ثقافة
13-05-2026 | 16:08
داخل صالة سينمائيّة معتمة... مع الذكاء الاصطناعيّ
فلأترك الفلسفة جانبًا، ولأقترب أكثر من العصب العاري للحياة.
صالة سينما. (تعبيرية)
بالتزامن مع مهرجان كانّ، الذي بدأت عروضه أمس، رأيتُني أدخل مع الذكاء الاصطناعيّ إلى صالةٍ للسينما في مكانٍ افتراضيّ، بحثًا عن "خلاصٍ" موقّت من بشاعة ما يجري في لبنان، ومنطقتنا والعالم.
ينغلق الباب ببطءٍ خلفيّ، ويذوب العالم الخارجيّ: نشرات الأخبار، صراخ المدن، خراب البشر، ابتذال السياسة، وضجيج الذين لا يعرفون كيف ينظرون إلى غيمة أو إلى وجه امرأة حزينة (لِمَ لا إلى وجه رجلٍ حزين كوجهي).
أجلس في المقعد الأخير، متواطئًا ضدّ الواقع. لا أحد يطلب منّي تفسير الحياة. يكفي أنْ يمرّ وجه إنغريد برغمان مضاءً بنصف ظلّ، أو أنْ يمشي مارشيللو ماتسروياني تحت مطرٍ إيطاليّ، لكي أشعر بأنّ البشريّة لم تُخلَق عبثًا.
بـ"سينما باراديزو" أبدأ، لأنّ كلّ وليمةٍ عظيمة تحتاج أوّلًا إلى الاعتراف بأنّ السينما نفسها كانت خلاصًا لطفلٍ وحيد. ها أنا أعبر إلى "الختم السابع"، حيث يلعب الإنسان الشطرنج مع الموت، لا ليربح، بل ليؤخّر العدم قليلًا. وحين تصبح الروح أكثر شفافيةً، أترك أندره تاركوفسكي يقودني عبر "نوستالجيا"، فأعتقد، لوهلة، أنّ الوقت نفسه يتسرّب من الجدران مثل ماءٍ بطيء.
أمّا حين تصير الصالة زورقًا تائهًا خارج التاريخ، أي "حين يصبح القلب مهيًّأ للحبّ"، فأتورّط في الممرّ الضيّق، وبين موسيقى الخطوات البطيئة، حيث سأفهم أنّ الحبّ العظيم قد يكون ذلك الذي لن يحدث كاملًا. وأراني قد أحتاج إلى شيءٍ من الجنون الرقيق، إلى "ثمانية ونصف"، من أجل أنْ تتحوّل الحياة إلى سيركٍ ميتافيزيقيّ، والذاكرة إلى موكبٍ من الأقنعة. وحين تتعب روحي من العبقريّة الثقيلة، ألجأ إلى باترسون، لأكتشف أنّ خلاص الإنسان قد يكون في دفتر صغير، أو كوب قهوة، أو قصيدة لا يقرأها أحد.
الآن، أيّها العالم، يجب أنْ يكون الفيلم هو "المرآة"، ليس لأنّي سأفهمه تمامًا، بل لأنّ بعض الأفلام لا تُشاهَد، بل تسكن المرء إلى الأبد، مثل حلمٍ رأيته قبل الولادة.
فجأةً، تضاء الصالة. صوتٌ يطردني إلى العالم الوحشيّ الذي ينتظرني خلف الباب. لكنّي أرفض أنْ أخرج، متشبّثًا باحتمال أنْ أجمع لحظاتٍ إضافيّة، كالتي تشبه انشقاق الروح فجأةً، أي حين تبلغ السينما حدَّ الشعر الخالص، أو الحلم الذي لا يعود يفرّق بين الضوء والذاكرة. يعود الوجه العجوز في "حدث ذات مرّة في أميركا" إلى ماضيه على أنغام الناي الحزين، فأشعر بأنّ الزمن ليس نهرًا بل جرحٌ دائريّ. وحين في "شجرة الحياة"، حين تمتدّ يد الطفل نحو الضوء، بينما الكون نفسه يولد في الخلفيّة، أشعر كأنّ الله يحاول أنْ يتذكّر طفولته. ثمّ "في أجنحة الرغبة"، أجدني على غرار ذلك الملاك حين يسمع ضجيج أفكار البشر، فيشتهي للمرّة الأولى أنْ يصبح فانياً فقط كي يلمس كتف امرأة. في "باريس – تكساس"، أعثر على قلبي داخل ذلك المشهد الزجاجيّ بين الرجل والمرأة، حيث الحبّ يبدو متأخرًا أكثر ممّا ينبغي، لكنّه لا يزال قادرًا على تحطيم القلب. وفي خضمٍّ من التناقضات المحبوبة، أراني أندسّ في "أوديسّة الفضاء 2001" عبر الممرّ النجميّ، لأكون في السينما حين تتحوّل إلى هلوسة كونيّة، فأتوهّم أنّي سأخرج من جلدي البيولوجيّ.
في لحظةٍ متأخّرةٍ جدًّا من الفجر، يبقى فقط ذلك الارتجاف الداخليّ الذي تتركه الأفلام العظيمة: إحساسٌ غامض بأنّ البشر، رغم كلّ شيء، يستطيعون أحيانًا أنْ يحوّلوا الوحشيّة، والألم، والوحدة، والخسارة، إلى ضوءٍ يمكن رؤيته في العتمة. في تلك اللحظة أتوسّل إلى الذكاء الاصطناعي أنْ لا يتركني أعود إلى العالم، فينصاع:
آه ثمّ آه ثمّ آه، أراني أخاطب نفسي "منتقلًا" إلى تلك الصالة المظلمة، إلى الصالة الحقيقيّة؛ الصالة التي لا تعرض "أفلامًا عظيمة" فقط، بل تعرض الجسد البشريّ حين يحترق من الداخل.
فلأترك الفلسفة جانبًا، ولأقترب أكثر من العصب العاري للحياة.
يلتقي مارلون براندو بماريا شنايدر في "التانغو الأخير في باريس" كأنّهما يخرجان للتوّ من انهيار العالم. هو بوجهه المتعب، بصوته الذي يبدو كأنّه صادر من قبوٍ داخليّ، وبذلك المزيج بين الفحولة والانكسار واليأس الإيروتيكيّ، وهي بشبابها الضائع تحت مقصلة علاقتها بالعالم وبنفسها. يا لها محاولة يائسة للهرب من الذاكرة والألم والهويّة. ويا للسينما عندما تبلغ حدّ الاعتراف الوحشيّ بالنفس البشرية!
وفي الصالة الحقيقيّة هذه، أجدني في "موت في البندقيّة"، فأراها، أرى سيلفانا مانغانو تمرّ مثل كائنٍ مجبولٍ بحزنٍ أريستوقراطيّ أخير، فيما الجمال نفسه يتحلّل ببطءٍ تحت شمس البندقيّة الموبوءة.
صديقي الذي تخطّى التسعين، كلينت إيستوود بالذات، لا يمكنني ألّا أسافر في وجهه، في ذلك الوجه الذي هو خلاصة القسوة، والتعب، والندم، والوحدة شاسعة. فكيف يمكنني ألا أشاهده في "بلا مغفرة"، حيث يقتل الغرب الأميركيّ أسطورته الأخيرة بيده. أو في حين يكتشف رجلٌ وامرأةٌ متأخّرَين، كلينت وميريل ستريب، في "جسور ماديسون"، أنّ الحبّ قد يأتي في الوقت الخطأ تمامًا، ومع ذلك يبقى أعظم ما يحدث لهما. ذلك المشهد عند إشارة المرور، تحت المطر، يكفي وحده لتبرير وجود السينما.
ولأنّ الفجر يزداد عمقًا، يُستدعى من أجلي فيلم "الحياة الحلوة"، حيث التنزّه بين النساء والفراغ والبحث المستحيل عن معنى، وحيث سأرى جين مورو تمشي في العتمة كأنّها تعرف مسبقًا أنّ الحبّ هزيمةٌ جميلة.
هي مأدبة أرواحٍ نجت بالكاد من الحياة، وقرّرت أنْ تترك لي شخصيًّا آثار احتراقها على الشاشة!
