بيار سالفادوري "يكهرب" فنّ الكوميديا في مهرجان كانّ

ثقافة 13-05-2026 | 09:38

بيار سالفادوري "يكهرب" فنّ الكوميديا في مهرجان كانّ

يفتتح بيار سالفادوري الدورة الـ79 من مهرجان كانّ بـ"فينوس الكهربائية" المعروض خارج المسابقة.
بيار سالفادوري "يكهرب" فنّ الكوميديا في مهرجان كانّ
”فينوس الكهربائية“، فيلم افتتاح مهرجان كانّ 2026.
Smaller Bigger

للسنة السادسة على التوالي، يفتتح مهرجان كانّ السينمائي (12 ـ 23 أيار/مايو) بالسينما الفرنسية: "فينوس الكهربائية" لبيار سالفادوري، المعروض خارج المسابقة. في الأعوام الأخيرة، بات شبه مؤكّد أن الأفلام الأضعف تُترَك لهذه اللحظة الافتتاحية التي تسبق الانطلاقة، وكان أكثر تلك الاختيارات سوءاً وابتذالاً "اقطع!" لميشال أزانافيسيوس. وهذا حديث يخصّ كانّ والبندقية، أما برلين، فالأجدر ألّا نأتي على ذكره أصلاً. غير أن كوميديا سالفادوري تشكّل استثناءً لافتاً. فهي كوميديا مشبّعة بالأسئلة، ومفخّخة بالالتباس، ترتدي قناع الهزل، لكنها تنزلق تدريجاً، لقطة بعد أخرى، نحو نوع من هجاء. سالفادوري، بخبرته الطويلة في هذا الحقل، ليس طارئاً على هذا النوع، بل ينتمي إلى أولئك السينمائيين الذين شيّدوا، عبر الزمن، عالمهم الخاص. ومع فيلمين آخرين معروضين ضمن المسابقة، هما "عيد ميلاد مرّ" لبدرو ألمودوفار و"قصص موازية" لأصغر فرهادي، يطرح "فينوس الكهربائية" واحداً من أكثر المواضيع التصاقاً بمخيلة السينمائيين: التماس بين الواقع والخيال، بصفته وسيلة لاختبار الحقيقة واستنطاقها.

دسائس ومؤامرة، تلاعب بالعواطف، خداع وتمويه، واقع يتوالد من واقع، ونهايات تتخفّى داخل نهايات أخرى… بهذه العناصر يصوغ سالفادوري فيلمه، كمتاهة سردية لا تكفّ عن تبديل أقنعتها. تدور الأحداث في باريس ما بين الحربين، حيث تتقاطع مصائر ثلاث شخصيات رئيسية في لعبة ملتبسة بين الوهم والحقيقة. في البداية، هناك فتاة تؤدّي دورها أناييس دوموستييه، تعمل في سوق شعبي كعارضة لدى صاحب كشك يستثمر جسدها، عبر بيع قبلاتها للزبائن. تبدأ الحكاية مع وصول رسام (بيو مرمايي)، لا يزال يعيش تحت وطأة فقدان حبيبته، فيعتقد أن فتاة الكشك هي البصّارة التي تستحضر الأرواح. وهكذا تنجرّ الفتاة إلى الادعاء بأنها البصّارة طمعاً بالمال، لتغدو شريكة في هذا الوهم الجماعي الذي يتغذّى من الحنين والذكريات.

ثم يدخل إلى المشهد صاحب معرض انتهازي يؤدّيه جيل لولوش، يرى في هذه الخدعة فرصة من ذهب: فعودة الرسّام إلى الإلهام تعني عودة اللوحات، وبالتالي عودة الأرباح. كلّ ما يريده أن يستمر تدفّق الأعمال الفنية ليبيعها، لكنه، في الوقت نفسه، "يحسد" الرسّام على تلك القدرة الطفولية على الإيمان. الإيمان بأن جلسات تحضير الأرواح تتيح له فعلاً السفر إلى الضفّة الأخرى، حيث يلتقي بحبيبته الراحلة. فكرة تبدو اليوم ساذجة، لكنها، ضمن زمن الفيلم، تحتفظ بقدر كبير من الرومنسية، وهو ما يستثمره سالفادوري بذكاء، مستخرجاً من الفوارق بين الأزمنة مادة خصبة للكوميديا، ومفسحاً المجال أمام تأمّل أكثر مرارة في حاجة البشر المستمرة إلى الأوهام.
مستنداً إلى تقاليد الكتابة الفودفيلية وخفّتها المراوغة، لا يمنحنا الفيلم لحظة اطمئنان واحدة، ولا يتيح لنا توقّع المسار الذي يمكن أن تستقر عنده الحكاية. فهو يتقدّم باستمرار عبر الانعطافات وسوء الفهم والمصادفات المدبّرة بعناية، كأنه يلهو بتوقّعات المتفرّج ويقوده عمداً نحو الخداع. ومع ذلك، لا بدّ من القول إن الخاتمة، التي تكشف كلّ شيء من دون أن تقع في فخّ الشرح الفائض أو التفسير، تستحق هذا الانتظار الطويل، حتى وإن مرّ الفيلم أحياناً بمحطّات كان يمكن اختصارها أو التخفّف منها.

