمة داخلية تتصاعد إلى الذروة بدءاً من منتصف الفيلم. نعدكم بأن الفيلم سيشهد من ذلك التصعيد الكثير!

يموضع غراي أحداث "نمر من ورق" في الثمانينات، كما الحال في فيلمه الأول "ليتل أوديسّا"، ليروي تورّط شقيقين مع المافيا الروسية بعد محاولة إقامة بزنس معها. خطوة كانت محسوبة جيداً من الشقيق الأول لكن الشقيق الثاني يخل بها. أو على الأقل هذا ما يقنعنا الظاهر من الأشياء. 

أحد الأخوين شرطي سابق (آدم درايفر)، والثاني مهندس (مايلز تيلر). الأول مطلّق، أما الثاني فيعيش حياة مستقرة مع عائلته المؤلّفة من ولدين وزوجة (سكارليت جوهانسون). لكن هذه العائلة مهدّدة بانزلاقات خفية لا تحتاج سوى إلى شرارة.

 

آدم درايفر في “نمر من ورق“.
آدم درايفر في “نمر من ورق“.

 

مستنداً إلى تقاليد الفيلم "النوار"، جامعاً إياه مع لمسة من التراجيديا الإغريقية، يحبس الفيلم أنفاسنا بسرد متقن يمضي بإيقاع جهنّمي إلى حتمية المصير. كنّا نعلم أن أعظم الأفلام تولد من أبسط القصص، لكن غراي يعيد تذكيرنا بهذه البديهية وكأنها تُكتشَف من جديد. 

في أدبيات رجال المافيا، مَن يعبث بوكر الدبابير لا بد أن يدفع الثمن. سنظل نترقّب تداعيات ذلك الانفجار رغم معرفتنا بذلك. نترقّب لنلعم أين ومتى وكيف سيحدث ذلك. تماماً كما عند هيتشكوك، يهيّئ الفيلم هذه الأرض منذ اللحظة الأولى. الباقي ليس سوى انتظار.

كان هيتشكوك يقول إن المهم ليس كيف يبدأ الفيلم بل كيف ينتهي. وغراي يبرع في كليهما، في الافتتاح كما في الخاتمة. أما القول إنه لن يخيب الآمال فهذا يبدو من البديهيات، لأن الفيلم ينجح أساساً في بناء نهايته منذ لحظاته الأولى، من خلال شخصيات محكومة عليها مسبقاً، تغلب عليها الرعونة وسوء الطالع، تلك السمة العزيزة على قلب النقّاد.

 

درايفر وغراي وتيلر في كانّ.
درايفر وغراي وتيلر في كانّ.

 

في ساعتين، يسترجع غراي كلّ الأجواء التي شُيِّدت عليها سينماه. يبقى رابط الدم هو الموضوع الأساسي لسينماه. فنحن هنا أمام عائلة تواجه خطراً شديداً تنتج منها معضلة، والفيلم يكرّس جلّ اهتمامه لتتبّع تفاعل افرادها مع هذا الحادث الذي سيهزّ الاستقرار الذي تطمح له شلة من البشر الواهمين.

هذا فيلم عن الحلم الأميركي أو بالأحرى حطامه. تلك الزجاجة البراقة التي عمل عشرات السينمائيين على تحطيمها. لكن لا تسألوني لماذا عند جيمس غراي للأشياء تأثيرٌ أكبر. هل لأنه شديد الالتصاق بهذا العالم ويعرفه جيداً؟ هل سينماه تحمل الخطيئة الأصلية؟ هذا كله يمنع من ان يتحول "نمر من ورق" مجرد فيلم آخر عن هذا الحلم.

يضعنا السيناريو داخل بازل متداخل. لا لحظة تبدو ضائعة أو اعتباطية، فكلّ شيء فيه مُهندَس بعناية ليقودنا نحو خاتمته المنتظرة على طريقة الكبار، من سكورسيزي إلى كوبولا، وهما اسمان أغلب الظنّ انهما كانا مرجعين لغراي. 

بصرياً، ماذا عسانا أن نقول؟ تحريك الكاميرا فنّ عند غراي. سواء على مستوى الكادرات، أو زوايا التصوير، أو الألوان، أو الأجواء التعبيرية، كلها تتراكم لقطة بعد لقطة لتتحول إلى انعكاس مباشر للحس السوداوي الحكاية، بل لما يعتمل في نفوس الشخصيات من مشاعر آيلة إلى الانفجار، ولكنها لن تنفجر، لأن روعة غراي تقوم أيضاً على هذه اللغة السينمائية التي تقف على الحافة. 

بدلاً من أن يكون للموسيقى حضور دائم، تختار أن تتخفّف من ذاتها، فتغيب حيناً وتحضر حيناً آخر، نابشةً من الريبرتوار الكلاسيكي حيناً وفي الأناشيد الأرثوذكسية حيناً آخر، وفي كلّ الأحوال يعرف المعلّم أين يضعها وأين يحذفها، مكتفياً بالصمت حين يكون أبلغ.

كلّ هذا يفضي إلى سينما ليريكية صافية، لا مجال لمقارنتها بأي محاولة أخرى من هذا النوع، سينما تُدار بوعي كامل لحدودها وقدرتها وتأثيرها، وتشتغل على التوتّر والايقاع بقدر ما تشتغل على الصورة والصوت.

أخيراً، لماذا نحن، محبّي غراي، نحبّ غراي؟ هذا الذي ليس نبياً في بلاده، من السينمائيين الذين يذكّروننا كلّ مرة بروعة السينما ولماذا هذا الفنّ لا يزال مؤثّراً بعد 130 عاماً على اختراعه. فما بالك اذا كان جاء هذه المرة بعمل أشبه بخلاصة أعماله. إنها السينما الأميركية في أبهى تجلياتها، تلك التي ترفض رفضاً قاطعاً أي نوع من أنواع العدمية، وتتمسّك بالفنّ كمساحة للتأمّل والعاطفة، ومن دون أدنى حنين إلى الماضي.

الأكثر قراءة

لبنان 5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...
مجتمع 5/18/2026 8:51:00 AM
حضرت القوى الأمنية والأدلة الجنائية إلى المكان للتحقيق
مجتمع 5/18/2026 10:32:00 AM
البطريرك المزعوم جان عبود هو كاهن روم كاثوليك سابق تابع لأبرشية طرابلس، كان قد تم توقيفه من الخدمة الكهنوتية وفُرضت عليه العقوبات الكنسية.