"الصفقة الكبرى" مع "الشيطان الأكبر" (1)
جواد الساعدي*
يفيد باحثٌ سياسي فلسطيني مقيم في إيران؛ درس العلوم السياسية في جامعة طهران وتخصص في الشأن الإيراني، بأن تعريف السياسة بالنسبة للإيرانيين يقتصر على كلمتين، هما: "استقرار" النظام و"استمراره"، "بعيدًا من أي تفاصيل لها علاقة بالحريّة والمشاركة والتعددية السياسية، وما إلى ذلك"، ويستخلص: "لذا، عندما تفاوض إيران فإنها (...) تنظر إلى هدفٍ مركزي هو بقاء النظام واستمراره".
من أجل هذا البقاء، يُحسَب للإيرانيين على مدى العقود الماضية، وحتى اللحظة الأخيرة التي سبقت هذه الحرب، محاولاتهم الجادة لتجنّب حربٍ مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. تراوحت هذه المحاولات بين المواجهة غير المباشرة من خلال الأذرع الحليفة، وبين طَرْق الأبواب الديبلوماسية وتقديم أقصى التنازلات عن شعاراتهم المرفوعة وسياستهم المعلنة؛ وذلك في سبيل ترتيب العلاقة مع الولايات المتحدة وإقامة تفاهم ثنائي معها حول شؤون المنطقة يلبي نزوعهم إلى الهيمنة وينال رضى الاسرائيليين.
في هذا السياق يأتي تعاونهم مع الولايات المتحدة الأميركية على احتلال افغانستان ثمّ احتلال العراق؛ وهو تعاونٌ اعترف به أكثر من مسؤول إيراني، بينهم رؤساء، وتحدّث عنه وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف في حواراته التي أدلى بها بين عامي 2010 و 2012 لباحثٍ إيراني في الشأن السياسي. نُشرت الحوارات في كتابٍ بعنوان "سعادة السفير محمد جواد ظريف".
على الرغم من الطابع السياسي للحوارات التي لم تتطرق إلى الجوانب العسكرية والأمنية وتبادل المعلومات الاستخباراتية بحكم سرّيتها ووظيفة ظريف الديبلوماسية، فإنه يقول: "كانت لدينا ثروة عظيمة (...) عندما أرادت الطائرات الأميركية أن تهبط في أفغانستان، كان مطار باغرام بيد أصدقائنا (...) لهذا، كانت لدينا فرصة".
حول ذلك يقول المسؤول السياسي في الحزب الإسلامي الأفغاني الدكتور غيرت بهير آدم: "لا أعتقد أنه كان في إمكان القوات الأميركية اجتياح العراق وأفغانستان، لو لم تكن هناك مساعدة من إيران".
على المستوى السياسي يفيد ظريف بأن الوفد الإيراني في مؤتمر بون للجماعات الأفغانية الذي عُقد بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران بمشاركة ألمانيا وإيطاليا، بالتوازي مع التحضير للغزو؛ كان أول من اقترح حامد كرزاي رئيسًا للمرحلة الانتقالية: "كنا نعلم أن الأميركيين يميلون إلى السيد كرزاي، ومن خلال هذه المبادرة تمكنّا من نيل ثقتهم"، وحيازة "سمعة إيجابية في المجالس الأميركية"؛ وينقل عن تقرير وزير الخارجية الأميركي آنذاك كولن باول لمجلس الشيوخ قوله عن الدور الإيراني: "لولا إيران لما نجح المؤتمر".
ذلك على الرغم من أن الرئيس الأفغاني السابق برهان الدين ربّاني كان لا يزال رئيسًا شرعيًّا معترفًا به في الأمم المتحدة، ومن قِبَل إيران بالذات، و"يحظى بحمايتها"، كما يقول ظريف.