ينغلق الباب ببطءٍ خلفيّ، ويذوب العالم الخارجيّ: نشرات الأخبار، صراخ المدن، خراب البشر، ابتذال السياسة، وضجيج الذين لا يعرفون كيف ينظرون إلى غيمة أو إلى وجه امرأة حزينة (لِمَ لا إلى وجه رجلٍ حزين كوجهي).
أجلس في المقعد الأخير، متواطئًا ضدّ الواقع. لا أحد يطلب منّي تفسير الحياة. يكفي أنْ يمرّ وجه إنغريد برغمان مضاءً بنصف ظلّ، أو أنْ يمشي مارشيللو ماتسروياني تحت مطرٍ إيطاليّ، لكي أشعر بأنّ البشريّة لم تُخلَق عبثًا.
بـ"سينما باراديزو" أبدأ، لأنّ كلّ وليمةٍ عظيمة تحتاج أوّلًا إلى الاعتراف بأنّ السينما نفسها كانت خلاصًا لطفلٍ وحيد. ها أنا أعبر إلى "الختم السابع"، حيث يلعب الإنسان الشطرنج مع الموت، لا ليربح، بل ليؤخّر العدم قليلًا. وحين تصبح الروح أكثر شفافيةً، أترك أندره تاركوفسكي يقودني عبر "نوستالجيا"، فأعتقد، لوهلة، أنّ الوقت نفسه يتسرّب من الجدران مثل ماءٍ بطيء.
أمّا حين تصير الصالة زورقًا تائهًا خارج التاريخ، أي "حين يصبح القلب مهيًّأ للحبّ"، فأتورّط في الممرّ الضيّق، وبين موسيقى الخطوات البطيئة، حيث سأفهم أنّ الحبّ العظيم قد يكون ذلك الذي لن يحدث كاملًا. وأراني قد أحتاج إلى شيءٍ من الجنون الرقيق، إلى "ثمانية ونصف"، من أجل أنْ تتحوّل الحياة إلى سيركٍ ميتافيزيقيّ، والذاكرة إلى موكبٍ من الأقنعة. وحين تتعب روحي من العبقريّة الثقيلة، ألجأ إلى باترسون، لأكتشف أنّ خلاص الإنسان قد يكون في دفتر صغير، أو كوب قهوة، أو قصيدة لا يقرأها أحد.
الآن، أيّها العالم، يجب أنْ يكون الفيلم هو "المرآة"، ليس لأنّي سأفهمه تمامًا، بل لأنّ بعض الأفلام لا تُشاهَد، بل تسكن المرء إلى الأبد، مثل حلمٍ رأيته قبل الولادة.
فجأةً، تضاء الصالة. صوتٌ يطردني إلى العالم الوحشيّ الذي ينتظرني خلف الباب. لكنّي أرفض أنْ أخرج، متشبّثًا باحتمال أنْ أجمع لحظاتٍ إضافيّة، كالتي تشبه انشقاق الروح فجأةً، أي حين تبلغ السينما حدَّ الشعر الخالص، أو الحلم الذي لا يعود يفرّق بين الضوء والذاكرة. يعود الوجه العجوز في "حدث ذات مرّة في أميركا" إلى ماضيه على أنغام الناي الحزين، فأشعر بأنّ الزمن ليس نهرًا بل جرحٌ دائريّ. وحين في "شجرة الحياة"، حين تمتدّ يد الطفل نحو الضوء، بينما الكون نفسه يولد في الخلفيّة، أشعر كأنّ الله يحاول أنْ يتذكّر طفولته. ثمّ "في أجنحة الرغبة"، أجدني على غرار ذلك الملاك حين يسمع ضجيج أفكار البشر، فيشتهي للمرّة الأولى أنْ يصبح فانياً فقط كي يلمس كتف امرأة. في "باريس – تكساس"، أعثر على قلبي داخل ذلك المشهد الزجاجيّ بين الرجل والمرأة، حيث الحبّ يبدو متأخرًا أكثر ممّا ينبغي، لكنّه لا يزال قادرًا على تحطيم القلب. وفي خضمٍّ من التناقضات المحبوبة، أراني أندسّ في "أوديسّة الفضاء 2001" عبر الممرّ النجميّ، لأكون في السينما حين تتحوّل إلى هلوسة كونيّة، فأتوهّم أنّي سأخرج من جلدي البيولوجيّ.
