قراءة نقدية تنويرية في إشكاليات الفكر العربي التاريخية
المتأمل في الحراك النهضوي والحداثي العربي منذ القرن التاسع عشر إلى الآن، يربكه الخط التراجيدي الانكفائي لهذا الحراك، واتجاهه إلى ما يشبه الآفاق المسدودة. فقد تراجع التوجه الديموقراطي النهضوي الذي دشّنه رواد النهضة العربية الحديثة ليخلي الساحة الأيديولوجية تدريجياً للتيارات الأصولية المتطرفة التي تسعى إلى إقامة الدولة الاستبدادية وفق تفسير للدين يخوّن الآخرين ويكفّرهم لمجرد الاختلاف في الرأي والعقيدة. وعاد الفكر السلفي ليقفل نوافذ العقل من جديد، فيما تراجع الفكر الليبرالي أمام النظم العسكرية والشعبوية، فانحسرت الثقافة الليبرالية بأفكارها التحررية وقيمها العقلانية والعلمانية، وتقلّص البعد الراديكالي في الثقافة العربية، ووصلت عملية تحديث المجتمع العربي إلى مأزق حقيقي رغم مضي قرابة قرنين على ارتطامنا بحداثة الغرب.
في هذا الإطار التاريخي المأزوم، يعيد وليد كميل الخوري طرح الأسئلة النهضوية من جديد في كتابه "كلام على شفير الميتافيزيقا" (دار التنوير، 2025). فالكتاب، كما يقدّمه محمد حسين الرفاعي، هو كتاب في التساؤل وعنه، كتاب في الفكر الجذري الباحث عن إمكانات التساؤل من جديد، بغية فتح آفاق جديدة للفهم، بطرحه أسئلة النهضة العربية العاثرة، باعتبار عوامل الإخفاق كامنة في القاع الأيديولوجي للفكر العربي بكل ما يختزنه من رؤى ماضوية ومن تصورات لم تعد تتفق مع الحراك الحداثي وثورته المعرفية.
يُعلن المؤلف منذ البدء انحيازه للنظر النقدي في مواجهة الثقافة المناهضة لقيم الحرية والعقلانية واستعدائها للآخر المختلف. الأمر الذي تجلّى في حلته العقلانية الناصعة مع المعتزلة، فكان مذهبها في أصالة العقل وحرية التفكير وخلق القرآن، تأسيساً لقراءة متمرّدة رافضة للمناخ الفكري الذي أرسى دعائمه الغزالي الأشعري. فالمعتزلة ذهبت مذهباً نقيضاً لهذا المناخ بقولها بالاستنارة بالعقل تحسيناً أو تقبيحاً، ولا حاجة للتذكير بالمصير المأسوي الذي لقيته وما أصاب الفلاسفة بعدها من محن، فاتهموا بالبدعة والكفر لمناصرتهم للعقلانية الفلسفية.
وإذا كان النهضويون، الإصلاحيون والعلمانيون، قد حاولوا إعادة الاعتبار للعقلانية، إلا أنهم لم يفلحوا في تكوين ثقافة مجتمعية تثق بالعقل والحرية، ما أفضى إلى تنامي الإسلام السياسي الذي اعتبر الحكم للّه وحده، وكلّ حكم بشري تعدّياً على الحاكمية الإلهية. وكذلك، لم تفلح مقاربات النقد الثقافي للمجتمع العربي - محمد أركون في زمكنة الخطاب الإلهي، محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي، نصر حامد أبو زيد في نقد مفهوم الحاكمية الإلهية - في تجذير العقلانية في الفكر العربي.
أرجع المؤلف هذا المآل الخائب للخطاب النقدي العقلاني إلى أنه خطاب حطّ في بيئة اجتماعية وثقافية معادية تلقّته بحذر يصل إلى حدّ الرفض، بل هي رفضته كأنه زرع في تربة مالحة لا حياة له فيها، وتلك هي المعضلة في نظره، مقاربتها تقتضي معالجة الأرض قبل الزرع بإعادة النظر في مسلّمات الثقافة السائدة التي باتت عائقاً أمام اندراج العرب في ركب الحداثة. ما يستدعي سياسات إصلاحية تربوية واقتصادية واجتماعية وتنموية تعيد الاعتبار للعقلانية وحق الفرد في الاختلاف، وتعميم المساءلة النقدية والعدالة الاجتماعية لأحداث مسافة تحرّر الإنسان العربي من قيود التقليد المتمثلة في"الاقتداء والتشابه والتماثل والنسج على منوال السائد". من هنا أن تحديات الخطاب النقدي مركّبة وبالغة التعقيد، في رأي المؤلف، تفكيكها يحتاج إلى الكثير من الجهود الفكرية المخلصة والسياسات التنموية والكثير من الصبر والإصرار.

