هوليوود والرهان الآمن على النوستالجيا... هل كان "مورتال كومبات 2" ضرورياً؟
ثمّة شيءٌ بالغ الدلالة، وربّما شديد الغرابة أيضاً، في كون فيلمَي "مورتال كومبات 2" و"الشيطان يرتدي برادا 2" يتصارعان على الصدارة نفسها في شباك التذاكر الأميركي في الأيام العشرة الأولى من أيار/مايو.
ظاهرياً، يبدو أنّ كلاً منهما ينتمي إلى كونٍ سينمائي مختلف تماماً: أحدهما غارق في العنف الاستعراضي، وأساطير ألعاب الفيديو، والمعارك الدموية؛ فيما يتحرّك الآخر داخل عالم الموضة الراقية، والحوار الذكي، وثقافة النجومية التي طبعت جيل الألفية. غير أنّ ما يجمعهما، في العمق، هو المنطق الصناعي نفسه الذي يحرّكه افتتان هوليوود المتزايد بكلّ ما هو مألوف وقابل للاستدعاء من الذاكرة الجماعية كلّما اقتضت الحاجة.
"مورتال كومبات 2" ينافس "الشيطان يرتدي برادا 2"
هذا الأسبوع وحده يكشف حجم الظاهرة بوضوح لافت. فقد افتتح "مورتال كومبات 2" عروضه بإيرادات قاربت 17 مليون دولار يوم الجمعة، مع توقّعات بأن تتراوح عائداته الأميركية بين 40 و41 مليون دولار بحلول نهاية عطلة الأسبوع، في سباق متقارب مع "الشيطان يرتدي برادا 2" على المركز الأول. أمّا الأخير، فكان قد فاجأ هوليوود قبل أسبوع فقط عندما حقّق افتتاحية محلية بلغت 77 مليون دولار، إلى جانب أكثر من 233 مليون دولار عالمياً؛ وهي أرقام استثنائية لفيلم كوميديا-دراما عن عالم الموضة يعود أساسه إلى عام 2006.
لكنّ المواجهة بين الفيلمين لا تكشف اختلافاً في الأنواع السينمائية بقدر ما تكشف اختلافاً في أشكال الحنين التي يستهلكها الجمهور المعاصر. فـ"الشيطان يرتدي برادا 2" يقوم على الحنين العاطفي عبر عودة إلى شخصيات محبوبة، وعبر أداءات ومزاج ثقافي ارتبط بمنتصف الألفية الأولى من القرن الحادي والعشرين. في المقابل، يمثّل "مورتال كومبات 2" حنين الامتيازات التجارية؛ أي إعادة تدوير ملكية فكرية لا تغيب فعلياً عن السوق، لأنّها تظل حيّة عبر ألعاب الفيديو، ومنصات البثّ، والمنتجات المرافقة، وجماعات المعجبين التي تواصل تغذيتها رقمياً.
غير أنّ ذلك يفتح الباب أمام سؤال أكثر إلحالاً وأكثر حساسية: هل كان "مورتال كومبات 2" ضرورياً أساساً؟
الإجابة ترتبط إلى حدّ بعيد بالطريقة التي نقرأ بها الفيلم الأول. صحيح أنّ "مورتال كومبات" حقّق نجاحاً تجارياً كافياً لتبرير جزء ثانٍ، خصوصاً في ظل نموذج العرض الهجين الذي ازدهر خلال مرحلة الجائحة، لكنّ الاستقبال النقدي والسردي للفيلم ظلّ مرتبكاً. وكانت شخصية كول يونغ، التي ابتُكرت خصيصاً للفيلم بدلاً من استلهامها من اللعبة الأصلية، إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل؛ إذ شعر كثير من المعجبين أنّ الشخصية جاءت نمطية وزائدة عن الحاجة، خصوصاً مع غياب شخصيات محورية مثل جوني كايج.
والأهم أنّ فيلم 2021 بالكاد قدّم العنصر الأكثر التصاقاً باسم "مورتال كومبات"، ألا وهو البطولة نفسها. فقد بدت الحكاية يومها أقرب إلى مقدّمة طويلة لعمل آخر، لا إلى فيلم مكتمل بذاته. الشخصيات قُدّمت، والصراعات لُوِّح بها، والأساطير شُرحت بإفراط، لكنّ جوهر السلسلة بقي مؤجَّلاً إلى جزء لاحق. ومن هذه الزاوية، يبدو "مورتال كومبات 2" اليوم كما لو كان نصفاً ثانياً مؤخَّراً من مشروع قرّرت هوليوود تقسيمه عمداً.
ربّما لهذا السبب تحديداً وُجد الجزء الثاني رغم كلّ الشكوك المحيطة به. فالمراجعات الأولى تشير إلى محاولة واضحة لتصحيح أخطاء الفيلم السابق، عبر التركيز بصورة أكبر على البطولة، ومنح مساحة أوسع لشخصيات ينتظرها الجمهور منذ سنوات، وفي مقدّمها جوني كايج الذي يؤدّي دوره كارل أوربان. والمفارقة أنّ أكثر العناصر التي حظيت بالثناء في الجزء الجديد هي نفسها العناصر التي كان المشاهدون يتوقّعون رؤيتها منذ الفيلم الأول.
لكنّ المسألة، في النهاية، تتجاوز "مورتال كومبات" نفسه. فهوليوود في عقد العشرينيات تبدو عاجزة أكثر فأكثر عن تقبّل فكرة انتهاء القصص. لم تعد الأجزاء الثانية والثالثة استثناءات نادرة، إذ تحوّلت إلى جزء من البنية الصناعية ذاتها. الامتيازات الحديثة لا تُبنى اليوم على اعتبار أنّها أعمال مكتفية بذاتها، وإنّما كمنظومات قابلة للتمدّد المستمر. والسؤال الذي يحكم قرارات الاستوديوهات لم يعد: "هل ما تزال هناك قصة تستحق أن تُروى؟"، بل: "هل ما تزال العلامة التجارية قادرة على تحقيق الربح؟".
لهذا يتقارب "مورتال كومبات 2" و"الشيطان يرتدي برادا 2" روحياً، رغم التناقض الجمالي الكامل بينهما. فكلاهما يعِد الجمهور بالعودة إلى مساحة مألوفة، في زمن يتضخّم فيه الشعور بالتشظّي، واللايقين، والتخمة الترفيهية التي تتحكّم بها الخوارزميات، وهو ما حوّل الألفة نفسها إلى واحدة من أكثر رهانات هوليوود أماناً.
مع ذلك، يبقى هناك فارق حاسم بين الاستكمال الحقيقي والتكرار الميكانيكي. فالأجزاء العظيمة توسّع عوالمها، أو تعيد تأويلها مع الزمن، بينما تكتفي أعمال أخرى بإبقاء الامتياز حيّاً داخل دورة الاستهلاك.
من هنا، هل يكمن التحدّي الحقيقي أمام "مورتال كومبات 2" في الفوز بصدارة شباك التذاكر خلال عطلة أسبوع واحدة، أم في قدرته على تبرير وجوده خارج حدود الحنين، والإشارات المرجعية، وإدارة الامتياز التجاري؟ جمهور 2026 لم يعد يسأل فقط إن كان الجزء الجديد سينجح تجارياً؛ وإنّما إن كان ينبغي له أن يوجد من الأساس.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض