جداريات بغداد تؤرّخ حقباً وتحكي ذاكرة العراق
لم يأت فن الجداريات لسد فراغات في الشوارع، بل كان يجسد مشاعر ومشاهد عاشها الشعب وأغلبها مرتبط بعلاقة الفرد بالسلطة، وكثير منها يجسّد أحداثاً سياسية...
بغداد – آية القيسي
يُعدّ فنّ الجداريات في العراق، ولا سيما في بغداد، تمثيلاً حقيقياً لحقب عديدة مرّ بها البلد، إذ بدأ الرسّامون العراقيون يفكّرون منذ مطلع الستينيات في جعل أعمالهم تحفاً فنّية في الشارع، متمايزة عن النُّصُب الفنية. فالجداريات هي كل ما يُشغل على الجدران من مواد الخزف وغيرها، أما النُّصُب فهي مجسمات منحوتة غالبيتها من النحاس على الحجارة.
لم يأت فن الجداريات لسد فراغات في الشوارع، بل كان يجسد مشاعر ومشاهد عاشها الشعب وأغلبها مرتبط بعلاقة الفرد بالسلطة، وكثير منها يجسّد أحداثاً سياسية. ولم يكن هذا كله دوماً برغبة من الفنانين ذاتهم، إذ كان للسلطات يد واضحة بإجبار كثيرين منهم على تجسيد فترة حكم زعيم ما أو "انتصاراته" وحروبه، ومن يعصى الأوامر يواجه العقاب، وقد يكون مثلاً حكماً بالإعدام كما حصل مع الفنان العراقي رفعت الجادرجي في فترة حكم أحمد البكر في نهاية السبعينيات، بعد رفضه بناء نصب لا يتلاءم مع أفكاره، ليطلق سراحه بعد ذلك صدام حسين، وفق ما كتبت زوجته بلقيس شرارة في مذكراتها.
كانت تلك الفترات زاخرة بالأعمال الجدارية. وظهرت أسماء أصبحت في ما بعد رائدة في هذا الفن. نتحدث مثلاً عن فائق حسن الذي يلقب بـ"أب الفن التشكيلي"، وهو صاحب أول جدارية تُنصب في بغداد، حتى أن الشاعر سعدي يوسف كتب قصيدة طويلة عنوانها "تحت جدارية فائق حسن". وأيضاً يعدّ الفنان شمس الدين فارس واحداً من أهم فناني الجداريات، وقد أعدم في ثمانينيات القرن الماضي بسبب تذمره من الحرب العراقية – الإيرانية، وهو صاحب جدارية واجهة سينما بابل في شارع السعدون، حتى أزيل اسمه منها لاحقاً لينسب إلى أحد معامل الطابوق.

أما الفنان الراحل غازي السعودي مؤسس فن الجداريات في كلية الفنون الجميلة فهو صاحب الرصيد الأكبر من الجداريات التي تركها لنا على جدارن بغداد، وتميزت أعماله بتطويع الخزف والموزاييك معاً.
لكن جميع ما اشترك به فنانو النصب والجداريات في العراق هو دراستهم الأكاديمية خارج البلاد من خلال منح حكومية آنذاك، مما ساعدهم في تحويل شغفهم وهوايتهم إلى إرث ثقافي وحضاري بقي إلى اليوم يشكل جزءاً أساسياً من ذاكرة الفرد العراقي.
وإلى اليوم، تشهد مناطق عديدة من بغداد مبادرات من فنانين وشباب لتزيين جدرانها برسومات تضخّ روح البهجة والأمل في الشوارع، وهي تختلف عن جداريات النحاس والبرونز، لكنها تعكس شغفاً كبيراً بإخراج الجدران عن صمتها.
نبض