عند حافّة مجرفة

عند حافّة مجرفة
تعبيرية.
Smaller Bigger


الكتابة في عمل إبداعي، من أعمال الفنّان جريج بو هارون، ليست مجرّد حبكة على سطور مقالة، بل هي مشاركة في جهد فلّاح، تناديه السواقي، ليعتقها إلى التراب بحافّة مجرفة، وعودة إلى أمسٍ بكلّ تفاصيله، بمجرفته، وساقيته، ومحقانه، وبصناديق تتّسع لغلال وفيرة.

تأخذ ريشة بو هارون عين الرائي إلى لوحته، في رحلة البحث عمّا غاب من الذاكرة، وحضر في لوحة الفلّاح. فذاك هو حقله ينتظر ما يمنّه عليه المحقان. وها هنا لوحة تفوح برائحة الزهر الواعد، وتصدح مساحاتها رقرقة سواقي وزقزقة عصافير، وتفيض بعرق فلّاح على مسارٍ بين النبع والبستان.

ترتاب المجرفة من رجس الساقية الخاوية من الحصى، قبل نزولها عن كتف عاشق الحقل، وتتماهى الوديان مع الحقول الخضراء وكبرياء الجبال.

أثلام تنشد خرير مياه على حافة مجرفة، لتتطهّر من رجس العطش. فيرويها عرق يتصبّب من جبين يختلط بالماء الجاري. ويلتقي عرق الجبين مع عرق العافية التي تفوح رائحتها من قميصٍ انتهى حلم عراويه عند عقدة فوق شروال. وعناق السترة والجسد نشوة مع بلل المعافاة. 
عينا فلّاح، شرفتان مفتوحتان تحت حاجبين عضيّن على أخضر البراري، وزبد السواقي. وشاربان يترجّحان على خطيّن وقدرين، تحت خدّين استمدّا لونهما القرمزي من شمس الظهيرة.  

رسم بو هارون من جمال الأيّام حكايات عتيقة، مزهوّة بألوان من عهود وأزمنة تنشد مواويلَ تحت أشعّة شمسٍ، والقبعة ملاذاً ووقاراً، تعتمر هامة تربّع صاحبها على عرش التّراب، حاملاً مواسم الخير، وحصاد العمر المرّ. ينسج الصبر والوفاء للطبيعة في جهاده بين الكروم، وأمله بالمواسم موشوم على صخور جبلين يغمران وادٍ يحتضن جدولاً.

دغدغت شعيرات ريشة بو هارون وجهاً، فانفرج ببسمة سمحاء، تحمل في نسماتها فوح حياء ندي. وجهٌ ما استعصم يوماً إلّا خدمةً لعملٍ يرجو منه رحمة الله الواسعة. سنحة فلّاح مشرقة، يعرف أنّ العمل في الأرض يمحق باطل التسكّع على أرصفة العمر، وهو الذي ما فتئ يغرس في رحمها نصوباً، فتغدو الحقول في اتّساعها، كبهاء العيون عندما يخضّبها كحل العشق. 

كيف رسم جريج بو هارون شغف الأرض في أوصال روح فلّاح، لا يكاد يستريح من تعب، إلّا ليغادر قيلولته نحو سلامه الداخليّ؟ وكيف جعل الأرض نافذة عينيه إلى أبواب السماء المشرّعة؟ وكيف بانت المجرفة على كتف فلّاح في اللوحة، تبحث عن ساقية ماء حبلى بخير الرزق الساكن في قلوب الأولياء على الحقول؟    

لوحة "عند حافّة مجرفة"، تخلّد جبالنا في ذاكرة الأجيال، وتقيم اتّصالاً قطعته الثورات الرقميّة التي لا تحتوي على الخيال، هي لوحة توقظ الماضي، وتغدق على الحاضر بكثير من الصفاء والنقاء والعنفوان.

ريشة جريج بو هاورن، أخذت ألوانها من حنين راكم في وجداننا نوازع رحيل إلى الماضي، مع فلّاح أذاب عرق عضله المفتول على عصا مجرفة، قادرة على تحويل مجرى السواقي، وتبقى صامدة مستقيمة من دون اعوجاج. 

الأكثر قراءة

ثقافة 10/9/2026 5:11:00 AM
لا سبيل إلى إنقاذ الموقوف في معمل البصل إلا بالوصول إليه قبل الإنطلاق به إلى دمشق
الولايات المتحدة 10/9/2026 10:43:00 PM
عيّن ترامب كاتي زكاريا متحدثة باسم البيت الأبيض خلفاً لكارولين ليفيت. وهي معلّقة سياسية محافظة ومتحدثة سابقة باسم وزارة الأمن الداخلي.
لبنان 10/10/2026 12:00:00 AM
الحدث الخطير الذي طغى على مجمل المشهد الداخلي تمثّل في كشف مصدر أمني لبناني عن ضبط 800 كيلوغرام من المتفجرات في سيارة على حاجز الأمن الداخلي في ضهر البيدر، مشيراً إلى أن الأمن الداخلي ضبط المتفجرات مع عنصرين ينتميان إلى "حزب الله"، هما "ع-ش-ك" و"ه-أ-أ".
فن ومشاهير 10/9/2026 9:50:00 AM
اتفقت الكاتبتان وشركة الإنتاج على إنهاء التعاون بينهما.