من داخل الحكاية الأولى، تولد حكاية ثانية، ثم أخرى كامنة في أحشائها، وفق منطق سردي يقوم على فكرة أن الأشياء لا تأتي من الخارج، وإنما يتوالد بعضها من داخل بعض، كما لو أن الوهم نفسه يلد أوهاماً جديدة بصورة لا نهائية. هكذا يشدّ سالفادوري، البارع في لعبة المفارقات والالتباسات وسوء الفهم، خيوط فيلمه على امتداد ساعتين مدعومتين بسيناريو ذكي ولامع، يتناول، في جوهره، مأزق الفنّان الذي لا يستطيع الاستمرار في الخلق إلا عبر تغذيته المستمرة من الوهم. وحين ينقشع هذا الوهم، يصبح الواقع أكثر قسوةً وإيلاماً. مع ذلك، يبقى وهماً جميلاً، قادراً، ولو لبرهة، على أن يبعث شيئاً من الدفء في القلب.

في مجتمع الاستعراض الذي نعيش داخله اليوم، إلى حدّ أن عدواه امتدّت حتى إلى السياسة نفسها، يعيدنا سالفادوري إلى ذلك الزمن الذي كان فيه الفنّ والسوق يتجاوران ضمن علاقة أكثر براءة والتباساً، علاقة تتشابك فيها مفاهيم الحبّ والخلق والإلهام والرغبة في النجاة. ومن خلال هذه العودة إلى الماضي، يبني المخرج خطاباً سينمائياً قائماً على الاستعارة، قوامها الأكذوبة التي يتمسّك بها البشر لأنهم لا يحتملون العيش من دونها، أو لأن الحقيقة، في أحيان كثيرة، أكثر قسوةً من أن تُحتمَل.

 

بيار سالفادوري.
بيار سالفادوري.

 

غير أن ما يمنح الفيلم توازنه هو اشتغاله على مواضيع كلاسيكية: الحبّ، الخيانة، انتهاز الفرص، وصولاً إلى الفنّان الذي يظلّ، في النهاية، رهينة رأس المال وآلياته من جهة وسجين الفكرة من جهة أخرى. مع ذلك، لا يسقط سالفادوري في فخ الجدية أو الخطاب المتعالي، ولكن يحافظ بحساسية لافتة على ذلك الخط الدقيق الفاصل بين الهزل والمرارة، بين الوهم والحقيقة، ممسكاً بمادته بثقة وسيطرة كاملتين. ولعلّ الممثّلين، بأدائهم الرشيق والمفعم بالتفاصيل، هم من يهبون الفيلم هذا البُعد الجمالي الإضافي، ويدفعونه نحو مستوى ثانٍ من القراءة والتلقّي، حيث تصبح الشخصيات نفسها انعكاسات لأسئلة الفيلم وتأمّلاته الدفينة.

الكوميديا فنّ بالغ الصعوبة، تحكمه تقنيات دقيقة وإيقاع يسهل أن يختلّ في أي لحظة. وسالفادوري يتقنها كما يتقن، بالقدر نفسه، كتابة الحوارات، تلك التي تبدو عفوية وخفيفة فيما تخفي وراءها حسابات دقيقة وحساسية عالية تجاه الشخصيات. التركيبة هنا معقّدة بلا شك، والفيلم لا يسلّم نفسه بسهولة للمُشاهد، ولا يكشف أسراره دفعة واحدة. حتى علاقتنا به تبقى، إلى حدّ بعيد، رهناً بالمزاج الشخصي وباستعداد المتفرّج للدخول في لعبته، شأنه شأن كلّ فيلم يفضّل تمرير أفكاره عبر المراوغة واللعب، بدلاً من التصريح والخطابة.

