غربة لا تتسع لهجرة وطن
هي هجرة أوسع من الغربة، تقول لك المدينة الضخمة بصوتها المعدني البارد، فما الذي يمكنك أن تضيفه إلى سجل آلاف الواصلين سوى اسمك الرمادي؟
الدكتور نواف القنطار*
تبدأ حياتك القادمة بسؤال خافت الصدى، كأنك انتظرته طوال ما مضى من وقتك البائس: هل أنا في الغربة حقاً؟ سرعان ما تدرك أن لا شيء استثنائياً، بل طبيعي حتى الابتذال على هذه الأرض التي وصلتها قبيل الغروب باحثاً عن مكان تلوذ بقلبك فيه...
كأنك كنت هنا من قبل، تسير مع السائرين، تقف حائراً بينهم، تحاول التواصل معهم، لكنك تتذكر أن أحداً لا يكترث لخصوصيتك... مثلك مثل المهاجرين الذين مروا قبلك وسيعبرون من بعدك... تتماهى صورك مع صورهم لدى موظفي مكاتب اللجوء... عندما كانوا مثلك يتعلمون سير أولى خطوات الغربة.
هي هجرة أوسع من الغربة، تقول لك المدينة الضخمة بصوتها المعدني البارد، فما الذي يمكنك أن تضيفه إلى سجل آلاف الواصلين سوى اسمك الرمادي؟ فاحمل ملامحك وأحلامك وسر في طريق تجربتك التي ستحمل لك خيبات كثيرة على أرصفة قدرك الآتي.
تظن أنك سوف تصبح ما لن تصبح عليه... تحاول الإبقاء على تلك الوشائج القديمة مع وطنٍ هجرته... فيخونك الوقت، وتفر منك العاطفة التي ظننت أنها ستظل متمسكةً بك مثل تمسك روحك بها... لكن رياح الغربة تحمل لك كل مساء رسالة جديدة مع بريد النسيان عندما يتحول الآخرون هناك إلى حبات رمل على شواطئ الوداع.
تطل من نافذة بلاد لا تشبهك، تنظر نحو الشرق، كأنه الجهة الوحيدة التي تحتفظ بأسرارك، تعيد ترتيب الأسئلة القديمة... قد تكون الغربة - الهجرة - صدمتك الأولى، مأساتك الموقتة، لكنها بالتأكيد تطلق روحك نحو الحرية، تضعك أمام نفسك في مرآة الصباح بلا شعاراتٍ رنانة أو أوهام بطولية... تكشف لك أنك مهما ابتعدت في الوقت، سوف تقترب أكثر من معنى أكبر من المكان، يحمل اسماً لا يضيع في زحام الأسماء.
تدرك أن الغربة هي تلك المسافة الفاصلة ما بينك وما بين خفة السؤال، وأن حياتك الجديدة تسير ما بين هذين الحدّين لتعلمك أن الغربة ليست أن تبتعد عن مكان ما، بل أن تقترب من حقيقتك أكثر مما كنت تجرؤ قبل أن تهاجر، حتى لو بقي ذلك السؤال الهادئ الذي يقضّ مضجعك معلقاً مثل فانوس خافت الضوء في غرفتك الصغيرة: هل هذه هي الغربة حقاً؟ غير أنك في هذه المرة تجيب عن السؤال بنفسك: ليست الغربة أين أنت، بل من أنت حين تبتعد عن أرض وطنك.
تعيد الغربة إنتاج نفسها، فيتشابه معظم الحكايات وإن اختلفت في قليل أو كثير من تفاصيلها... فكلنا يحمل حقائب سفر وأمل متشابهة، يبحث عن معنى لا يضيع بين مرافئ بعيدة لا تتسع لهجرة جديدة في بلد جديد.
نبض