آينشتاين: "الحياةُ درَّاجة"
عن نشرةٍ إِعلاميةٍ أَصدرَتْها قبل أَيام "إِدارة المحفوظات الوطنية الأَميركية" (تأَسست سنة 1934 في الكونغرس، وتُخَصِّص لكل ولاية مبلغ 250 مليون دولار تشجيعًا جمْعَ المحفوظات والوثائق التاريخية والثقافية المحلية في الولاية)، أَنَّ النسخة الرقمية لأَوراق أَلبرت آينشتاين (1879-1955) ستُصبح قابلة للتداول العام في أَواخر أَيلول/سبتمبر المقبل من هذا العام 2026.
هذه الأَوراق (نحو 30 أَلف وثيقة) كان العالِم الفيزيائي الشهير أَودَعها لدى جامعة پرنستون، وهو درَّس فيها من 1935 حتى وفاته.
"الحياة درَّاجة"
اتسعت شهرته منذ اكتشف "نظرية النسبية"، ونال عليها وعلى أَبحاثه العلمية جائزة نوبل للفيزياء سنة 1921.
سنة 1900، يؤْثر عنه قوله: "أَنتَ في الحياة تمتطي دراجة. لكي تحافظ على توازنك، عليكَ أَن تدوس باستمرارٍ متقدِّمًا، فإِنْ توقفْتَ وقعتَ عنها". ولاحقًا سارت هذه العبارة مثالًا يتداوله الناس ويكتبونه ويطبعونه على لافتاتٍ وصُوَرٍ ووسائل التواصل والوسائط الإِلكترونية. وعاد آينشتاين فأَوردها في رسالة سنة 1930، مع تحوير بسيط في كلماتها.
الرسالة كتبها آينشتاين لابنه إِدوارد آينشتاين (ولد في زوريخ سنة 1910)، وأَضاف عليها في المطلع أَنَّ "الناس مثل الدراجات". وهو لا يعني، بالعِبرة، أَنَّ على الدَوس أَن يكون متواصلًا وبسرعة، إِنما يمكن أَن يكون بطيئًا، بطيئًا إِلى الحد الأَدنى، ويصحِّح الممتطي مساره ببُطْءٍ، تدريجيًّا، دون التوقُّف التام الذي يُرغمه على إِنزال قدَمه إِلى الأَرض كي لا يفقد توازنه فيقع.

معنى الدراجة
الاستعارة في هذه العبارة أَنَّ الفرد يمكن أَن يبَطِّئَ تقدُّمه، بانتباه، كي يعي بتؤَدةٍ كيف يصحِّح مساره، لأَنه إِذا توقَّف كليًّا سيكون عليه أَن يُقْلع من جديدٍ في مسار جديد مصحَّح، وفي ذلك مضْيَعة الوقت والجهد والعمر. من هنا أَنَّ مواصلة الدَوس لا تعني بالضرورة مواصلة السرعة.
تحللُ العبارةَ الكاتبةُ التشيلية بلانكا دِلْ ريُّو فترى أَنَّ الطرق ليست جميعها سهلة. فيها غالبًا حُفَرٌ ومطبات، وعلى الدرَّاج لا أَن يخاف منها فيتوقَّف، بل أَن يجرؤَ فيُكملَ دَوسه بين الحفَر، ويتمهَّلَ عند المطبَّات لا أَن يقف دونها خائفًا أَو متردِّدًا.

وغالبًا ما تخضع الخواطر والأَقوال والحكَم للتحريف في ترجمتها أَو عند الاستشهاد بها. فعبارة "الناس مثل الدراجات" غيرُ "أَنت في الحياة تمتطي درَّاجة"، واستطرادًا تعني بُعدًا وجوديًّا عامًّا وفرديًّا في آن.
التأْويل والتحوير
يحصل أَن تأْخذ العبارة المتداوَلة صيغًا متعددة، فتتشعَّب وتتكاثر. من ذلك أَن إِعلانًا صدر عام 2012 جاء فيه أَن أَوراق آينشتاين تبلغ 80 أَلف وثيقة بين ما كتبه هو، وما تلقَّاه وما تُرجِم له منها. وفي مرجع آخر أَنَّ أَوراق آينشتاين ستصدر عند أواخر أَيلول/سبتمبر المقبل 2026 في 16 جزءًا تضم جميع كتاباته وخطبه وأَحاديثه ومقالاته ودراساته خلال ربع قرن، من 1930 حتى وفاته سنة 1955. وكان جزءٌ وافر من تلك النصوص صدر في منشورات جامعة پرنستون. وستكون الوثائق الكاملة، للمرة الأُولى، في متناول المؤَسسات البحثية والمكتبات الرقمية والورقية والباحثين والدارسين وأَهل العلم والفكر والثقافة.
النور والجاذبية
الأَوراق مكتوبة أَصلًا بالأَلمانية (نحو 18 أَلف صفحة). لكنَّ لها هوامشَ وتعليقاتٍ توضيحيةً بالإِنكليزية، تسهِّل بلوغ مضمونها، وتكشف لأَوسع مساحة معرفية ما كان عليه آينشتاين من شخصية فذَّة في صدارة علَماء هذا العصر. وله يعود اكتشاف معنى المكان والزمان، كما معنى النور والجاذبية والكون. وتاليًا، يعتبر الاختصاصيون أَنَّ هذه الوثائق بين أَهمِّ ما يختزنه الفكر في تاريخ العلْم.
ما يميِّز هذه الأَوراق والوثائق أَنها تتشعب ضمن علْم الفيزياء ذاتها. ولتأْمين توضيحها وشروحها كان اللجوء إِلى مؤَرخين علميين متخصصين، وإِلى خبراء في علْم المحفوظات وكيفية معالجتها وحفْظها والحفاظ عليها.
وقبل أَيام أَعلَنت جامعة پرنستون أَنها، تَوَازيًا مع رقمنة الوثائق، ستُصدر قسمًا منها مطبوعًا في منشوراتها العلْمية، تضَعُهُ في متناول الأَكاديميين والطلَّاب والأَساتذة الجامعيين والفلاسفة والمهتمين بتاريخ القرن العشرين.
نبض