مهرجان كانّ: "موت السينما" أسطورة… والدليل أفلامنا!

ثقافة 12-05-2026 | 09:43

مهرجان كانّ: "موت السينما" أسطورة… والدليل أفلامنا!

يفتتح مهرجان كانّ السينمائي دورته وسط عالم مضطرب وأسئلة كبرى تواجه الفنّ السابع.
مهرجان كانّ: "موت السينما" أسطورة… والدليل أفلامنا!
”حكايات موازية“ لأصغر فرهادي.
Smaller Bigger

تفتتح هذا المساء الدورة التاسعة والسبعون من مهرجان كانّ السينمائي (12 - 23 أيار/مايو)، في لحظة عالمية مضطربة تتقاطع فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والأخلاقية والصحية (فيروس هانتا؟!)، فتنعكس بدورها على الشاشة الكبيرة وتجد صداها في الأفلام المعروضة على الكراوزيت. غير أن هذه السجالات ستُطوى، ولو موقّتاً، خلال إثني عشر يوماً، ليُفسَح المجال أمام المهرجانيون للاطلاع على اختيارات إدارة كانّ، واستئناف النقاش الجمالي حولها اعجاباً أو رفضاً، وأحياناً لا هذا ولا ذاك.

 

مهرجان كانّ السينمائي بدورته الـ79

22 فيلماً تتنافس على "السعفة". ومع ذلك، فإن كلّ ما يمكن قوله الآن لا يزال في دائرة التوقّع والتكهّن، فالأفلام لا تكشف حقيقتها إلا عند لحظة خروجنا من صالة العرض. كم من مرة خيّب عملٌ توقّعاتنا رغم سمعته، وكم من مرة أخرى فاجأنا فيلم قادم من بلد غائب عادةً عن خريطة الفنّ السابع، أو مخرج يخطو أولى تجاربه، ليقلب المعادلات ويصنع الدهشة.

ظلّ مهرجان كانّ، في جوهره، مراهناً على الجديد، وعلى الاكتشاف وكسر المألوف. صحيح أنه لم يسلم من انتقادات تتّهمه بالعودة المتكررة إلى الأسماء ذاتها، لكن هذا الحكم يبدو مبالغاً فيه أحياناً، إذا ما استعدنا أسماء ارتبطت فيه مثل بدرو ألمودوفار، الذي لم يعرض في المهرجان ربع انتاجه. تجاهل هذا البُعد يعني إغفال حقيقة أساسية: المهرجان لا يكتفي بتقديم أسماء، وإنما يساهم في ترسيخها. فكيف يُطلَب منه بعد ذلك أن يتخلى عمّن شارك في صعودهم إلى مصاف عظماء الفنّ السابع؟ وإلى أين يُفترض أن يذهب هؤلاء بعدما أصبحوا من الذين تُنتظَر أفلامهم على أحر من الجمر؟ إلى مهرجان الإسكندرية مثلاً؟

 

”فجأةً شعرتْ بالمرض“ لريوسوكي هاماغوتشي.
”فجأةً شعرتْ بالمرض“ لريوسوكي هاماغوتشي.

 

مع ذلك، لا تتألّف مسابقة هذا العام من مكرسين حصراً. إذ لا تضم في رصيدها سوى مخرجين إثنين سبق لهما الفوز بـ"السعفة"، هما الروماني كريستيان مونجيو والياباني هيروكازو كوريه إيدا. إلى جانبهما، يحضر في السباق عدد من الأسماء التي ظلّت تلاحق الجائزة الأرفع في دورات سابقة من دون أن تظفر بها، من بينها الإسباني بدرو ألمودوفار، الإيراني أصغر فرهادي، الأميركي جيمس غراي والروسي أندريه زفياغينتسف، وجميعهم شاركوا أكثر من مرة في المسابقة، لكن لم تبلغ أفلامهم عتبة التتويج النهائية.

في المقابل، تبرز أسماء من الجيل الأحدث، مخرجون لا يزالون في الأربعينات من أعمارهم، بيد انهم فرضوا حضورهم بقوة خلال السنوات الأخيرة، مؤكّدين فرادة رؤاهم وجرأة لغتهم، من بينهم الياباني ريوسوكي هاماغوتشي، والإسباني رودريغو سوروغويين، والمجري لاسلو نمش. في النهاية، تبقى هذه الملاحظات كلها بناءً على التجارب السابقة للمخرجين، لكنها لا تعدو كونها قراءة مسبقة قابلة للنقض.

تلقّى المهرجان هذا العام 2541 فيلماً طويلاً من 141 دولة، أي ما يقارب ألف فيلم أكثر ممّا كانت عليه الحال قبل عشر سنوات. هذه الأرقام، بحسب المفوّض العام للمهرجان ومديره الفنّي تييري فريمو، تعكس حقيقة بسيطة وواضحة: "السينمائيون يريدون عرض أعمالهم في مكان يمكن أن يشاهدها فيه العالم بأسره". يقول فريمو: "في نهاية هذا المسار الطويل من الاختيارات، اضطررنا أحياناً إلى اتخاذ قرارات مؤلمة. لم يتم اختيار العديد من الأفلام، لكن مهمّتنا لا تقتصر على إصدار أحكام من نوع "جيد" أو "سيئ"، ولكن على طرح سؤال مختلف: ماذا نريد أن نعرض في مهرجان كانّ؟ وماذا يقول هذا الفيلم عن السينما اليوم؟".

ما طُرِح أمام لجنة الاختيار، بحسب فريمو، هو في جوهره سينما مشبّعة بقضايا معاصرة، من النزاعات والعنف والتوتّرات الاجتماعية. غير أنها، في الوقت نفسه، تحمل أيضاً ملامح حنين خفّي إلى فكرة الجماعة، وإلى العيش المشترك، وكأن السينما تستعيد ذاكرة عالم أكثر تماسكاً أو رغبةً في استعادته. تُلاحَظ أيضاً تباينات في المزاج السينمائي بين المناطق المختلفة: ففي العالم الغربي، ثمة ميل واضح نحو البحث عن الصفاء، العودة إلى الطبيعة، واستعادة مساحات من التنفّس. في المقابل، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً في مناطق أخرى إلى الأمن والاستقرار، وإلى حماية الذات في مواجهة العنف.

 

"السينما هنا"

في المؤتمر الذي عقده المهرجان خلال الشهر الماضي لاعلان البرنامج، قال فريمو إن بعض الأصوات في الثمانينات كانت قد أعلنت موت السينما، من بينها جان لوك غودار والناقد الكبير سيرج دانيه. في رأيه أن المسألة تبدو اليوم مختلفة تماماً. فلغة السينما نفسها لم تكن يوماً بهذين الحضور والامتداد. فهي تتسلل إلى كلّ مكان، وتعيش حتى داخل الأشكال الرقمية المعاصرة، بل وفي أبسط الصور اليومية وأكثرها عفويةً. "السينما هنا"، قال، "والأفلام التي سنعرضها عليكم هي الدليل على ذلك، فهي تشهد لحيوية استثنائية في فعل الخلق السينمائي حول العالم".

في المقابل، التحدّيات أمام الفنّ السابع كثيرة: بين تراجع عدد المشاهدين في الصالات (ومن هنا اصرار على عقد المؤتمر الصحافي داخل صالة سينما، في إشارة رمزية إلى ضرورة إعادة الجمهور إلى مكانه الطبيعي)، وتحوّل سلوك الأجيال الجديدة مع الفيلم، واتساع حضور الشاشات البديلة، واندماج استوديوهات هوليوود الكبرى، إلى جانب تفشّي القرصنة، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي الذي يعتبره المهرجان شكلاً جديداً، ومركباً، من الاستنساخ والقرصنة.

خارج المسابقة التي ستختار منها لجنة التحكيم برئاسة المخرج الكوري بارك تشان ووك فائزاً خلفاً لجعفر بناهي، تبرز مجموعة من اللحظات والمواعيد المنتظرة. من بينها عودة آندي غارسيا إلى الإخراج مع "دايموند"، وهو عمل رافقه منذ ما يقارب عقداً ونصف العقد. كما يأخذنا الدانماركي نيكولاس فيندينغ رفن إلى طوكيو في رؤية بصرية صاخبة، فيما يسترجع فولكر شلوندورف عشرينات القرن الماضي ليحكي سيرة امرأة تمتد حياتها على سبعين عاماً. أما جون ترافولتا فيقدّم قصّة طفل شغوف بالطيران يخوض رحلة مع والدته إلى هوليوود، في حين يكشف ستيفن سادربرغ عن مقابلة حميمية أخيرة أجراها جون لينون. ويقدّم رون هاورد بدوره وثائقياً عن المصوّر الأيقوني ريتشارد أفيدون. صحيح أن الحضور الأميركي يبدو خافتاً داخل المسابقة، إلا أن ظلها يبقى قوياً على أقسام المهرجان المختلفة، بما في ذلك لحظة التكريم التي ستحظى بها المغنية والممثّلة باربرا سترايسند (84 عاماً) في الختام.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
كتاب النهار 5/11/2026 5:00:00 AM
يذهب وفد لبنان "للتفاوض" وسط سؤال "كارثي" صار يختصر كل تداعيات الحروب المتعاقبة على لبنان منذ "تحرير " عام 2000 حتى اللحظة التي سيجلس فيها الوفد في مواجهة الإسرائيليين، وهو أي ضمانة لقدرة الدولة اللبنانية على نزع سلاح "حزب الله"؟
لبنان 5/11/2026 5:34:00 AM
يمكن التوصل بين الرئيسين عون وبري إلى أرضيةٍ مشتركة حول البنود المرجعية، بعد إعلان رئيس الجمهورية أن هدفه "إنهاء الحرب مع إسرائيل على غرار اتفاقية الهدنة".
لبنان 5/11/2026 1:32:00 PM
بلغ مجموع طلبات المودعين الذين تقدموا للإستفادة من التعميمين الأساسيين الرقم 158 و 166 حتى تاريخ تقديم هذا البيان 610,624 طلباً...