في النهاية، إذا كان لا مهرب من اختزال الفيلم في فكرة واحدة، فيمكن القول إنّه يدور حول الأكذوبة الجماعية: أكذوبة يدرك الجميع زيفها، ومع ذلك يشاركون في تغذيتها، لأن كلّ واحد يجد فيها وسيلته الخاصة للنجاة من أزمته أو للتخفّف من عبء واقعه. وكما يقول سالفادوري في إحدى مقابلاته: "أدركتُ أن هناك شيئاً آسراً لدى الكاذبين، حين يكونون يائسين ويريدون أن يخترعوا لأنفسهم حياة أخرى أو أن يهربوا من وجودهم". وهذا تحديداً ما يمنح الفيلم سحره. الأكذوبة هنا لذيذة، دافئة، تكاد تبدو ضرورة إنسانية… لكنها، في نهاية الجولة، تجعل الحياة أكثر مرارةً.

ثلاثة أسئلة إلى بيار سالفادوري…

* أنت معجبٌ بالتراجيكوميديا التي اشتهرت بها السينما الإيطالية في السبعينات، ولا سيما لدى دينو ريزي وماريو مونيتشيللي. صح؟ 
- هذه السينما أثّرت فيّ كثيراً. أنا من مواليد كورسيكا، أي على تماسّ ثقافي وروحي مع إيطاليا. في طفولتي كنتُ أشاهد تلك الأفلام باستمرار؛ أفلام امتلكت قدرة نادرة على التقاط روح عصرها من خلال سخرية لاذعة لم ينجح أحد حقّاً في تقليدها. كانت شخصيات تلك الكوميديات تعلن مأساتها منذ البداية، وهذا تحديداً ما منحها سحرها الخاص. أحبّ فكرة أن أروي حكاية بأسلوب سهل، ولا أشعر بالراحة إلا داخل هذا النوع من الكتابة. إنها طريقتي الطبيعية في السرد. في "بعدكم" مثلاً، كنّا نتساءل: هل يمكن المرء أن يساعد شخصاً ويخونه في الحين نفسه؟ وهل من الممكن أن نحبّ أحداً ونخونه؟ هذا كان السؤال الأساسي الذي عملتُ عليه مع كاتب السيناريو. فمن جهة هناك الأخلاق التي يلتزمها الفرد، ومن جهة أخرى الغرائز. هذه هي المعضلة التي تثير إهتمامي.

* ما الأفلام التي بقيت ماثلة في ذاكرتك من تلك السينما؟
- ربما "إيل سورباسّو" لدينو ريزي أو "المجهولون المعتادون" لماريو مونيتشيللي أو "السكوبوني العلمي" للويجي كومنتشيني. أشعر بفرح حقيقي كلما عدتُ إلى الكوميديا الإيطالية، رغم أنها كانت قائمة، في العمق، على نقد اجتماعي قاسٍ ولاذع. مرجعياتي ليست "الموجة الفرنسية الجديدة"، بقدر ما هي السينما الأميركية في ثلاثينات القرن الماضي وأربعيناته. العصر الذهب للكوميديا الكلاسيكية، مع بيلي وايلدر وإرنست لوبيتش وبلايك إدواردز. ربما يمكن العثور في أعمالي على بنية أنغلوساكسونية في السرد، لكنني آمل دائماً أن تحتفظ أيضاً بشيء من الروح الأوروبية.

* ما الأساس في إنجاز كوميديا ناجحة؟
- أولاً، يجب أن تمتلك شخصيات، ثم إيجاد الموقف المناسب. عندما يكون لديك رجل صاحب شخصية قوية لكنه يقف على حافة الانهيار، في مقابل شخصية أخرى تعيش شعوراً دائماً بالذنب، وتربط بينهما امرأة واحدة، فأنت أمام وضع هزلي. وعندما يتوافر هذا النوع من المواقف، يصبح العمل الحقيقي منصبّاً على الحوارات وإيقاعها.

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/12/2026 9:20:00 PM
الإمارات العربية المتحدة تعلن إدراج 21 فرداً وكياناً على قائمة الإرهاب المحلية
كتاب النهار 5/12/2026 10:58:00 AM
تواجه بلدية بيروت ووزارة الشؤون الاجتماعية مشكلة في نقل نازحين في الخيم، عند الواجهة البحرية لبيروت إلى المدينة الرياضية أو إلى مدارس تؤوي نازحين مثلهم
لبنان 5/12/2026 11:50:00 AM
شدد قاسم على أن "الاتفاق الإيراني- الأميركي الذي يتضمن وقف العدوان على لبنان يكاد أن يكون الورقة الأقوى لإيقاف العدوان"...