كانّ 79 - "الفتاة المجهولة": الحياة من عتبتها الأولى

ثقافة 17-05-2026 | 20:38

كانّ 79 - "الفتاة المجهولة": الحياة من عتبتها الأولى

تشارك الصينية دزو جينغ في مهرجان كانّ السينمائي، قسم "أسبوع النقّاد"، عبر فيلم "الفتاة المجهولة".
كانّ 79 - "الفتاة المجهولة": الحياة من عتبتها الأولى
لي غانغشي في "الفتاة المجهولة".
Smaller Bigger

يصوّر "الفتاة المجهولة" للصينية دزو جينغ، المشارك في مهرجان كانّ السينمائي، قسم "أسبوع النقّاد" (12 - 23 أيار/مايو)، الطفولة واليفاعة على قدم مساواة مع خبرة الكبار في السنّ، في مقاربة تستحضر مقولة سارتر الشهيرة: "الجحيم هي الآخرون"، حيث يغدو التماس مع الآخر، منذ البدايات الأولى، لحظة تأسيس للمأزق الوجودي.

ليست هذه النظرة إلى الطفولة استثناءً، إذ تتردّد أصداؤها في عدد من أفلام هذه الدورة من المهرجان، تلك التي تسعى إلى ردّ الاعتبار الى مرحلة عمرية تتشكّل فيها ملامح الإنسان، حدّ أنها ترسم مسارات حياته اللاحقة على نحو يجعل الإفلات من آثارها أمراً عسيراً، إن لم يكن مستحيلاً.
من خلال سلسلة مشاهد ذات نزعة "بريسونية" (إحالات واضحة على أسلوب روبير بريسون)، نجد أنفسنا نُلقى في قلب بيئة صينية تنقلنا إليها المخرجة الصينية دزو جينغ في أولى تجاربها الروائية الطويلة، وتنم عن صوت سينمائي واثق، يتركنا في حال ترقّب حقيقي لما ستقدّمه لاحقاً.

يتتبّع الفيلم، المستلهم من سيرة جدّة المخرجة، وعلى امتداد أكثر من ساعتين، مسار جينجان (لي غانغشي)، من الطفولة حتى المراهقة، في سيرة تنأى عن النمطية وتلامس حدود القسوة الوجودية. جينجان تجد نفسها موزّعة على ثلاث عائلات متعاقبة، ستُجرَّب مصائر مختلفة من دون أن تستقر في أيٍّ منها. أي من هذه البيئات، على اختلافها، لن تنجح في أن تهبها ما تحتاجه حقّاً، على الرغم من مظاهر الحنان والعطف التي أُحيطت بها. يبقى النقص، أكثر حضوراً من كلّ أشكال الرعاية.

من قلب هذه الرحلة الشاقة، المفعمة بالألم والانكسار، تتشكّل جينجان من جديد: تتعلّم أن تكون نفسها، عبر تكرارٍ مُلحّ لسؤال وجودي يكاد يتحوّل إلى لازمة: "مَن أنا؟". منذ نعومة أظفارها، تتعلّم جينجان ألا تساوم، ولكن أن تواجه العالم بنديّة. هكذا تنمو أمام أعيننا، عبر قفزات زمنية ولكن أيضاً من خلال كتابة بصرية دقيقة تجسِّد التحوّل من طور إلى آخر.

تكمن إحدى أبرز نقاط قوة الفيلم في هذه الشخصية المحورية الصلبة والاستثنائية، التي لا تكتفي بقيادة السرد، ولكنها تضخّ فيه فرادته وتمنحه نبرته الخاصة. وإلى جانب ذلك، يتنفّس العمل روح السينما من كلّ مفاصله: صورة غنية بالتفاصيل، وحسّ إخراجي قادر على التقاط مادة حكائية عادية وصقلها حتى تغدو ذات قيمة جمالية وإنسانية.

 

طفلة تجد نفسها موزّعة على ثلاث عائلات.
طفلة تجد نفسها موزّعة على ثلاث عائلات.

 

يتعزّز هذا الأثر بإطار بصري مُحكم، تُبنى داخله الأحداث بعناية لافتة، بحيث تستغني الشخصيات عن فائض الحركة أو الفعل المباشر. ولا مبالغة في القول إن المخرجة تقدّم، في هذا السياق، درساً في الايجاز البصري، في زمن ترفع فيه أفلام كثيرة شعار "يحيا المزيد لا القليل".

صحيح أننا قد نُخدع في البدء بانطباع يوحي بأننا إزاء تمهيد طويل لفيلم لن يبدأ أبداً، غير أن هذا الظنّ سرعان ما يتبدّد مع تماسك النسيج الدرامي. فالصبر هنا شرطٌ جمالي لالتقاط إيقاع العمل. ونحن، في نهاية المطاف، داخل حساسية آسيوية تُحسِن كبت الانفعالات وترويضها، حتى حين تندلع بين الحين والآخر على هيئة ومضات.

هذا فيلم عن الحياة، لكنه لا يطرق أبوابها الخلفية، ولكنه يدخلها من عتبتها الأولى: من لحظتها التأسيسية، حين لا يزال العود طرياً، وحين تكون الروح في أمسّ الحاجة إلى سند يحميها. مع ذلك، تعثر جينجان على ملاذها في الرقص. انه بالنسبة اليها متنفّس يخفف الفوضى الداخلية. فالفيلم، بحساسيته الواقعية، يرفض تحويل الشغف إلى معجزة، ويذكّر بأن ما يخفّف وطأة الحياة ليس بالضرورة ما يفتح أبواب النجاة.

هل نحن ما أراده لنا أهلنا؟ سؤال يتردّد بإلحاحٍ فيما تتبلور الحكاية، إلى جانب أسئلة أخرى مثل: مَن الذي يصوغ هويتنا، مَن أنجبنا أم مَن ربّانا؟ السؤال الأخير سبق أن عالجه المخرج الياباني كوريه إيدا في "ثم أصبح أباً".

"الفتاة المجهولة" هو أيضاً فيلم مسكون بفكرة الرحيل المجهَض، عبر التنقّل من بيت إلى آخر، ومن حضن عائلي إلى آخر، بلا استقرار يطمئن إليه، متحوّلاً في لونه وإيقاعه وهواجسه. ومن خلال هذا الترحال الدائم، يحاول الفيلم أن يقول شيئاً عن جيل ولد في الثمانينات، وشهد أفول عالم قديم بكلّ يقينياته، وظلّ معلقاً على الحدّ الفاصل بين ألفيتين، لا ينتمي تماماً إلى ما مضى ولا إلى ما تلاه. فكرة يختزلها العمل في عبارة ترد على لسان إحدى الشخصيات: "كلّ شيء وهم". ولأننا أمام حكاية تسعى إلى التطهير، فلا بد أن تنتهي عند لحظة رمزية: شاطئ البحر، حيث تلتقي الفتاة المجهولة بمجهول بلا حدود.

 

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.
فن ومشاهير 5/14/2026 12:23:00 PM
يبدو أن الأحداث الأخيرة في حياة هؤلاء الإعلاميين قد أثّرت بشكل كبير على متابعيهم وجمهورهم...