وإذ عرض المؤلف لثقافة الردّة، رأى فيها إشكالية متعددة الرؤوس عبّرت عن نفسها على امتداد التاريخ الإسلامي في المذاهب والفرق والتيارات وبلغت حدّتها في الموقف من العقل. فنبّه إلى الآثار المدمّرة التي تحدثها ثقافة الردّة في مجتمع متعدد الديانات والمذاهب والثقافات، طارحاً ثقافة الحرية باباً للخلاص من ثقافة التكفير التي أصابت الفكر المختلف بضربات قاصمة. وفي هذا السياق يعود المؤلف إلى النص الرشدي الذي يحتل موقعاً فعّالاً في القول الفلسفي السائد، فذهب إلى أنّ ابن رشد أرسى دور العقل الأساسي في إنتاج الحقيقة باستقلالية كاملة، وأن هذه الحقيقة تستطيع وحدها تفسير الحقيقة الموحى بها، وتحقيق الإبداع، والخروج من التخلّف بتجلياته المختلفة، إلى رحاب العلم والمعاصرة. لكن ذلك لا يعني أبداً دعوة ابن رشد للفصل بين الحكمة والشريعة تبشيراً بالعلمانية، بل الفصل بين الحكمة وعلم الكلام.
وأعطى المؤلف حيّزاً مهمّا للرائد النهضوي فرح أنطون كونه من حاملي لواء التحديث الذين دافعوا عن سيادة العقل وقدسية الحرية، فقد اعتقد جازماً أنّ العلم هو أساس التقدّم دون أن ينكر على الدين دوره في بناء الأخلاق، وهو في إيمانه بدور العقل لا يخرج عن إيمانه بالدين ودوره. إلا أنّ رجال الدين عملوا على تحجيم دور العقل واستتباعه لفهومهم المغرض. فالبحث في ماهية الأشياء والظواهر واكتشاف القواعد والنواميس بواسطة العقل لا يتنافى مع الديانة المسيحية التي فصلت بين السلطتين الدينية والمدنية، وجعلت من العقل منارة تضيء أمامنا سبل الحياة، ومن المباديء منبعاً للقيم الكفيلة بشفاء الهيئة الاجتماعية من عللها وأمراضها.
نرى أخيراً أنّ الباحث وليد الخوري قدّم في كتابه قراءة نقدية تنويرية في إشكاليات الفكر العربي التاريخية الأكثر إثارة للنقاش والجدل، ترفده في ذلك ثقافة شمولية في الفكر الإسلامي والفكر العربي الحديث، وإن لم يكن قد انتهى في بحثه إلى خلاصات نهائية، إلا أنه فتح مجالاً واسعاً لإعادة قراءة تلك الإشكاليات واستكناه ما يزال مغيّباً ومسكوناً عنه في أطروحاتها ومضامينها.
في هذا السياق، يمكن أن نتساءل فيما إذا كانت عقلانية المعتزلة وابن رشد لا تزال مع اعترافنا بأهميتها التاريخية، قادرة على الإجابة عن أسئلة العقلانية الراهنة، وفيما إذا كانت علمانية النهضويين لا تزال تصلح للإجابة على أسئلة عقل ما بعد الحداثة.
وإن كنّا نثني على شجاعة الباحث النقدية التنويرية كذلك، إلا أنّه في حديثه عن النهضويين الإصلاحيين والخطاب النقدي المناصر للعقلانية الذي دشّنه هؤلاء في الفكر العربي الحديث، لم يشر إلى فرنسيس المرّاش الذي قال بمرجعية العقل ومركزية الحرية في الوجود السياسي والاجتماعي، كما لم يأتِ على دور الوجود الصهيوني في إعاقة التقدم العربي واستنزاف قدرات العرب الاقتصادية والاجتماعية وتالياً إحباط الفكر النقدي في العالم العربي.
نبض