قالت له المرأة أنتَ رجلٌ لم يتحوّل إلى آلة

ثقافة 16-05-2026 | 11:34

قالت له المرأة أنتَ رجلٌ لم يتحوّل إلى آلة

"الحبّ؟! عجبًا. أنا أيضًا أكتب حبًّا عجنني، وصيّرني خبزًا".
قالت له المرأة أنتَ رجلٌ لم يتحوّل إلى آلة
العاشقان (1928) بريشة رينيه ماغريت.
Smaller Bigger
كان المقهى في حالٍ مشروخةٍ تمامًا، كأحوال الشروخ الشخصيّة. إلى البار ظلالٌ لأشباحٍ ونظراتٍ ملجومة، وبقيّةٌ من ليلٍ عدميّ. طاولةٌ وحيدةٌ قرب النافذة، قرب الزجاج، كأنّها نجتْ من حوارٍ أعمى، أو كأنّ أحدًا تفادى قصدًا أنْ يقتلها. أغنيةٌ بكماءُ تخرج بحشرجاتٍ من مذياعٍ بلا كهرباء. في الخارج، كانت المدينة تمشي بعكّازَين من بهتانٍ ودخان.

امرأةٌ تنظر إلى رجلٍ. رجلٌ ينظر إلى امرأة. هي جميلةٌ، لكن ليس بالمعنى الذي يصلح للإعلانات؛ جميلةٌ بما يجعل المرءَ يتذكّر طفولته فجأةً فيبتسم، ثمّ يتذكّر فتوّته الرعناء فيتجاسر، ثمّ لا أحد يعرف ماذا وكيف.

هو كان حاضرًا غائبًا، غائبًا حاضرًا، وبالمعنى الشعريّ فحسب.

– لم أرَكِ من قبل، ولا في مكانٍ ما. لا بدّ أنّي رأيتُكِ غدًا...
– بل رأيتَني في حياةٍ فرّتْ من صاحبها.
- في حياةٍ لم يعشها صاحبُها...
في الزاوية، كان ثمّة كتابٌ على غلافه صورةٌ لشاعرٍ محتضر، يحتضن روحًا أليفة. على الحائط ساعةٌ تدقّ لكنّها متوقّفة.
– أيُّ سنةٍ هذه؟
- العالم توقّف عن استعمال السنوات والأيّام. لا بدّ أنْ نسأل ثيابنا. الأوجاع، هي تعرف في أيّ سنةٍ نحن.
- هل نكون في الجيل الرابع، في الخامس، أو ربّما في الجيل الألف من ثيابنا المجروحة؟
ابتسم الرجل. ثمّ انتبه أنّه يفعل ذلك للمرّة الأولى منذ زمن، فخجل من حياته.
– غريبٌ أنّني لستُ أدري...
- غريبٌ أنّني أنا أيضًا لستُ أدري...
- ربّما لأنّني أعرفكَ أكثر ممّن عرفتُهم طويلًا.
- ربّما لأنّني أعرفكِ أكثر ممّن عرفتُهنّ طويلًا. كأنْ يشعر أحدُهم أنّ خراب الآخر يشبه خرابَه.
يرتجّ الزجاج. لا يلتفتان. فقد كان الزجاج يتناثر في روحيهما.
– هل أنتِ من هنا؟
- أحيانًا.
- نساءٌ ورجالٌ يولدون في مدينةٍ معروفة، ثمّ تلدهم الحماقات في مدنٍ أخرى.
– لا أعرف أنا من أين...
- الأمكنة حين تُدَمَّر، تدخل أجسادَنا. تصير أجسادَنا. الأراضي أيضًا. الكتب. والأعمار.
– يدكَ ترتجف. 
- يدكِ ترتجف.
- هل كنتَ شاعرًا.
- الذين ينجون من الحروب نوعان: قتلة، أو شعراءُ مكتملو الموت. كنتُ أكتب الحبّ.
- الحبّ؟! عجبًا. أنا أيضًا أكتب حبًّا عجنني، وصيّرني خبزًا.
- والآن؟
–  أكتب الجسد الذي ينسى. عن الجنون. عن الضجر الذي يتعشّاني قبل أنْ أتعشّاه. عن أصدقائي وحياتي الذين أصبحوا غيومًا مؤطّرة فوق أرضٍ ملعونة.
- هذه محاضرُ انهيار...
- لا أدري إن كنّا هنا الآن أم نتذكّر فقط أنّنا هنا.
– هل تحبّ السياسة؟
– قه قه قه. هل أحدٌ لا يحبّ مقصلته؟
- تبدو مسكونًا بها.
- أبدو جريمتَها النكراء. السياسة تدخل السرير والمطبخ والمقبرة.
- أنظري إلى الله، واسمعيه. الله يدمنها. أنّه يحلم بالسياسة...
–  هو أكثرنا سوءًا.
– هل تصدّق أنّ العالم قد يبتهج فجأةً؟
نظر إليها طويلًا، كأنّه يبحث في وجهه عن بابٍ قديم.
- هل أنتِ وحيدة؟
- وحدتي مزدحمةٌ بأصواتٍ ووجوهٍ لم أُنصت إليها، بحيواتٍ استخففتُ بها، وبالذين لم أشرح لهم لماذا أحبّهم إلى هذا الحدّ.
ثمّ ابتسمتْ. يا لها قصيدة. كمثلِ نافذةٍ تُفتَح في بيتٍ مهجور.
- أشعر أنّكَ آخرُ رجلٍ في العالم لم يتحوّل إلى آلة.
- وأنتِ كآخرِ امرأةٍ لن تصل استغاثتي إليها.
– قد أكون التعبَ الأخيرَ لروحكَ. قد أكون...
في الخارج، المطر لم يكن حقيقيًّا. كان يشبه أوراقًا قديمةً تتلعثم فوق المدينة.
- إذا بقي شيءٌ من العالم، نلتقي، ونكون.
- نلتقي ونكون فقط في موتٍ يهرب من مماته...
العلامات الدالة