ثلاث روائع سينمائية في كانّ: عودة إلى أشباح القرن العشرين

ثقافة 18-05-2026 | 11:29

ثلاث روائع سينمائية في كانّ: عودة إلى أشباح القرن العشرين

في الأفلام الثلاثة تتكرر الهواجس نفسها في صيغ وأساليب مختلفة.
ثلاث روائع سينمائية في كانّ: عودة إلى أشباح القرن العشرين
"نمر من ورق" لجيمس غراي.
Smaller Bigger

ثلاث روائع سينمائية تلتفت إلى الماضي عُرِضت في الأسبوع الأول من مهرجان كانّ السينمائي (12 - 23 أيار/مايو). من "نمر من ورق" للأميركي جيمس غراي إلى "أرض الأجداد" للبولندي بافل بافليكوفسكي (كلاهما في المسابقة) و"العصر الذهب" للفرنسي بيرينجيه توان (كلاسيكيات كانّ)، تتكرر الهواجس نفسها في صيغ وأساليب مختلفة، انطلاقاً من العائلة والتاريخ وأشباح القرن العشرين، والكيفية التي يجب على السينما ان تجسّدها. 

"نمر من ورق" لجيمس غراي 
يأتي جيمس غراي، آخر ورثة الكلاسيكية الأميركية وأعظمهم، مع فيلم بديع يُعدّ إحدى قمم هذه الدورة. الحكاية بسيطة جداً، والكتابة السيناريستية والبصرية تمضي على هدى هذه البساطة، لكنها بساطة مخاتلة، تخفي تحت سطحها الكثير. في الثمانينات، يتورّط شقيقان أميركيان مع المافيا الروسية بعد محاولة إقامة بزنس معها. أحدهما شرطي سابق (آدم درايفر)، والثاني (مايلز تيلر) مهندس. الأول مطلّق، أما الثاني فيعيش حياة تبدو مستقرة مع عائلته. لديه ولدان وزوجة (سكارليت جوهانسون)، في إطار أسرة هادئة ظاهرياً، لكنها مهدّدة بانزلاقات لا تحتاج سوى شرارة واحدة. من خلال تقاليد الفيلم "النوار" معطوفة على تراجيديا إغريقية، يقدّم الفيلم سرداً يمضي بإيقاع جهنّمي محسوب بدقّة، يخطف الأنفاس طوال ساعتين. كنّا نعلم أن أعظم الأفلام تُصنَع غالباً من أبسط القصص، لكن غراي يعيد تذكيرنا بهذه البديهية وكأنها تُكتشَف من جديد. نعلم أيضاً أن مَن يعبث بوكر دبابير لا بد ينتظر الأسوأ، ومع ذلك نظلّ نترقّب: أين ومتى وكيف سيحدث ذلك، تماماً كما في أفلام هيتشكوك، إذ يهيّئ الفيلم الأرض التراجيدية منذ اللحظة الأولى. مسنوداً بشخصيات محكومة عليها مسبقاً، تتّسم بشيء من الرعونة، تلك السمة العزيزة على قلب النقّاد، يسترجع غراي، في ساعتين، كلّ ما سبق أن شُيِّدت عليه سينماه، وفي صدارتها: رابط الدم. فنحن هنا أمام عائلة تواجه خطراً شديداً، والفيلم يكرّس جلّ اهتمامه لتتبّع تفاعلها مع هذا الحادث الذي سيهزّ الاستقرار. هذا كلّه يفضي إلى سينما ليريكية صافية، لا مجال لمقارنتها بأي محاولة أخرى من هذا النوع، سينما تُدار بيد معلّم، وتشتغل على التوتّر بقدر ما تشتغل على الصورة والصوت. 

 

“دوُا“، فيلم من كوسوفو.
“دوُا“، فيلم من كوسوفو.

 

"العصر الذهب" لبيرينجيه توان 
سيرة متخيّلة لجانّ لافور (سهيلة يعقوب) التي ستتحوّل لاحقاً إلى كونتيسة دو بارانت. من فيضان باريس الكبير إلى سنوات الاحتلال النازي لفرنسا، يتنقّل الفيلم بالبطلة المضادة بين انهيارات الطبيعة وانكسارات السياسة، لنعي كم أن مصيرها الفردي لا ينفصل عن اهتزازات العالم من حولها. يفتتح الفيلم، الذي أمضى مخرجه عشر سنوات في إنجازه، بما يشبه التحذير الشعري: "الواقع يعبر هذه الصور من دون أن يتعرّف إلى نفسه". بضع كلمات تكفي لوضع المتفرّج في مناخ العمل. ذلك أن جزءاً غير يسير من الفيلم أُنجز عبر إدماج صور أرشيفية. مهما ارتفعت مكانة البعض، فإن الزمن يظلّ القوة الكبرى والأكثر قسوة، يعصف بالجميع في النهاية. 