أما في خصوص العراق فيقول: "اتخذَت طهران قرارًا على أعلى المستويات بحوارٍ مع الأميركيين"، ويضيف: "قمنا بالتحاور ثلاث مرات، المرّة الأولى في باريس، والثانية والثالثة في جنيف، مرّتين قبل الهجوم على العراق، وأخرى بعده".
أما السفير الأميركي زلماي خليل زاده الذي عمل مبعوثًا خاصًّا للرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش في أفغانستان والعراق، فيقول في كتابه "المبعوث" (The Envoy): "في اجتماعَيْنا قبل الحرب، أخبرتُ ظريف أن الولايات المتحدة تعتزم الإطاحة بنظام صدام، والقضاء على قدرات العراق في مجال أسلحة الدمار الشامل؛ وإقامة حكومة ديموقراطية تعيش بسلام مع جيرانها. نتوقع تعاون إيران في جوانب معينة. أردنا التزامًا ألّا تُطلقَ إيران النار على الطائرات الأميركية إذا حلّقت بالخطأ فوق الأراضي الإيرانية، فوافق ظريف".
موافقة ظريف الفورية في شأن مسألة عسكرية تتعلق بالسيادة، وهو يومها ممثل إيران في الأمم المتحدة، تدلّل على أنه كان مزوّدًا صلاحيات استثنائية من قبل "المستويات العليا"، التي تعني ضمنًا المرشد علي خامنئي.
هذا فضلًا عن تشجيع إيران للأحزاب والتيارات والشخصيات الشيعية العراقية المقيمة في إيران وتوفير المبررات "الشرعية" وكل السبل اللازمة لها لتلبية الدعوات الأميركية للخطوات التحضيرية للغزو، والتصرّف خلاله وفق الضوابط المتفق عليها مع الأميركيين، وهو ما شجّع الكرد أيضًا على الانخراط، ودفعَ جزءًا آخر من المعارضة العراقية في دمشق للالتحاق بالركب.
يقول ظريف أيضًا: "على الرغم من اتفاق المتفاوضين وتحديد تاريخ للحوار الرابع، لم نجتمع مرّة أخرى. إن أصحاب القرار في طهران وواشنطن، وفي فترة متزامنة، من دون علم كل طرف بقرار الطرف الآخر، قرروا عدم الاجتماع في المرة الرابعة".
في موضعٍ سابق يتحدّث ظريف عن خيبة أمل إيرانية أعقبت التعاون مع الأميركيين على احتلال أفغانستان، وذلك عندما ألقى الرئيس بوش خطابه عن حالة الاتحاد في 29.01.2002، أي بعد أقل من بضعة أشهر على احتلال كابول وانهيار نظام "طالبان"؛ فأدرج إيران ضمن "محور الشر".
لكنَّ الخيبة لم تمنع استمرار تقديم الخدمات في خصوص العراق بقرارٍ من أعلى المستويات؛ غير أنها أضيفت في ما بعد الى خيبة أخرى أكثر جوهرية لم يأتِ ظريف على ذكرها؛ إما لأنه لم يكن مشاركًا فيها، أو لأن الحديث عنها في حينه كان من الممنوعات.
بعد إحتلال بغداد بأقل من أسبوعين، كان يجري الإعداد لقناةٍ تفاوضية شديدة السريّة، بعيدًا من أسماع وأنظار ظريف وخليل زاده؛ ففي يوم 21.04.2003 ذهب سفير إيران في باريس صادق خرازي، وهو ابن شقيق وزير الخارجية حينها كمال خرازي الذي تربطه علاقة مصاهرة بالمرشد، لزيارة السفير السويسري في طهران تِم غولدِمان، الذي كانت بلاده تمثل مصالح الولايات المتحدة في إيران، وعمل سفيرًا لدى طهران بين العامين 1999-2004.
خاض السفيران نقاشًا طويلًا صاغا بعده في ورقةٍ واحدة، مسوّدةً أولى ي طريق تفاوضية بين إيران والولايات المتحدة؛ قال صادق خرازي إنه سيناقشها مع المرشد ووزير الخارجية كمال خرازي.
