كانّ 79 - "دوُا": كوسوفو التسعينات زمن لتأكل البراءة

ثقافة 16-05-2026 | 15:24

كانّ 79 - "دوُا": كوسوفو التسعينات زمن لتأكل البراءة

تعود المخرجة الكوسوفارية بليرتا باشوللي إلى "أسبوع النقّاد" في مهرجان كانّ السينمائي.
كانّ 79 - "دوُا": كوسوفو التسعينات زمن لتأكل البراءة
"دوُا" لبليرتا باشوللي المعروض في "اسبوع النقّاد".
Smaller Bigger

أطفال الحروب يعرف بعضهم بعضاً من إشارة. مهما تباعدت المسافات، واختلفت الجغرافيا وتبدّلت خرائط الصراع، يبقى هناك خيطٌ خفيّ يجمعهم: صوت القنابل، الخوف الذي يتكرّر بصيغٍ مختلفة، وذاكرة الصدمة التي تُخزَّن. لكن إلى جانب ذلك كله، تفاصيل أخرى تتسرّب: أول قبلة، معارك طفولية، لحظات صغيرة تبدو عابرة لكنها تظلّ عالقة في الذاكرة كأنها علامات نجاة داخل زمن معطوب. هذه المفارقات هي ما ينهل منه فيلم "دوُا" للمخرجة الكوسوفارية بليرتا باشوللي، التي سبق أن لفتت الأنظار في أول أعمالها "خلية نحل"، الفائز بثلاث جوائز رئيسية في مهرجان سندانس السينمائي. وها هي تعود اليوم إلى "أسبوع النقّاد" في مهرجان كانّ السينمائي (12 - 23 أيار/مايو)، مع جديد يتقدّم بثبات نحو تحرره الجمالي في فصله الأخير، رغم ما يشوبه أحياناً من تعثّرات أو نقاط ضعف بنيوية لا تُفقده تماسكه، ولا تحدّ من قدرة المتلقي على التفاعل معه والانخراط في عالمه. فالفيلم، في جوهره، يظلّ مشدوداً إلى تلك المسافة بين الذاكرتين الفردية والجماعية، حيث تتجاور البراءة مع العنف، في نسيج واحد لا ينفصل بسهولة.

تمضي مراهقة في عتمة ليل دامس داخل أحد نوادي بريشتينا (عاصمة كوسوفو) الليلية. إنها دوُا، التي تؤدّي دورها ببراعة الشابة بينيجا ماتوشي، بوجه صامت يكاد يُختزَل فيه الفيلم بأكمله، وجهٌ لا يغيب عن الشاشة طوال ساعتين، ويفرض حضوره كمركز الثقل البصري والعاطفي للعمل، إلى درجة أنه يظلّ آخر ما يرافقنا قبل مغادرة الصالة. هذا الوجه، بما يحمله من سكون، يطبع الفيلم من بدايته حتى نهايته. 

 

بينيجا ماتوشي، وجه صامت يكاد يُختزَل فيه الفيلم بأكمله.
بينيجا ماتوشي، وجه صامت يكاد يُختزَل فيه الفيلم بأكمله.

 

كما الحال في فيلم "الفتاة المجهولة“ (معروض في القسم نفسه)، تتعلّم دوُا العالم على حسابها الخاص، بعد أن تكتشف أن ما يؤلمها حقّاً لن يُعالَج إلا بما تملكه هي وحدها: حدسها، وصبرها، وقدرتها على التحمّل. وفي هذا السياق، تقدّم ماتوشي ما يُعرف في لغة السينما بـ"الحضور"، ذلك العنصر غير القابل للتفسير أو القياس.
تدور الأحداث في أواخر التسعينات، حين كانت الطائرات الأميركية تستعد لقصف مواقع صربية في خضمّ حرب دامية تُعيد التذكير، مرةً أخرى، بمدى قابلية التاريخ للتكرار، وبقدرة التوترات الإثنية على إشعال صراعات تبتلع كلّ ما يعترض طريقها. ومع انزلاق المدينة تدريجاً نحو الفوضى والعنف، يبدأ هذا العنف بالتسرب إلى داخل الشخصيات نفسها. وحينها، حتى الإدراك لا يعود يكفي. فحتى لو وعَت الشخصيات ما يحدث حولها، تبقى قدرتها على الفعل محدودة.

فهمت باشوللي، التي عاشت هذه الحرب في مراهقتها، عمق ما تفعله الحروب بالإنسان: ذلك الخراب غير المرئي الذي لا يظهر في الصور، لكنه ينهك الروح ببطء ويعبث بها بالكامل. أفلام كثيرة تجيد إظهار الدمار المادي والخراب العمراني، غير أن القليل منها يقترب من ذلك التفتت الداخلي الذي يقضي على البراءة قبل الآوان، ويهدم فردية الإنسان لصالح انصهاره القسري في جماعة تواجه جماعة أخرى، في منطق يُلغي الفارق الشخصي لحساب الهوية الجمعية.

 

عن حرب تنهك الروح ببطء.
عن حرب تنهك الروح ببطء.

 

من بين اللحظات القوية، يبرز مشهدٌ بالغ القسوة، يكاد يغني عن أي شرح: دوُا جالسة في المقعد الخلفي لسيارة والدها، فيما يُجبر الأخير على فتح صندوق المركبة بأمر من مسلَّحَين على الحاجز. في هذا التكوين البسيط، يتكثّف شعور الإهانة الجماعية إلى أقصى درجاته، لكن المفارقة أن وجه الفتاة يبقى شبه ساكن، خالياً من الانفعال الظاهر. ومع ذلك، يحمل هذا الوجه الساكن ذاته مزيجاً نادراً من العنف والجمال والمقاومة. هذه لحظة تختصر كثيراً من روح الفيلم: صلابة داخلية غير معلنة، وطفولة تُجبَر على أن تتعلّم فنّ البقاء قبل أن تفهم العالم.

تمنح اللمسة الأوتوبيوغرافية طبقة إضافية من الصدق والحميمية. أكّدت لي المخرجة خلال مقابلة أن ما يُعرَض تجربة شخصية عاشتها بنفسها، وهذا ما يفسّر حدّة الإحساس وشفافية التفاصيل. المفارقة المؤلمة أن هذا الماضي لا يبدو منفصلاً عن الحاضر، بل يتقاطع، على نحو مقلق، مع ما يشهده العالم اليوم من صراعات تتجدّد بأشكال مختلفة.

في قلب هذا المشهد، تبرز مفارقة إنسانية لافتة. فبرغم كلّ شيء، يجد الناس سبيلاً للأمل، للحبّ، وللاستمرار في الاستماع إلى الموسيقى. الحياة تفرض إيقاعها الخاص حتى داخل الخراب. هذا الجانب تحديداً هو ما دفعها إلى نقل التجربة إلى الشاشة: تلك اللحظات الصغيرة التي تكشف الوجه الإنساني العميق لمَن يعيشون الحرب، بعيداً من الصور النمطية.

الأكثر قراءة

مجتمع 5/15/2026 11:54:00 AM
فيديو يظهر إشكالاً في الناعمة يتطور لتضارب ودهس، مما يؤدي لمقتل امرأة وإصابة آخرين.
فن ومشاهير 5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.
رياضة 5/14/2026 10:36:00 AM
لأول مرة في تاريخ كأس العالم FIFA، يدعم عرض ما بين الشوطين صندوق FIFA العالمي لتعليم المواطنين، وهي مبادرة رائدة تسعى الى جمع 100 مليون دولار أميركي.