"أرض الأجداد" لبافل بافليكوفسكي
فيلم أقرب إلى صلاة سينمائية. كلّ لحظة محمّلة جلال الفنّ السابع وفتنته، ويمكن اعتباره درساً سينمائياً بليغاً، ولا سيما قياساً إلى الزمن المحدود الذي يملكه كي ينسج، باقتصاد مدهش، علاقة معقّدة بين العائلة والوطن والعالم، من دون أن يفقد توازنه أو صفاءه الفنّي. تأخذنا الأحداث إلى عام 1949، واضعاً الكاتب الألماني الحائز نوبل، توماس مان (هانز زيخلر) وابنته إيريكا (ساندرا هولر) في قلب رحلة عبر ألمانيا الخارجة لتوّها من أهوال الحرب. خلال هذا المسار، يظهر توماس مان في هيئة المتكلّم الدائم، والصامت أحياناً، يلقي المحاضرات والخطب في محطات مختلفة، مستحضراً رموز الأدب الألماني، وفي مقدّمهم غوته، في محاولة لردم الهوّة بين حاضر مأزوم وإرث ثقافي طويل. يستند أسلوب بافليكوفسكي إلى تقشّف بصري صارم، وإلى بناء مشهدي يقوم على الاقتصاد في الحركة والحوار داخل عالم جامد ذي تكوينات مربّعة خانقة.

***

ثلاثة أسئلة إلى بليرتا باشوللي…
أطفال الحروب يعرف بعضهم بعضاً من إشارة، من الخوف ذاته وذاكرة الصدمة التي تبقى رغم تبدّل الأمكنة. من هذه المسافة بين البراءة والعنف تنطلق المخرجة الكوسوفارية بليرتا باشوللي في "دوُا"، المعروض في “أسبوع النقّاد” في كانّ. 

* في أي لحظة بدأتِ تشعرين أن ما عشتموه في التسعينات في كوسوفو يمكن أن يتحوّل إلى فيلم؟
أفكّر بهذه القصّة منذ زمن طويل. لكني لم أكن مستعدّة لأن يكون هذا أول أفلامي. وربما كنتُ خائفة. وعندما انتهيتُ من "خلية النحل" ونال ذلك الاعتراف، قلتُ لنفسي: أشعر أن من المهم أن تُروَى. وددتُ أن أظهر أن المراهق الذي يعيش في منطقة حرب يشبه أي مراهق آخر في العالم. ما يحدث في كوسوفو ليس شيئاً منفصلاً عن بقية العالم.

* كيف عثرت على بطلة الفيلم بينيها ماتوشي؟ 
والدتها الممثّلة أدريانا ماتوشي اقترحتها عليّ. جرّبتها أكثر من مرة. ورغم أن الاختبارين الأولين لم يكونا جيدين، بقيت عالقة في ذهني. أحبّ الممثّلين الحاضرين بقوة، أولئك الذين يقولون الكثير بعيونهم ووجوههم. طبعاً، أنتَ تحتاج إلى العاطفة والحوار الجيد، لكن في فيلم يرتكز بالكامل على شخصية واحدة، والكاميرا فيه ملازمة للبطلة، كنت في حاجة إلى شخص محدّد جداً.

* لا تزال كوسوفو شبه غائبة عن السينما. هل تشعرين أن عملكِ محاولة لحفظ ذاكرة ووجوه؟
نعم. أريد أن تُرى قصصنا ويُسمع صوتنا. أثناء الحرب، كنتُ أشعر بأن العالم لا يعرف شيئاً عنّا. لم يكن هناك إنترنت. وفي مرحلة ما، عندما أصبح الوضع خطيراً جداً، أُخرج الصحافيون من البلاد، فشعرنا أننا أصبحنا وحيدين تماماً. أريد للناس أن يعرفوا عنّا. كثيرون لا يعرفون حتى أين تقع كوسوفو. لكننا موجودون. نحن نعيش، نحن شعب مليء بالشغف. أريد أن أتحدّث عن ذلك.

***

أصغر فرهادي تحت نار النقّاد!
في جديده "حكايات موازية" (مسابقة)، يبتعد المخرج الإيراني أصغر فرهادي عن واقعيته المعهودة ليغرق في التباس بين الوعي والوهم من داخل شقّة باريسية لروائية منعزلة تتلصّص على جيرانها. دخول شاب إلى حياتها، يفتح لعبة مراقبة متبادلة، لكنها تتحوّل تدريجاً إلى متاهة سردية مرهقة. رغم أداء إيزابيل أوبير وآدم بيسا وفيرجيني إيفيرا، يبقى العمل مفكّكاً ولا معنى له خصوصاً نظراً لطوله. الفيلم يستند أكثر ممّا ينبغي إلى مرجعيات سينمائية سابقة بدل أن يصنع لغته الخاصة، ولم يسبق لصاحب "عن إيلي" أن حظي بهذا القدر من الآراء السلبية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الولايات المتحدة 5/17/2026 12:57:00 PM
مستشار المرشد الإيراني: تهديدات ترامب التي تؤججها تل أبيب تُمثّل فخاً استراتيجياً
لبنان 5/17/2026 9:48:00 AM
غارات إسرائيلية متواصلة على قرى جنوب لبنان والبقاع الغربي
لبنان 5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...