معرض الرباط الدولي للكتاب يقلب حسابات المتشائمين... ابن بطوطة يجوب العالم في كتاب
لا تكفي الأرقام وتجدي وحدها للحديث اليوم عن معارض الكتاب العربية، ولا الأجنبية، وإن لم تنعدم أهميتها كما هو الشأن مع معرض الرباط الدولي للكتاب الذي انتظم وتمتد أنشطته وأجواؤه في العاصمة، التي باتت تحظى بنعتين: عاصمة الأنوار٫ والعاصمة الثقافية؛ لا بل حازت هذا العام بتقدير اليونسكو لقب "العاصمة العالمية للكتاب". لنذكر أن الدورة 31 لمعرض هذا العام الذي امتدّ من فاتح أيار/مايو إلى العاشر منه استقبلت 891 عارضاً والدول المشاركة 61 دولة دولة، وحلّت فرنسا فيها ضيف الشرف.
تظاهرة ثقافية في المغرب
يعنينا بعد وأهم من الأرقام كيف يمكن جعل معرض للكتاب تظاهرة ثقافية وطنية، أولاً، وعربية شاملة، ثانيّاً، ودولية متعددة الجنسيات والثقافات واللغات، ثالثاً. هذا هو الرهان الذي خاطرت فيه وزارة الشباب والثقافة والاتصال لكي تكسب ما تعتبره التحدي الأصعب بما يطمح إليه أي معرض دولي للكتاب من تميّز، من جهة، ويكسب به المغرب سمعة منارة ثقافية قابلة لاستيعاب الثقافات المتعددة والتحاور معها نظير وضعه قبلةً سياحية لملايين الأجانب، من جهة ثانية. لربح الرهان وُضعت خطط وبرامج واختيارات تقنية وفكرية وتمثيلية يمكن رسمها على الشكل التالي:

ـ رغم الظروف الصعبة في منطقة الشرق الأوسط ضمنت وزارة الثقافة حضور أكبر وأهم دور النشر العربية، إما مباشرةً أو بالتوكيل، وتحرص هذه على تمثيل سنوي لأنها بشهادة أصحابها تحقق مبيعات جيدة، وتبيع كتبها بفارق سعر مرتفع عن بلدانها الأصلية، وتكسب قراءً منتظمين لإصداراتها.
- التعدد والتنوع ضمن الوحدة: هكذا تجسدت في معرض الرباط عمليّاً ستةُ معارض:
* الأول الأهم خاص بأروقة دور النشر وتحوز نصف المساحة باكتظاظ ملحوظ. يفترض أنها تعرض للزوار أحدث الإصدارات وتتنافس في ذلك، وبعضها يعيد تدوير القديم ما أكثره رغم تنبيه بتقديم الحديث.
* الثاني، المعرض الفرنكفوني، وقد ضم هذا العام الناشرين المغاربة المعنيين بالكتاب الفرنسي الأدبي على الخصوص. معلوم أن المغرب يعيش منذ مرحلة الاستعمار وبعدها نظام التعليم المزدوج وينتج نخبة فرنكفونية التكوين. لكن، رغم توسع نطاق هذا التعليم الفرنسي والخاص والدعم الكبير الذي يحظى به فإن حضوره على مستوى إنتاج واستهلاك الكتاب محدود قياساً بالعربي. فحسب التقرير الأخير للنشر والقراءة في المغرب الذي تنجزه مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود بالدار البيضاء٫ وهو معتمد، بلغت نسبة المنشورات الفرنسية في مجالات الأدب والعلوم الإنسانية 16,14% فقط، مقابل 78،63% للعربية.
* الثالث، المعرض الفرنكفوني 2 ممثّلاً في حضور فرنسا ضيف شرف هذا العام، بمعروضاتها المتنوعة والدعائية، وخصوصاً بلفيف من الكتاب أولهم الروائية آني آرنو (الحائزة على نوبل للأدب 2022).