في الثاني من أيار/ مايو التقى السفيران مرّةً أخرى لثلاث ساعات، أخبر خلالها السفير الإيراني السفير السويسري أنه عقد اجتماعَين مطوَّلَين مع المرشد في حضور الرئيس الإيراني محمد خاتمي ووزير الخارجية كمال خرازي فقط، و"ناقشنا هذه الورقة كلمةً كلمة"، وإنه عقد حولها سلسلة من الاجتماعات المنفصلة مع الأخيرَيْن، وأعلمه بأنها تُعامل بسرّية عالية، ولم يُعلَم بها أحدٌ آخر.
أفاد خرازي بأنه قدّم الورقة إلى المرشد كاقتراحٍ ناقشه مع صديقٍ في أوروبا له علاقات وثيقة مع مستويات عليا في وزارة الخارجية الأميركية. سأل المرشد: هل كان هذا اقتراحًا أميركيًّا؟ نفى خرازي وقال: "إذا قُبلت الورقة فيمكن الصديق أن يحوّلها إلى واشنطن لتكون أساسًا لمناقشات ثنائية مفتوحة".
خرازي أخبر غولدِمان بأن المرشد لديه تحفظات على بعض النقاط، لكنَّ الرئيس ووزير الخارجية كانا إيجابيَّين جدًّا، وليس هناك أي مشكلة من جانبهما، ثمَّ قال عن الثلاثة: "إنهم موافقون على الورقة بنسبة 85 إلى 90%، لكنْ كلُّ شيء يمكن التفاوض عليه".
وأضاف: هناك اهتمام جلي بمعالجة مشكلتنا مع الولايات المتحدة الأميركية، لقد قلت لهم إنها فرصةٌ ذهبية وإنه يومًا ما يجب أن نجد حلًّا".
سأل خرازي السفير السويسري عن إمكان تقديم الخريطة بسريّة تامّة إلى مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية لمعرفة رد فعل الولايات المتحدة؛ طلب إجراء بعض التعديلات الطفيفة على نصّها وعبّر عن ثقته بإمكان إزالة الاختلافات عند الاجتماع بالأميركيين إذا وافقوا على لقاءٍ ثنائي على أساسها؛ وأفصح عن استعجاله لقاء وزيري خارجية البلدين "ليقررا كيفية المضي قدمًا لحل كل شيء، من الألف إلى الياء".
صاغ السفير غولدِمان مذكّرةً بمجرى الاجتماعات والنقاشات وأرفق بها خريطة الطريق وأرسلها في 04.05.2003 بالفاكس إلى الخارجية الأميركية.
أهملت الولايات المتحدة المذكرة، ولم تأخذ المقترحات الإيرانية حيّزًا من الاهتمام الكافي في الأروقة السياسية والإعلامية إلا بعد ثلاث سنوات؛ وذلك بعدما بلغ البرنامج النووي الإيراني مرحلة متقدمة وانخرطت الولايات المتحدة في مجموعة التفاوض مع إيران "5+1". في أوائل عام 2007 نشرت "واشنطن بوست" صورة "الفاكس" الذي أرسلت به، وفي 13.02.2007 كتب مراسلها الديبلوماسي غلين كيسلر مقالًا ذكر فيه أن الوثيقة "قُدِّمت من مصدرٍ يَعتقد أنه جرى توصيفها من قبل موظفي وزراة الخارجية بشكلٍ خاطئ"، وقال إنها أثارت جدلاً بين خبراء السياسة الخارجية حول ما إذا كانت إدارة بوش قد أضاعت حينها فرصة لعقد "صفقة كبرى" (Grand Bargain) مع إيران، أم لا؟
فما هي تفاصيل الصفقة المقترحة، وكيف غيّر إهمالها، مع عوامل مشابهة أخرى، السياسة الإيرانية؟
ذلك ما سنقرأه في الجزء الثاني من هذا المقال.
* كاتب عراقي
نبض