الجناح السعودي في "بينالي البندقية"... دانة عوارطاني تستحضر التراث العربي المهدَّد بالفن
في "بينالي البندقية 2026"، لا يقدّم الجناح السعودي معرضاً تقليدياً بقدر ما يدعو الزائر إلى الوقوف أمام الذاكرة نفسها. فمن خلال عملها التركيبي "لعلّ دموعك لا تجف، يا من تبكي على الحجارة"، تحوّل الفنانة السعودية دانة عوارطاني الجناح إلى موقع أثري متخيَّل، يستحضر أماكن تاريخية وثقافية من العالم العربي تعرّضت للدمار أو التهديد بفعل الإنسان، في محاولة للتأمل في الفقدان، وما يبقى من الحكايات بعد الخراب.
وفي حديث خاص لـ "النهار"، قالت عوارطاني إن مفهوم "المفاتيح الصغيرة" (In Minor Keys) الذي يطرحه بينالي البندقية هذا العام "دفع بممارستي الفنية إلى مستوى جديد، مع بقائي متجذّرة في القيم الأساسية التي لطالما شكّلت أعمالي، والمتمثّلة في الحفاظ على الحِرف التقليدية والثقافة والتراث في العالم العربي، والتي تواجه اليوم خطر الاندثار".

وعن عنوان العمل، أوضحت أنه يأتي "كنداء إلى الجمهور"، مستلهماً من تقاليد الشعر العربي الكلاسيكي، حيث يُنظر إلى الوقوف أمام الأطلال كفعل تأمّلي يستحضر الذاكرة والفقدان واستمرارية الزمن.
الذاكرة العربية داخل موقع أثري متخيَّل
وكشفت عوارطاني أن العمل جاء ثمرة أشهر من البحث في مواقع ذات أهمية تاريخية ومادية في أنحاء العالم العربي، تعرّضت خلال السنوات الأخيرة لأضرار بفعل الإنسان. ويُقدَّم العمل على هيئة موقع أثري متخيَّل يضمّ 29,221 قالباً طينياً مصنوعاً يدوياً، نتجت عما يقارب 30 ألف ساعة من العمل الحرفي، بمشاركة 32 حرفياً محترفاً يقيمون في السعودية.
ومن المساجد إلى القصور القديمة، يستحضر العمل 23 موقعاً ذا أهمية تاريخية وثقافية، تقول عوارطاني إنها "تحمل قيمة ثقافية ومادية لا تُقدّر بثمن، وتحظى باعتراف من "اليونسكو"، وصندوق الآثار العالمي، ومؤسسة " ALIPH" وغيرها من الجهات التي تعمل على حماية هذا الإرث المهدَّد"، مضيفة: "هذه المواقع ليست مجرد حجارة، بل أوعية تحمل القصص والهويات عبر الزمن".

وتتعاون الفنانة ضمن هذا المشروع مع حرفيين محترفين وأصحاب مهارات تقليدية، من بينهم مجتمعات نازحة، باعتبارهم حماة لتراث حيّ وغير مادي ينقل المعرفة عبر الأجيال ويجسّد الصمود الثقافي. ومن خلال مفهوم "الأيادي الكثيرة"، الذي يحتفي بالتأليف الجماعي وتوارث المهارات والمعرفة، تتحوّل العملية الفنية نفسها إلى فعل حماية لذاكرة مهدَّدة بالاندثار بفعل النزوح والأتمتة، بحسب عوارطاني.
الحِرفة كفعل مقاومة إنسانية
تؤكد عوارطاني أن الجناح السعودي هذا العام "يسلّط الضوء على الحاجة الملحّة لحماية التراث الثقافي المادي المهدّد، مبرزاً كيف يمكن للحفاظ والترميم أن يتعايشا مع الفقدان، وكيف تسهم التواريخ الثقافية المتداخلة في تشكيل إرث إنساني مشترك".

وتضيف أن "السعودية لطالما كانت صوتاً عالمياً بارزاً في حماية التراث الثقافي، إذ يرثي العمل ما فُقد، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الثقافة قادرة على الاستمرار"، مشددة على أن المشروع "لا يقدّم موقفاً سياسياً أو أيديولوجياً، بل موقفاً إنسانياً ينسجم مع فكرة "المفاتيح الصغيرة"، التي تنظر إلى الفن بوصفه تعبيراً عن العناية والجمال في مواجهة المأساة".
نبض