* المعرض الرابع، تمثل فيه هيئات حكومية لها علاقة بثقافة المواطنة مثل العدالة، والحكامة، والحقوق. بجانبها أروقة المؤسسات الأكاديمية تعرض الأبحاث الجامعية حسب اختصاصاتها الدقيقة. ولنا أن نفهم ونتصور أن مرتاديها نخبة متفوقة تصوغ تلويناً مختلفاً لجمهور المعرض العام الأغلبي.
* الخامس، معرض الطفل، في فضاء فسيح، ومنتوجات وعروض خاصة بأعمار الأطفال المتدرجة والفتيان، تميز سنتنا هذه بالاحتفال بالذكرى الثمانين لصدور قصة "الأمير الصغير" (1946) لأنطوان دو سانت-إكزوبيري.
* السادس، عنوانه البرنامج الثقافي الموازي، الذي يستحق بجدارة اسم "جامعة حرّة مفتوحة" نظراً لوفرة مواده، وتنوع تيماته، من الأدب والعلوم الإنسانية، والفنون، والاقتصاد، والعلوم، واللغات؛ ولعدد المشاركين المتدخلين من أدباء ودارسين من عديد البلدان، طيلة عشرة أيام بمعدل ساعة لكل جلسة، ومن الساعة 11 صباحاً إلى السابعة مساءً، ففاقت المائة، بقاعات لا تفرغ ومشاركة فاعلة.
صورة ثقافة وطنية مركبة
على سبيل التمثل فقط أقدم العناوين الكبرى التي طُرقت. أولها أدب الرحلة والسفريات باعتبار أن الرحالة المغربي ابن بطوطة هو شخصية المعرض. محور ترجمة العالم وكتابة الآخر شغلت فيه باريس ندوتين بوصفها محطة تنقل للعرب منذ رفاعة الطهطاوي. سفريات الديبلوماسية المغربية نحو الغرب. تُوّج هذا المحور في حفل كبير بجوائز أدب الرحلة تنظمها سنوياً مؤسسة الأدب الجغرافي الإماراتية موزعة بين القديم والمعاصر واليوميات. وضمن تيمة كيف نفكر في العالم نظمت ندوات عن ابن رشد، والفلسفة العربية الإسلامية. نضيف لهذا عديد الجلسات حول قضايا التحديث في الأدب والتشكيل والموسيقى. ونظمت ندوات عن مفكرين راحلين نخص بالذكر الكاتب وعالم الاجتماع عبد الكبير الخطيبي. وندوة عن الذكرى المئوية لميلاد الشاعر العراقي بدر شاكر السياب. وازت هذه الأنشطة لقاءات مع ضيوف المعرض من المشرق العربي، الفلسطيني إبراهيم نصرالله وأدباء من الإمارات العربية المتحدة. وحظي الشعر بأمسيات كل يوم من شعراء من المغرب والمشرق في حفلات مستقلة باهرة.

وإذا كانت هذه المكونات الستة لمعرض الرباط الدولي للنشر والكتاب بالرباط تصنع كتلة متفاعلة حيناً، ومتباعدةً حيناً آخر، فهي تُجمِل صورة ثقافة وطنية مركبة ومتعددة البنيات من نواح مختلفة. لا بد أن نضيف لها مكوناً خارج التخطيط والتصنيف الرسميين، ذاك الذي يؤلفه الكتاب المغاربة والضيوف وهم يلتقون في حوارات متنوعة ومثمرة بالفضاء المفتوح، وخلال جلسات التوقيع بالعشرات لدى ناشريهم تتحول إلى احتفاء بالكاتب تشعره بالاعتراف، ولقاء بهيج مع القراء يدنيهم من كاتبهم.
يعنيني كثيراً ما لا أجد أفضل منه مسك ختام لهذه الورقة، الإقبال المدهش والمفرح الذي عرفه المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط عامه هذا، متفوقاً على ما مضى ومؤكداً حقائق لا تقبل الجدال: أولها، ترسيخه في الرباط ووترسيخ مكانتها عاصمةً ثقافيةً للمغرب. ثانيها: في ضوء متابعة منتظمة تشهد توافد الآلاف من الزوار من ساعات النهار الأولى وإلى المساء من دون انقطاع. زوار وافدون من جميع أنحاء البلاد٫ وأغلبهم من الشباب واليافعين. والغالبية منهم فتيات ونساء. هؤلاء جميعاً يملؤون ممرات المعرض مزدحمين حول أروقة دور النشر يقتنون بمعرفة ولهفة، كل حسب قدرته، ومن المؤكد أن إحصائيات المبيع لهذه السنة حين ستنشرها وزارة الثقافة وهي خاضعة لإحصاء دقيق مع عدد بطاقات الزوار ستتفوق على العام المنصرم.
إن هذه المعطيات، وغيرها مما لا يتّسع وصفه، تنفي مزاعم وأغاليط ضعف القراءة في العالم العربي، كما يشيع ناشرون لهم غرض من وراء هذا الافتراء، فالقراء موجودون، ويطلبون المنتوج الجيد، ويعرفون ما يريدون، وعلاقتهم بالكتاب الورقي متينة ومستمرة وأولى لا ينافسها الرقمي بأي درجة. إن الإقبال العظيم للمغاربة على معرض الكتاب، ومثله إقبال القراء العرب على معارض القاهرة وأبوظبي والشارقة ومسقط والكويت وتونس والجزائر يكذب بل يسفّه آراء وأحكام المتشائمين، وهذه بشرى تستحق أن نحتفل بها ونتفاءل لمستقبل الكتاب والثقافة في العالم العربي، رغم كل شيء.
نبض