في لحظةٍ متأخّرةٍ جدًّا من الفجر، يبقى فقط ذلك الارتجاف الداخليّ الذي تتركه الأفلام العظيمة: إحساسٌ غامض بأنّ البشر، رغم كلّ شيء، يستطيعون أحيانًا أنْ يحوّلوا الوحشيّة، والألم، والوحدة، والخسارة، إلى ضوءٍ يمكن رؤيته في العتمة. في تلك اللحظة أتوسّل إلى الذكاء الاصطناعي أنْ لا يتركني أعود إلى العالم، فينصاع:
آه ثمّ آه ثمّ آه، أراني أخاطب نفسي "منتقلًا" إلى تلك الصالة المظلمة، إلى الصالة الحقيقيّة؛ الصالة التي لا تعرض "أفلامًا عظيمة" فقط، بل تعرض الجسد البشريّ حين يحترق من الداخل.
فلأترك الفلسفة جانبًا، ولأقترب أكثر من العصب العاري للحياة.
يلتقي مارلون براندو بماريا شنايدر في "التانغو الأخير في باريس" كأنّهما يخرجان للتوّ من انهيار العالم. هو بوجهه المتعب، بصوته الذي يبدو كأنّه صادر من قبوٍ داخليّ، وبذلك المزيج بين الفحولة والانكسار واليأس الإيروتيكيّ، وهي بشبابها الضائع تحت مقصلة علاقتها بالعالم وبنفسها. يا لها محاولة يائسة للهرب من الذاكرة والألم والهويّة. ويا للسينما عندما تبلغ حدّ الاعتراف الوحشيّ بالنفس البشرية!
وفي الصالة الحقيقيّة هذه، أجدني في "موت في البندقيّة"، فأراها، أرى سيلفانا مانغانو تمرّ مثل كائنٍ مجبولٍ بحزنٍ أريستوقراطيّ أخير، فيما الجمال نفسه يتحلّل ببطءٍ تحت شمس البندقيّة الموبوءة.
صديقي الذي تخطّى التسعين، كلينت إيستوود بالذات، لا يمكنني ألّا أسافر في وجهه، في ذلك الوجه الذي هو خلاصة القسوة، والتعب، والندم، والوحدة شاسعة. فكيف يمكنني ألا أشاهده في "بلا مغفرة"، حيث يقتل الغرب الأميركيّ أسطورته الأخيرة بيده. أو في حين يكتشف رجلٌ وامرأةٌ متأخّرَين، كلينت وميريل ستريب، في "جسور ماديسون"، أنّ الحبّ قد يأتي في الوقت الخطأ تمامًا، ومع ذلك يبقى أعظم ما يحدث لهما. ذلك المشهد عند إشارة المرور، تحت المطر، يكفي وحده لتبرير وجود السينما.
ولأنّ الفجر يزداد عمقًا، يُستدعى من أجلي فيلم "الحياة الحلوة"، حيث التنزّه بين النساء والفراغ والبحث المستحيل عن معنى، وحيث سأرى جين مورو تمشي في العتمة كأنّها تعرف مسبقًا أنّ الحبّ هزيمةٌ جميلة.
هي مأدبة أرواحٍ نجت بالكاد من الحياة، وقرّرت أنْ تترك لي شخصيًّا آثار احتراقها على الشاشة!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/12/2026 9:20:00 PM
الإمارات العربية المتحدة تعلن إدراج 21 فرداً وكياناً على قائمة الإرهاب المحلية
كتاب النهار
5/12/2026 10:58:00 AM
تواجه بلدية بيروت ووزارة الشؤون الاجتماعية مشكلة في نقل نازحين في الخيم، عند الواجهة البحرية لبيروت إلى المدينة الرياضية أو إلى مدارس تؤوي نازحين مثلهم
فن ومشاهير
5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.
نبض